رواية قصيرة : "ضفائر تحت الركام".. معاناة أطفال ميناب أحمد صالح سلوم
رواية قصيرة : "ضفائر تحت الركام".. معاناة أطفال ميناب
رواية في ستة فصول
القسم الأول: تمهيد الرواية
في زمن أصبحت فيه الإبادة بضاعة رائجة، والأطفال أهدافاً عرضية، والضحايا مجرد أرقام في نشرة أخبار عابرة، تأتي رواية "ضفائر تحت الركام" لتذكرنا بشيء نسيه العالم عمداً: أن وراء كل رقم ضحية هناك طفلة كانت تحلم، وكان لها اسم، وكانت تمشط شعرها أمام مرآة مكسورة كل صباح.
هذه الرواية ليست مجرد عمل أدبي. إنها شهادة. إنها صرخة. إنها وثيقة أدبية تؤرخ لحظة انكشاف الإمبراطورية الأمريكية وكيانها الصهيوني المارق ومحمياتها الخليجية في أوج همجيتها، من غزة إلى ميناب، مروراً بكل الأمكنة التي سقط فيها الأطفال كي تبقى أسعار النفط منخفضة وتبقى الهيمنة الغربية قائمة.
اسمها "ضفائر تحت الركام". والضفائر هنا ليست مجرد تسريحة شعر. الضفائر هي رمز البراءة التي تحاول التمسك بجمالها حتى تحت وطأة الموت. الضفائر هي ما تبقى من الطفولة حين يسرقها الكبار. الضفائر هي الخيط الرفيع الذي يربط الفتيات بالحياة، حتى عندما تكون الحياة مستحيلة.
تدور أحداث الرواية في مدينة ميناب الساحلية بمحافظة هرمزغان الإيرانية، في صباح الثامن والعشرين من فبراير عام 2026. ذلك الصباح الذي شهد واحدة من أبشع مجازر العصر الحديث: قصف مدرسة "شجرة طيبة" الابتدائية للبنات بصاروخ توماهوك أمريكي، مما أودى بحياة مئة وثمانين فتاة، معظمهن بين السابعة والثانية عشرة.
لكن الرواية لا تبدأ بالقصف، كما لا تبدأ الحياة بالموت. تبدأ برائحة الخبز البلدي تفوح من الفرن في نهاية الزقاق. تبدأ بمرآة صغيرة مكسورة الزاوية تصلح فيها أم شذى ضفائر ابنتها. تبدأ بحلم طفلة في التاسعة تحفظ جدول الضرب وتريد أن تصبح طبيبة.
الرواية تبدأ من حيث تبدأ كل الحكايات الحقيقية: من التفاصيل الصغيرة التي تجعل الحياة حياة.
شذى، بطلة الرواية، ليست فتاة خارقة. ليست بطلة من نوع هوليوود التي تقاتل الجيوش بقواها الخارقة. شذى هي طفلة عادية، تحب الرياضيات وتخاف من الامتحانات، وتضحك مع صديقتها رقية، وتغضب عندما تسقط قلمها، وتحلم بحقيبة مدرسية جديدة. عاديتها هي بالضبط ما يجعلها استثنائية. لأنها في عالم يحاول قتلها، مجرد البقاء على قيد الحياة هو انتصار.
صديقتها رقية، في الثامنة، ذات العيون الخضراء التي تشبه قطط الزقاق، تحمل قارورة ماء مزينة بملصقات لشخصيات كرتونية. رقية هي الصديقة المقربة، رفيقة الدرب، شقيقة الروح. موتها سيكون نقطة التحول في حياة شذى، والجرح الذي لا يلتئم، والشيء الذي يجعل الطفلة تفكر كالكبار.
أم شذى، لجين، امرأة في الرابعة والثلاثين، خياطة حاذقة تخيط فساتين الأفراح التي لم تعد هناك أفراح لتخيط لها. أرملة صياد ابتلعه البحر - أو ابتلعته زوارق الحرس الثوري، حسب الرواية - تواجه وحدها مسؤولية تربية ابنتيها في عالم ينهار.
المعلمة فاطمة، المدرسة المجتهدة التي تحاول جعل الرياضيات ممتعة، والتي ستفقد في لحظة كل ما بنته خلال سنوات من التدريس، وستقضي بقية حياتها تحاول تعليم فتيات جديدات كيف ينسين، أو كيف يتذكرن بطريقة لا تحطمهن.
