: رواية قصيرة ميزان الأبله لماذا تقرأ «ميزان الأبله» الآن؟ احمد صالح سلوم
رواية : ميزان الأبله
لماذا تقرأ «ميزان الأبله» الآن؟
ليست هذه الرواية أول رواية تُكتب عن السلطة، ولن تكون الأخيرة. لكنها قد تكون أولى الروايات التي تجعل القارئ يضحك من قلب الخوف، ثم يسكت فجأة، ثم يعيد قراءة الجملة التي أضحكته ليكتشف أنها ليست مضحكة البتة، بل مأساوية إلى درجة أن الضحك كان الوسيلة الوحيدة لاحتمالها.
«ميزان الأبله» ، رواية قصيرة في حجمها ، هائلة في امتدادها. هي ليست قصة عن إدارة عليا لإدارة الإدارات العليا، رغم أن هذا هو ظهرها. وليست قصة عن رجل غريب يحمل ميزانًا ذهبيًا وتفاحة فاسدة، رغم أن هذا هو نسيجها. هي، في جوهرها، حكاية فلسفية ساخرة عن أثقل شيء في الوجود وأخفه: الكلمة.
في سياق الأدب العالمي
قارئ هذا النص سيتذكر فورًا نيكولاي غوغول، الذي علمنا أن «المعطف لا يصنع رجلاً جديدًا» (والخاتمة هنا تشير إليه بجرأة جميلة). سيتذكر فرانز كافكا، الذي حوّل البشر إلى حشرات وصراصير، بينما كاتبنا يحوّل الجلوس الطويل على كرسي إلى تمثال متحجر. سيتذكر جورج أورويل، الذي رأى في السلطة وحشًا اسمه «الأخ الأكبر»، بينما كاتبنا يرى في السلطة اثنين: نمرًا يزأر بلا أنياب وطاووسًا ينشر ريشه بلا طيران.
بل سيذكر القارئ أيضًا ميخائيل بولجاكوف، ذلك الساخر العظيم الذي جعل الشيطان يزور موسكو السوفياتية في «السيد ومرغريتا»، فجاء أناتولي شفيدكا (بطل هذه الرواية) كنوع من «ملاك ساخر» يزور بيروقراطية لا تقل عبثية عن بيروقراطية بولجاكوف.
لكن «ميزان الأبله» ليست مجرد توليفة ذكية من المؤثرات الأدبية. هي عمل مستقل بذاته، لأنه يجرؤ على شيء لم يفعله غوغول ولا كافكا ولا أورويل: إنه يمنح السلطة فرصة للتغيير. نعم، الرواية لا تنتهي بالقمع أو الموت أو التحول إلى حشرة. تنتهي – وهذا هو جرأتها الكبرى – بالانتصار للحياة نفسها. ليس انتصار البطل على الأشرار، بل انتصار فكرة أن الكلام يمكن أن يوزن، وأن الميزان الحقيقي ليس للذهب بل للإرادة، وأن الشعوب حين تيأس من التهديدات تبدأ في بناء المدن تحت الأرض وصنع الخبز من الرمل والحلم.
لماذا «ميزان الأبله» الآن؟
في زمن طغت فيه الصورة على الكلمة، والتغريدة على الحجة، والتهديد على الحوار، تأتي هذه الرواية لتذكرنا – بمرارة ساخرة – أن الكلام يظل أثقل ما نملك. الشخصيتان المركزيتان (سعادة النمر وسعادة الطاووس) ليستا روسيًا وأمريكيًا لاتينيًا كما توحي أسماؤهما، بل هما نموذجان خالدان لكل من حكم بالزئير وریش التلفزيون. وأناتولي شفيدكا (الموظف الجديد في قسم تصحيح المفاهيم) ليس مخلصًا ولا ثائرًا ولا قديسًا. هو مجرد رجل يحمل ميزانًا، وهذه هي المفارقة المركزية في الرواية: أكثر شخصياتها تأثيرًا هو الأقل درامية، بل هو الأكثر مللاً. لأنه لا يهدد، ولا يزأر، ولا ينشر ريشًا. إنه يزن فقط. ووزنه لكل كلمة هو الذي يسقط الإدارة من داخلها.
البنية والأسلوب
العناوين الفصلية هنا ليست زينة، بل لعبة أدبية ذكية: كل فصل يبدأ بعنوان يعد بإثبات حقيقة («الذي يثبت أن الجلوس على كرسي طويلاً يحول الإنسان إلى تمثال»)، ثم تتحقق هذه الحقيقة ليس بطريقة مباشرة بل بمتاهة ساخرة من الحوار والوصف. إنها تقنية تعود بنا إلى «الحكايات الفلسفية» لفولتير، حيث الفكرة هي البطل وليس الشخص.
اللغة هنا لغة شاعرية ساخرة، تجمع بين التهكم العالي والعبارة اليومية البسيطة. الجمل قصيرة أحيانًا، مقطعة، أشبه بلهاث راكض. وطويلة أحيانًا أخرى، متعرجة، كتلك التي تبدأ بـ «في قديم الزمان كان هناك ملكان...» فتشعر أنك تقرأ حكاية خرافية لكنها تنتهي بقنابل وصواريخ ومدن تبنى تحت الأرض.
الخلاصة
«ميزان الأبله» رواية لا تريد أن تغير العالم (هذا شأن القارئ، كما تقول خاتمتها)، لكنها تريد أن تذكّره بأن هناك عالماً آخر ممكناً. عالم يوزن فيه الكلام قبل أن يُقال، وتُبنى فيه المدن قبل أن تُقصف، ويُصنع فيه الخبز من الرمل حين لا يبقى دقيق.
إن كنت تقرأها للمتعة الأدبية فقط، فستجدها. وإن كنت تقرأها لتفهم لماذا لا تزال بعض الأمم واقفة رغم كل القنابل، فستجد أكثر. وإن كنت تقرأها لتضحك من قلب الخوف، فستضحك. لكنك ستصمت بعد الضحكة. وهذا الصمت هو بداية الميزان.
…….
الفصل الأول
الذي يثبت أن الجلوس على كرسي طويلاً يحول الإنسان إلى تمثال
في إحدى الإدارات العليا التي تشبه كل الإدارات العليا في العالم – أي أنها مبنية من زجاج معتم وغرور مصفح – كان هناك كرسيان. الكرسي الأول كان يجلس عليه رجل بدين قصير الأصابع يعتقد أن العالم عبارة عن فاكهة يجب أن يقشرها بأسنانه. والكرسي الثاني كان يجلس عليه رجل نحيل طويل الأذنين يعتقد أن التاريخ عبارة عن بساط سحري يمكنه أن يطير به إلى أي مكان يريده.
لم يكن أحد منهما يعرف اسم الآخر الحقيقي. كان الأول يُدعى «سعادة النمر» لأنه كان يزأر كلما دخل إلى الاجتماعات، وكان الثاني يُدعى «سعادة الطاووس» لأنه كان ينشر ريشه كلما رأى كاميرات التلفزيون. لكن أسمائهما الحقيقية – تلك التي تدون في شهادات الميلاد التي يخفيانها في خزائن لا تُفتح إلا بعد الموت – كانت: إيوان بتروفيتش كفاسوروف (وهو اسم روسي من أصل مجري لا معنى له سوى أنه طويل ومخيف)، وبيندكت فرنانديز (وهو اسم يبدو لاتينيًّا لكنه في الحقيقة مركب من كلمتين لا علاقة لهما بأمريكا اللاتينية).