هؤلاء هم أبطال الرواية. لا جنرالات، ولا سياسيون، ولا رجال أقوياء. نساء وفتيات. لأن الرواية تريد أن تقول: في حروب الإمبراطوريات، الضحايا الحقيقيون هم دائماً النساء والأطفال. وهم أيضاً المقاومون الحقيقيون.
التوقيت: 10:45 صباحاً، أثناء تبديل الحصص الدراسية. اختار الطيارون الأمريكيون هذا التوقيت بدقة. ليس بالصدفة، وليس كما زعم التقرير العسكري الأمريكي الأولي عن "خطأ في تحديد الهدف". بل عن قصد وعمد. لأن هذا هو وقت الذروة، وقت وجود أكبر عدد من الطالبات في المدرسة. هذا هو وقت تحقيق أقصى أثر، وأعلى حصيلة، وأبلغ رسالة.
الرسالة كانت: لا مكان آمناً. لا مدرسة تحميكم. لا طفولة تحميكم. لا براءة تحميكم. نحن الإمبراطورية الأمريكية و كيانها الصهيوني المارق ومحمياتها الخليجية . ونحن نقتل من نريد، متى نريد، وأين نريد.
هذه هي الهمجية المكشوفة التي تتحدث عنها الرواية. ليس الهمجية كغريزة حيوانية عابرة، بل الهمجية كمنهج، كنظام، كضرورة هيكلية لمرحلة أفول الإمبريالية.
فالإمبراطورية عندما كانت قوية، كانت بحاجة إلى أقنعة. كانت بحاجة إلى خطاب حقوق الإنسان، إلى القوة الناعمة، إلى هوليوود، إلى الجامعات التي تجذب الطلاب الدوليين، إلى المساعدات الإنسانية، إلى الدبلوماسية التي تبيع الأوهام. كانت بحاجة إلى أن يصدق العالم أنها قوة خيّرة تنشر الديمقراطية وتحارب الإرهاب.
لكن الإمبراطورية عندما تضعف، عندما تفقد تفوقها الاقتصادي، عندما تنهار هيبتها الأخلاقية، عندما تنكشف أكاذيبها، عندها ترمي الأقنعة. تصبح همجية مكشوفة. لا تتحدث عن حقوق الإنسان بعد الآن. تتحدث عن الصواريخ وعن "المصالح الوطنية" وعن "الردع". لم تعد بحاجة إلى إقناع أحد بشرعية حروبها. صارت تمارس الإبادة بكل وقاحة، وتسأل: من سيمنعنا؟
الرواية تسمي الأشياء بمسمياتها. لا تسمي ما حدث "خطأً" ولا "أضراراً جانبية" ولا "ضحايا عرضيين". تسميه ما هو عليه: إبادة. جريمة حرب. إرهاب دولة. همجية مكشوفة.
في قلب الرواية، هناك سؤال مركزي تطرحه شذى على أمها، وهو السؤال نفسه الذي يطرحه كل طفل فلسطيني عاش تحت القصف، وكل طفل عراقي رأى مدمرة صواريخ تحلق فوق بيته، وكل طفل أفغاني ولد وترعرع تحت وطأة الاحتلال:
"أمي، هل تعتقدين أن الله رأى ما حدث؟"
"أكيد رآه يا حبيبتي."
"إذاً، لماذا لم يفعل شيئاً؟"
هذا هو السؤال الأعمق في الرواية. ليس سؤالاً لاهوتياً بحتاً، بل سؤالاً وجودياً، سياسياً، أخلاقياً. سؤال عن العدالة الإلهية في عالم يسوده الجور. سؤال عن معنى الخير في زمن انتصار الشر. سؤال عن جدوى المقاومة في مواجهة آلة إبادة لا تعرف الرحمة.
أم شذى لا تجيب إجابة لاهوتية معقدة. لا تتحدث عن "حكمة الله" أو "الابتلاء" أو "الأجر في الآخرة". تجيب بإجابة أم عادية تريد أن تمنح ابنتها القوة لمواصلة الحياة:
"لأنه يريد منا أن نفعل شيئاً. يريد أن يرانا أقوياء. يريد أن نكون نحن جواب السؤال."
هذه الإجابة تلخص فلسفة الرواية بأكملها: أن البشر، وليس الآلهة، هم من يصنعون التاريخ. أن المقاومة، وليس الصبر على الظلم، هي الطريق. أن الضحايا عندما يتحولون إلى فاعلين، يصبحون أقوى من كل جيوش العالم.
لكن يبقى السؤال مفتوحاً. الرواية لا تقدم إجابات سهلة. لأنها تعرف أن أسئلة الأطفال عن سبب معاناتهم لا تجيب حقاً. لكنها تعرف أيضاً أن هذه الأسئلة هي بداية الوعي، ونهاية القبول بالظلم كقدر.