كانت الإدارة تسمى «الإدارة العليا لإدارة الإدارات العليا» (أو اختصارًا: إ.ع.إ.إ.ع.إ.ع – وهو اختصار لا ينطقه أحد حتى رئيس الإدارة نفسه). وكانت مهمتها الأساسية أن تثبت للعالم أنها موجودة، وكانت مهمتها الثانوية أن تثبت للعالم أنها قادرة على تدمير العالم إذا أرادت. أما مهمتها الثالثة – وهي الوحيدة التي كانت تؤديها بنجاح – فكانت كتابة تقارير عن نفسها تبدأ بعبارة «بعد اطلاعنا على التقارير السابقة» وتنتهي بعبارة «نوصي بتأجيل البت في الموضوع إلى تقرير قادم».
في صباح يوم ثلاثاء كان الجو غائماً مثل وجوه موظفي الإدارة، دخل إلى الغرفة رجل لم يره أحد من قبل. كان يرتدي معطفاً طويلاً من الصوف الخشن، وكان حافي القدمين رغم أن البلاط كان بارداً كبرد المقابر. كان يحمل في يده اليمنى ميزاناً من ذهب لا يرفعه أحد غيره، وفي يده اليسرى تفاحة فاسدة عضّها أحدهم من قبل وتركها.
سعادة النمر (إيوان بتروفيتش) رفع رأسه من بين أكوام التقارير وقال بصوت يشبه صوت معدة جائعة: من أنت؟ وكيف دخلت؟ الأبواب الإلكترونية لا تفتح إلا لبطاقات الدخول الذهبية التي منحناها لأنفسنا احتفالاً بذكرى منحنا البطاقات لأنفسنا في العام الماضي.
الرجل الغريب وضع التفاحة على الطاولة ووضع الميزان إلى جوارها ثم قال: اسمي أناتولي جافريلوفيتش شفيدكا. أنا موظف جديد في قسم تصحيح المفاهيم في الطابق السابع. جئت لأخبركما أن ميزانكما معطوب.
ابتسم سعادة الطاووس (بيندكت فرنانديز) ابتسامة تليق بمن يظن أنه يفهم كل شيء دون أن يفهم شيئاً: ميزاننا معطوب؟ نحن لا نملك ميزاناً. نحن نملك صواريخ. الصواريخ هي ميزاننا. وهي تعمل بكفاءة عالية كما رأيت في التقرير السنوي الذي كتبناه بأيدينا.
أناتولي شفيدكا (الرجل الغريب) أشار إلى الميزان الذهبي الذي كان يحمله: هذا هو الميزان الحقيقي. أما صواريخكم فهي مجرد أعواد ثقاب في عاصفة. تظنون أنها تشعل الحرائق، لكنها في الحقيقة تشير إلى مكانكم للصيادين.
قام سعادة النمر من كرسيه محاولاً أن يبدو طويلاً: هل تهددنا أيها الموظف الجديد في قسم تصحيح المفاهيم؟ نحن الذين نصحح المفاهيم. نحن. وحدنا. ونحن من يقرر من على حق ومن على باطل. وإذا لم تصدقني فاسأل أي جدار في هذه الغرفة، فهو سيشهد أنني كنت على حق دائماً.
أناتولي أخرج من جيب معطفه ورقة مطوية أربع طيات وفتحها ببطء شديد – ببطء الموتى الذين يخرجون من قبورهم في الليل ليشربوا حليب جيرانهم. ثم قرأ: بحسب المادة 7 من الفقرة 3 من البند 12 من الملحق 4 من التعديل 19 من القانون الأساسي لتصحيح المفاهيم، يحق لأي موظف جديد في قسم تصحيح المفاهيم أن يخبر أي موظف قديم أن ميزانه معطوب، وأن يقدم له ميزاناً جديداً للاستخدام المؤقت لحين إصلاح الميزان القديم. والمادة تذكر أيضاً أن الموظف القديم لا يحق له الاعتراض لأن اعتراضه سيعتبر دليلاً على أن ميزانه معطوب حقاً.
سعادة الطاووس والطاووس الآخر (أي النمر) تبادلا النظرات، ثم بدآ يقرصان بعضهما تحت الطاولة للتأكد من أنهما ليسا في كابوس. لكنهما كانا في كابوس. وكان الكابوس حقيقياً.
…….
الفصل الثاني
الذي يثبت أن الخرائط المقلوبة لا تقود إلى الجنوب
في اليوم التالي، عاد أناتولي شفيدكا إلى الإدارة العليا لإدارة الإدارات العليا. هذه المرة لم يأتِ حافياً. بل جاء مرتدياً حذاءً من جلد الخنزير (كان الخنزير قد مات في حادث غريب عندما سقطت عليه خزانة كتب مليئة بأعمال كارل ماركس وفريدريك إنجلز). وكان يحمل ميزاناً أكبر من الميزان السابق، وكان يحمل أيضاً ببغاءً أخضر لا يتكلم إلا إذا سُئل عن أسعار العملات في بورصة طوكيو.
سعادة النمر كان قد أعدَّ خطابه طوال الليل. وقف أمام المرآة – التي كانت في الحقيقة شاشة تلفزيون تعرض صورته من زاوية تجعله يبدو أطول وأكثر فتكاً – وردد جملته مئة مرة: أنا لا أخاف من موظف جديد في قسم تصحيح المفاهيم. أنا لا أخاف من موظف جديد في قسم تصحيح المفاهيم. أنا لا أخاف…
لكنه عندما رأى أناتولي وحذاء الخنزير والببغاء الأخضر، نسي الجملة كلها وقال بدلاً منها: أين وضعت التفاحة التي أحضرتها أمس؟ كنت سأتناولها مع الغداء.
أناتولي أخرج التفاحة من جيبه الأيسر. كانت قد تعفنت تماماً وتحولت إلى كتلة بنية تشبه تقريراً وزارياً قديماً. قال: هذه التفاحة يا سعادة النمر هي مثل سمعتك. تعفنت لأنك تركتها على الطاولة دون أن تلمسها. وسمعتك تعفنت لأنك لم تفعل شيئاً يذكرها به الناس بعد أن تموت.
سعادة الطاووس تدخل هذه المرة: نحن لا نموت. نحن نُخلَّد. تماثيلنا تملأ الساحات العامة. وأسماؤنا تملأ كتب التاريخ التي نكتبها بأنفسنا ونوزعها على المدارس مجاناً.
أناتولي أشار إلى الميزان الكبير: تفضلوا. زنوا كلامكم. ضعوه في كفة هذا الميزان. سترون كم يزن.
حاول سعادة النمر أن يضع كلمة «نحن الأقوياء» في كفة الميزان. لكن الميزان لم يتحرك. حاول سعادة الطاووس أن يضع جملة «إسرائيل إلى الأبد» (أو ما يشبهها) في الكفة الأخرى. لم يتحرك الميزان أيضاً.
ثم حاولا معاً أن يضعا كل ما قالاه في الاجتماعات العلنية والسرية طوال العقد الماضي. وضعا الأكاذيب، والتضليل، والتهديدات، والوعود، والخطابات، والتصريحات، والبيانات، والتعليقات، والتغريدات. كل شيء. وضعه في كفة. وكل شيء. لم يتحرك الميزان.
أناتولي ابتسم ابتسامة لم تكن في الحقيقة ابتسامة بقدر ما كانت حركة عضلية لا إرادية نتجت عن حالة من الملل المزمن: أترون؟ كلامكم لا وزن له. كلامكم هو مثل تفاحة الأمس. تعفن قبل أن يُسمع. أما الميزان الحقيقي فيزن الإرادة، والكرامة، والصبر، والعلم، والإيمان بأن الغد سيكون أفضل. هذه الأشياء يا سادتي لا تشترونها بالدولار، ولا تنتجونها بالمصانع، ولا توزعونها بالطائرات. هذه الأشياء تنمو في قلوب الشعوب حين تيأس منكم ومن أمثالكم.
سعادة النمر وسعادة الطاووس جلسا على كرسييهما دون أن يشعرا بأن أقدامهما تبتعد عن الأرض قليلاً. لم يلاحظا أن الغرفة كانت تتسع كل ثانية، وأن الجدران كانت تتباعد كما لو أن شخصاً ما يقرر أن يهدم الإدارة من داخلها.