الرواية لا تقتصر على ميناب. تمتد خيوطها إلى واشنطن، إلى قبو بلا نوافذ حيث يجلس الجنرال ماكدونالد أمام شاشات تعرض صور الأقمار الصناعية. ماكدونالد ليس شريراً بالمعنى الكلاسيكي. ليس وحشاً يستمتع بالقتل. هو رجل عادي، مثل ملايين الرجال العاديين، وجد نفسه في الجيش لأنه كان الطريقة الوحيدة للخروج من بلدته الفقيرة. تزوج، أنجب ابنة، اشترى منزلاً في الضواحي، وخدم إمبراطورية كانت يوماً ما تؤمن بشيء، ثم توقفت عن الإيمان.
ماكدونالد هو ضمير الإمبراطورية المتعثر. هو من يكتب التقرير الذي يصف مذبحة ميناب بأنها "خطأ في تحديد الهدف". هو الذي يخبر العالم أن المدرسة كانت تستخدم كقاعدة عسكرية. هو الذي يرى صور الفتيات الميتات على شاشته ثم يذهب لتناول العشاء مع عائلته.
لكن ماكدونالد أيضاً من يتقيأ في الليل. من يشعر بروحه تذوب يوماً بعد يوم. من ينظر إلى ابنته في التاسعة ويرى فيها شذى. من يقدم استقالته بعد أن لا يطيق سماع الكذبة.
هذه الشخصية هي واحدة من أعمق ما في الرواية. لأنها تظهر أن العدو ليس كتلة واحدة متجانسة. أن هناك في داخل الآلة الإمبريالية بشراً يدركون أنهم يشاركون في جريمة، لكنهم لا يعرفون كيف يخرجون منها. ماكدونالد ليس بطلاً - فهو لا ينقذ أحداً، ولا يوقف المجزرة، ولا يعيد فتيات ميناب إلى الحياة. لكنه شاهد. وهو الذي سيشهد يومًا أمام التاريخ أو أمام نفسه.
الرواية بذلك تتجاوز الثنائية السهلة (نحن الخير / هم الشر) إلى رؤية أكثر تعقيداً للصراع. رؤية ترى أن الاستعمار والإمبريالية ليسا مجرد أخطاء فردية، بل أنظمة تنتج سلوكيات معينة، وتخلق ضحايا في كل جانب، حتى بين من يمسكون بزمام القوة.
تقنية السرد في "ضفائر تحت الركام" تستحق وقفة متأنية. الكاتب - أو الراوي - يختار أسلوباً متعدد الأصوات، ينتقل بين ضمير الغائب عندما يحكي عن شذى وأمها، وبين ضمير المتكلم في مقاطع نادرة وحاسمة، كما في لحظة اعتراف ماكدونالد أو في كلمات شذى الأخيرة أمام الكاميرا.
هذا التعدد الصوتي ليس مجرد حيلة تقنية. إنه قرار أيديولوجي عميق. فالرواية تريد أن تقول إن صوت الطفل يحمل وزناً يساوي وزن صوت الجنرال. إن صوت الأم الثكلى يحمل حقيقة لا تقل عن حقيقة التقرير العسكري. إن أصوات الضحايا يجب أن تُسمع، ليس كشهادة فقط، بل كحجة في محاكمة التاريخ.
كما تستخدم الرواية تقنية "التذكير" - إعادة مقاطع بعينها بأسلوب مختلف. أبرزها تكرار جدول الضرب الذي تحفظه شذى: "ثلاثة في ثلاثة تسعة. أربعة في أربعة ستة عشر." في المرة الأولى، يبدو كأي جدول ضرب تردده طفلة. لكن كلما تكرر، يتحول إلى تعويذة، إلى صرخة، إلى دليل على أن هذه الطفلة كانت تعيش وتتعلم وتحلم قبل أن تُقتل. في نهاية الرواية، عندما تردده شذى للمرة الأخيرة قبل أن تتحول إلى "فكرة"، يصبح الجدول بكاءً، وتذكيراً بكل الأصوات التي أُسكتت.
الصور البصرية في الرواية قوية بشكل استثنائي. "رائحة الخبز تفوح من الفرن البلدي" في البداية توازيها "رائحة اللحم المحروق" بعد القصف. "ضفائر شذى التي تصلحها أمها" توازيها "أشلاء الضفائر المتناثرة تحت الركام". "قارورة رقية المزينة بملصقات كرتونية" توازيها "أيدي رقية المنفصلة عن جسدها والتي لا تزال تمسك القارورة". هذه الثنائيات البصرية تخلق شعوراً بالخسارة لا يمحى، وتجعل القارئ يشعر بالجريمة بكل حواسه، لا بعقله فقط.