الببغاء الأخضر فتح فجأة فمه وقال: سعر النفط اليوم 78 دولاراً للبرميل. ثم أغمي عليه من شدة الدهشة لأنه لم يتوقع أن يتكلم في هذا السياق.
…….
الفصل الثالث
الذي يثبت أن العناكب تحلم أيضاً
كانت الليلة الثالثة منذ أن بدأ أناتولي شفيدكا في زيارة الإدارة العليا لإدارة الإدارات العليا. سعادة النمر لم ينم. جلس على سريره الذي كان على شكل كرسي (لأنه نسي أن السرير يختلف عن الكرسي) وحاول أن يتذكر آخر مرة شعر فيها بأنه على حق. تذكر. كان ذلك في عام 1983 عندما قال لزوجته إن الفاصولياء الخضراء أفضل من الفاصولياء الصفراء. وكانت زوجته قد وافقت لأنها كانت خائفة من أن يطلقها إذا اختلفت معه.
سعادة الطاووس لم ينم أيضاً. جلس في حمامه البارد وحاول أن يكتب قصيدة عن المجد والخلود. كتب بيتاً واحداً ثم شطبه. كتب بيتاً آخر ثم مزق الورقة. كتب بيتاً ثالثاً فوجد أنه مسروق من قصيدة لشاعر بولندي مات قبل مئة عام. فبكى. ليس لأنه سرق، بل لأنه أدرك أنه لا يستطيع حتى أن يسرق جيداً.
في الصباح، جاء أناتولي مبكراً. كان يحمل هذه المرة ميزاناً صغيراً يمكن وضعه في الجيب، وكان يحمل أيضاً فأراً ميتاً علّمه كيف يرقص على أنغام الناي (لكن الفأر كان ميتاً حقاً، ولم يكن يرقص إلا إذا هزّه أناتولي بيده).
قال أناتولي: سأخبركما قصة قصيرة. في قديم الزمان، كان هناك ملكان. أحدهما كان يظن أنه أسد، والآخر كان يظن أنه نسر. اجتمعا في قصر من ورق على تخوم الصحراء، وقررا أن يخوّفا شعباً لا يعرف الخوف. أرسلا إليه رسالة مكتوبة بالدم: «إما أن تستسلم أو سنحرق حقولك ونسقي أطفالك الرصاص».
الشعب الذي لا يعرف الخوف قرأ الرسالة، ثم أحرقها، ثم زرع حقوله من جديد، ثم أطعم أطفاله الخبز الذي صنعه بأيديه. ثم كتب رسالة ردّاً: «نحن لا نستسلم. نحن نزرع. نحن نبني. نحن نعلم. نحن نصنع الصاروخ في القبو ونطلق القمر إلى السماء. أما أنتم، فتفعلون ماذا؟ تهددون. هذا كل ما تفعلون. تهددون. وكأن التهديد إنجاز».
الملكان غضبا. أمرا بقصف الحقول. لكن الحقول كانت قد حصدت. أمرا بحرق المدن. لكن المدن كانت قد بنيت تحت الأرض. أمرا بتجويع الأطفال. لكن الأطفال كانوا قد تعلموا كيف يصنعون الخبز من الرمل والحلم.
وبعد سنوات، عندما عاد الملكان إلى قصرهما الورقي، وجداه قد انهار. ليس من الريح، بل من الفراغ. لأنهما كانا يظنان أن القصر مبني على صخر، والحقيقة أنه مبني على وهم. سقط القصر. سقط الملكان. ولم يسقط الشعب. لأنه لم يكن هناك شعب يسقط. كان هناك فقط أمة تقف.
سعادة النمر وسعادة الطاووس تبادلا النظرات. كان وجهاهما شاحبين كوجهي رجلين اكتشفا أن ساعتهما الذهبية كانت تشير إلى الوقت الخطأ طوال حياتهما.