مشهد جنازة فتيات ميناب هو من أقوى مشاهد الرواية وأكثرها إيلاماً. لكن الرواية لا تقع في فخ الاستغراق في البكاء والمأساة. بل على العكس، تتحول الجنازة إلى مشهد مقاومة. الأمهات لا يبكين فقط. بل يرفعن أصواتهن. يهتفن. يرددن أسماء بناتهن وكأنهن يستدعيهن من الموت:
"شذى! شذى! لم تمت شذى!"
هذا التحول من النحيب إلى الهتاف هو لحظة فارقة في الرواية. إنها اللحظة التي تتحول فيها الضحية إلى مقاوم. التي تتحول فيها المأساة إلى ملحمة. التي تتحول فيها الهزيمة إلى بذرة نصر.
الرواية بذلك ترفض النظرة الاستعلائية التي ترى ضحايا الاستعمار كمجرد ضحايا، كأرقام في إحصاءات، كوجوه حزينة على غلاف مجلة. تقدمهم كفاعلين، كبشر يقررون كيف يستجيبون للموت. بعضهم يبكي، وبعضهم يصمت، وبعضهم يهتف، وبعضهم يكتب، وبعضهم يعلم. لكن لا أحد يبقى مجرد ضحية.
هذه هي رسالة الرواية الأهم: أن الضحايا عندما يرفضون دور الضحية، يصبحون خطراً على الإمبراطورية الأمريكية وأدواتها في غرب آسيا أكثر من أي جيش. لأن الإمبراطورية تعرف كيف تقاتل الجيوش، لكنها لا تعرف كيف تقاتل الأفكار. والأفكار، كما تقول شذى، لا تُقتل.
اللغة في "ضفائر تحت الركام" هي بطلة ثالثة بعد شذى وأمها. إنها لغة شعرية بدون تكلف، عميقة بدون ادعاء، قاسية حيث يجب أن تكون قاسية، وناعمة حيث يجب أن تكون ناعمة.
خذوا هذا المقطع مثلاً:
"كانت شذى تعتقد أن البحر مالح. لكنها عندما تذوقت دمعة أمها، عرفت أن هناك ما هو أملح من البحر. هناك دموع الأمهات. هناك دموع الأطفال الذين رأوا الموت بعيون لا تزال لا تعرف معنى الموت."
هنا، تستعير الرواية من الاستعارة البحرية التي ظهرت في بداية الرواية (والد شذى الصياد، والبحر الذي "أحلى من دموع الأمهات") وتحولها إلى استعارة جديدة عن الألم. البحر ليس أملح شيء في العالم. دموع الأمهات أملح. لأنها تحمل في طياتها كل الخسائر، كل الأمل الضائع، كل الغد الذي لن يأتي.
أو هذا المقطع:
"الليل ليس بغامض حين تُطفأ الشمس، بل حين تُقنعنا بأن النهار كان وهماً."
هذه الجملة الفلسفية التي تفتتح الرواية تلخص رؤيتها للعالم: أن الخطر الأكبر ليس الظلام نفسه، بل القدرة على جعلنا نشك في وجود النهار أصلاً. إنها استعارة عن الدعاية الإمبريالية الغربية ، عن القدرة على إعادة كتابة التاريخ، عن جعل الضحايا يصدقون أنهم ليسوا ضحايا، أو أن ما حدث لهم لم يحدث أصلاً.
أسلوب الرواية يجمع بين البساطة والعمق. جمَلها قصيرة عادة، كما يناسب سرداً يُفترض أنه يُرى من خلال عيون طفلة. لكنها تحمل في طياتها طبقات من المعنى تجعل القارئ يعود إليها مراراً.
مكانة "ضفائر تحت الركام" في سياق أدب المقاومة العالمي تستحق وقفة. الرواية تقف على أكتاف عمالقة: غسان كنفاني الذي علمنا أن "رجال في الشمس" يمكن أن يختنقوا في خزان مياه وهم على بعد خطوات من الحرية العميلة. محمود درويش الذي علمنا أن "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". إميل حبيبي الذي علمنا أن "المتشائل" يمكن أن يكون ساخراً وحزيناً ومقاوماً في آن.