الببغاء الأخضر فتح فمه مرة أخرى وقال: سعر الذهب اليوم 1950 دولاراً للأونصة. ثم بدأ ينقر على قفصه محاولاً الخروج.
أناتولي أخرج الميزان الصغير من جيبه ووضعه على الطاولة: هذا الميزان سيبقى هنا. ستراه كل يوم. سيتذكركما بأن كلامكما لا يزن شيئاً. وإذا أردتما أن تزنا كلاماً له وزن، فابدآ بالانسحاب. ادفعا التعويضات. اعترفا بأن لا أحد يخاف منكما. عندها فقط سيبدأ ميزانكما في التحرك.
وقف سعادة النمر وقال بصوت خافت: انسحاب؟ أنا؟ أنا الذي لا أنسحب أبداً؟ أنا الذي أوقعت المعاهدات وألغيتها في نفس اليوم؟ أنا الذي...
لكنه لم يكمل جملته. لأنه نظر إلى الميزان الصغير فرآه يزن كلمة «انسحاب» التي قالها دون أن ينتبه. وكان وزنها خفيفاً جداً، لأنها كانت صادقة.
…….
الفصل الرابع
الذي يثبت أن النمل لا يبني بيوتاً في جيوب الجياع
بعد أسبوع من الزيارات اليومية لأناتولي شفيدكا، بدأ الموظفون في الإدارة العليا لإدارة الإدارات العليا يلاحظون تغيراً غريباً. الكراسيان اللذان كانا يجلس عليهما سعادة النمر وسعادة الطاووس أصبحا أصغر حجماً. لم يفهم أحد السبب في البداية. ثم اكتشف كبير المهندسين في قسم الأثاث الحكومي أن الكرسيين كانا ينهاران تدريجياً بسبب قلة من يجلس عليهما. فسعادة النمر وسعادة الطاووس كانا يقضيان معظم وقتهما واقفين أمام النافذة، ينظران إلى الشرق، يحاولان رؤية شيء لا يراه غيرهما.
في اليوم العاشر، جاء أناتولي بدون ميزان. كان يحمل فقط تفاحة جديدة (لم تتعفن بعد) وعلبة حليب فارغة وجريدة قديمة. وضع التفاحة على الطاولة، والعلبة الفارغة إلى جوارها، والجريدة القديمة فوقهما.
سعادة النمر التفت إليه من النافذة: أين الميزان؟
أناتولي: لم تعد تحتاجانه. لقد فهمتما الفكرة. الكلام الذي يقال الآن في هذه الغرفة له وزن. ليس لأنكما أدركتما الحقيقة، بل لأنكما أدركتما أنكما لا تعرفانها. هذا الإدراك هو بداية الميزان.
سعادة الطاووس (الذي كان يظن طوال حياته أن الميزان أداة للوزن وليس أداة للفهم) قال بتلعثم: إذن… ماذا نفعل الآن؟ وكيف نفسر للعالم أننا غيرنا رأينا؟
أناتولي أخذ نفساً عميقاً. كان هذا النفس أعمق من كل أنفاسه السابقة مجتمعة. ثم قال:
سأخبركما قصة أخرى. في مدينة اسمها سايغون، كان هناك قنصلية على سطحها مروحية. وكان هناك جيش يعتقد أنه لا يُقهر. وفي يوم من الأيام، أقلعت المروحية دون أن تنظر إلى الوراء. الجيش الذي لا يُقهر ترك وراءه أسلحة بمليارات الدولارات، ووثائق سرية، وعملاء خائفين، وحلماً وردياً تحول إلى كابوس رمادي.
الناس في سايغون لم يضحكوا على الجيش المنهزم. لم يكن لديهم وقت للضحك. كانوا يعيدون بناء مدينتهم. كانوا يزرعون الأرز في الحقول التي قُصفت. كانوا يعلمون أطفالهم القراءة في المدارس التي بُنيت من أنقاض المدارس القديمة.
وبعد سنوات، زار أحد قادة الجيش المنهزم سايغون. كان يظن أنه سيرى مدينة مدمرة وشعباً منهزماً. لكنه رأى ناطحات سحاب، ومصانع، وجامعات، وابتسامات. رأى شعباً لم يعد يتذكره إلا في كتب التاريخ. رأى شعباً هزمه ليس بالسلاح، بل بالحياة.
سعادة الطاووس: ما علاقة سايغون بنا؟ نحن لسنا في سايغون. نحن في…
أناتولي: أنتم في سايغون. أنتم على سطح قنصلية، والمروحية تنتظر. لكن المروحية هذه المرة ليست مروحية هليكوبتر. المروحية هي كلمة واحدة. كلمة «انسحاب». إذا قلتموها الآن، بصدق، وبوضوح، وبلا لف ولا دوران، فستقلع بكم إلى بر الأمان. وإذا لم تقولوها، فستبقون هنا، على هذا السطح، تنتظرون نهاية لا تأتي، وشعباً لا يخاف، وميزاناً لا ينقلب.
سعادة النمر أخرج من جيبه منديلاً أبيض. لم يكن يقصد به الاستسلام. كان يقصد به مسح عرقه. لكن الريح هبت من النافذة فطيرت المنديل إلى خارج الغرفة. ولأن المنديل كان أبيض، ولأنه طار باتجاه الشرق، ظن المراقبون في الخارج أن إيوان بتروفيتش كفاسوروف قد رفع راية الاستسلام.
لم يرفعها. لكنه لم ينكرها أيضاً.
وهذا كان أسوأ.
…….
الفصل الخامس والأخير
الذي يثبت أن المعطف الجديد لا يصنع رجلاً جديداً
بعد شهر كامل من زيارة أناتولي شفيدكا، أصدرت الإدارة العليا لإدارة الإدارات العليا بياناً من ثلاث كلمات: «نحن ننسحب. نحن ندفع. نحن نتعلم».
لم يصدق أحد البيان في البداية. ظن الناس أنه مزحة أو تقرير مسرب من قسم المحاكاة الحاسوبية. لكن عندما بدأت القوات تغادر قواعدها، وعندما بدأت التعويضات تتدفق إلى حسابات لم تكن موجودة من قبل، وعندما بدأ القادة يعلنون في التلفزيون أنهم «يتعلمون من أخطائهم»، عندها فقط أدرك العالم أن القصة حقيقية.
أناتولي شفيدكا اختفى في نفس اليوم الذي صدر فيه البيان. لم يره أحد يغادر الإدارة. لم يره أحد في المصعد أو في موقف السيارات. بعض الموظفين قالوا إنهم رأوا معطفه الصوف الطويل معلقاً على شماعة في الطابق السابع، لكن المعطف كان فارغاً، وكانت جيوبه ممتلئة بتفاح طازج.
الببغاء الأخضر نُقل إلى حديقة الحيوانات المركزية، حيث أطلقوا عليه اسم «الرئيس السابق» لأنه كان لا يتكلم إلا عن الأسعار ولا يفهم شيئاً في السياسة. الفأر الميت الذي علّمه أناتولي الرقص دُفن في فناء الإدارة في حفل مهيب حضره ثلاثة موظفين كانوا يبحثون عن عذر للخروج من العمل مبكراً.
سعادة النمر (إيوان بتروفيتش كفاسوروف) تقاعد بعد أسبوع من البيان. اشترى مزرعة صغيرة في الريف وبدأ يزرع البرتقال. كان يروي للزوار أن البرتقال الذي يزرعه هو أفضل برتقال في العالم، وأن أي شخص لا يعتقد ذلك فهو إما جاسوس أو أحمق. لم يشترِ أحد برتقاله. لكنه كان سعيداً. لأنه كان أخيراً يفعل شيئاً غير التهديد.
سعادة الطاووس (بيندكت فرنانديز) لم يتقاعد. حاول أن يكتب مذكراته. أراد أن يثبت للعالم أنه كان على حق طوال الوقت، وأن الانسحاب كان خطة محكمة، وأن التعويضات كانت استثماراً ذكياً. لكن المذكرات لم تكتمل. لأن بيندكت فرنانديز كان يكتب بسرعة، وكان يمحو بسرعة أكبر، وفي النهاية لم يبقَ على الورق سوى جملة واحدة: «كان الميزان ثقيلاً، لكن الأثقل منه كان الصمت».
أما أناتولي جافريلوفيتش شفيدكا، فلم يُعرف عنه شيء بعد ذلك. بعض التقارير قالت إنه سافر إلى فيتنام ليدرس كيف تبني الأمم من تحت الأنقاض. وبعضها قال إنه عاد إلى قريته الصغيرة ليعلم الأطفال القراءة والكتابة. وبعضها قال إنه ما زال هناك، في الإدارة العليا لإدارة الإدارات العليا، يجلس على كرسي أحد الملكين، يرتدي معطفه الطويل، وينتظر ملكاً جديداً يحتاج إلى ميزان.
لكن المؤكد، والمؤكد من مصادر موثوقة لا تنشر أسماءها لأسباب أمنية، أن ميزاناً ذهبياً صغيراً بقي على طاولة الاجتماعات في الغرفة المستديرة. وكان هذا الميزان يزن كل كلمة تقال في الغرفة. وكانت كل الكلمات التي كانت تقال في الغرفة بعد ذلك توزن جيداً. وكانت ثقيلة. لأن الناس تعلمت أخيراً أن الكلام ليس مجرد هواء، بل هو إما جسر يبنى أو هدم يقع.
وفي نهاية المطاف، لم يعد أحد يتذكر أسماء الملكين. ولا اسم الإدارة العليا لإدارة الإدارات العليا. ولا حتى اسم أناتولي شفيدكا الذي كان البطل الحقيقي لهذه القصة. لكن الناس تذكرت الميزان. وتذكرت فكرة أن الأمور توزن بالإرادة لا بالقنابل، وبالصبر لا بالتهديد، وبالحياة لا بالموت.
وهذه التذكرة وحدها، ربما، كانت كافية لتغيير العالم.
ولو قليلاً.
ولو في الخيال.
ولو في الروايات.
وهذا يكفي.
…….
خاتمة الروائي
هذه الرواية لم تكتب لتكون تاريخاً. ولا لتكون سياسة. ولا لتكون ديناً. كُتبت لتكون ما كانت عليه أعمال غوغول وأورويل وخارمس: مرآة مقلوبة تري القارئ ما لا يراه في المرآة العادية. شخصياتها ليست حقيقية. لكن ما تفعله هذه الشخصيات حقيقي. المكان ليس موجوداً. لكن ما يحدث فيه يحدث في كل مكان. الزمان ليس محدداً. لكنه زماننا.
الميزان الذهبي الذي يحمله أناتولي شفيدكا هو نفسه الميزان الذي تحدث عنه صاحب «قارة لا تُرهب». ليس ميزاناً حرفياً، بل رمزاً لفكرة: أن هناك أموراً لا تقاس بالدولار ولا بالصواريخ، بل بالكرامة والحرية والإرادة. وأن من يظن أن القنابل تصنع التاريخ هو كمن يظن أن المعطف يصنع الرجل.
والمعطف، كما قال غوغول، لا يصنع رجلاً جديداً. لكن الميزان، ربما، يصنع عالماً جديداً. أو على الأقل يذكّرنا بأن هناك عالماً آخر ممكناً، غير هذا العالم الذي ورثناه من آبائنا الذين ورثوه من أجدادهم الذين ظنوا أن التهديد أسهل من الحوار، وأن القصف أرخص من البناء، وأن الموت أرخص من الحياة.
وهم كانوا مخطئين. وهذا ما تثبته كل الروايات التي تنتهي بابتسامة بطل لا ينتظر جائزة، بل ينتظر قارئاً يفهم.
……..
انتهت الرواية