لكن "ضفائر تحت الركام" ليست مجرد امتداد لهذا التقليد. إنها تضيف إليه شيئاً جديداً: منظور الطفل. ليس الطفل كرمز للبراءة، بل الطفل كفاعل سياسي، كشاهد، كمقاوم، كفيلسوف يطرح أسئلة لا يستطيع الكبار الإجابة عليها.
شذى ليست "طفلة فلسطينية" في قالب نمطي. ليست تلك الصورة التي اعتدنا عليها في الإعلام: طفل يبكي في حضن أمه، أو طفل يرفع حذاءه أمام دبابة. شذى أكثر تعقيداً. إنها طفلة تحفظ جدول الضرب وتفكر في البلاستيدات الخضراء. طفلة تغضب من صديقتها لأنها نسيت إحضار المسطرة. طفلة تخاف من امتحان الرياضيات أكثر من خوفها من الطائرات الحربية.
هذه العادية، هذه التفاصيل الصغيرة، هي ما يجعل موتها مؤلماً لدرجة لا تحتمل. لأنها تذكرنا أن كل طفل يموت في الحرب كان يحمل عالماً كاملاً بداخله: أحلاماً وخيبات، أصدقاء وأعداء، حباً وكراهية، خوفاً وشجاعة. عندما تقتل طفلاً، أنت لا تقتل جسداً واحداً. أنت تقتل عالماً بأكمله.
نهاية الرواية لا تحتاج إلى تلخيص، لكنها تحتاج إلى تأمل. شذى لا تموت بطريقة بطولية تقليدية. لا تستشهد في المعركة، ولا تسقط وهي ترفع العلم، ولا تُعدم أمام الكاميرات. تموت بهدوء، على حجر كبير، بعد أن تنهي كتابة "رسالة من تحت الركام". تموت كما يموت الأطفال في الحروب: دون ضجة، دون كاميرات، دون جنازات رسمية.
لكن موتها ليس نهاية. تتحول إلى "فكرة". والفكرة، كما تقول، لا تُقتل.
هذه المقولة الأخيرة - "تحولت إلى فكرة. والأفكار لا تُقتل" - هي شهادة ميلاد أدب جديد. أدب لا ييأس من الموت، لكنه لا يجمل الموت أيضاً. أدب يعرف أن الكلمات قد لا تنقذ الأطفال، لكنها قد تخلق منهم أفكاراً، والأفكار قد تنقذ أطفالاً آخرين.
"ضفائر تحت الركام" إذاً هي عمل عن الأمل. ليس الأمل الساذج الذي يتجاهل القسوة، بل الأمل العنيد الذي يصر على البقاء رغم كل شيء. الأمل الذي يدفع أماً ثكلى إلى تبني يتيمات. الأمل الذي يدفع معلمة إلى السفر من القاهرة إلى ميناب رغم القنابل. الأمل الذي يدفع طفلة إلى الكتابة في الليلة التي تسبق موتها.
هذا الأمل ليس جميلاً فقط. إنه أيديولوجي. إنه مقاوم. إنه خطير على الإمبراطورية الأمريكية . لأن الإمبراطورية تريدنا أن نيأس. تريدنا أن نعتقد أن المقاومة لا جدوى منها. تريدنا أن نستسلم. "ضفائر تحت الركام" تقول لنا: لا تستسلموا. لا تموتوا قبل أن تموتوا. كونوا أفكاراً. الأفكار لا تُقتل.
……………
الفصل الأول: صباح لا يشبه الصباح
كانت شذى البالغة من العمر تسع سنوات تحب صباحات ميناب. تحب كيف تمد الشمس خيوطها الفضية على سطح البحر، وكيف كانت أمها تصلّح ضفائرها أمام مرآة صغيرة مكسورة الزاوية، وكيف كان رائحة الخبز الطازج تفوح من الفرن البلدي في نهاية الزقاق.
في صباح الثامن والعشرين من فبراير، لم تفعل شذى شيئاً مختلفاً. استيقظت باكراً كما كانت تفعل كل يوم. قبلت يد أمها. أخذت حقيبتها الوردية التي أهداها إياها والدها قبل أن يأخذه البحر. نعم، كان والدها صياداً. قالوا إن العاصفة ابتلعته. لكن شذى كانت تعرف حقيقة أخرى: أن زوارق الحرس الثوري هي من صدمت قاربه. لكن من يصدق طفلة؟
"البحر مالح يا بنيتي"، كان والدها يقول، "لكنه أحلى من دموع الأمهات".
لم تفهم شذى كلماته يومها. لكنها فهمتها الآن.
في الطريق إلى مدرسة "شجرة طيبة" الابتدائية للبنات، التقت صديقتها رقية. كانت رقية في الثامنة، قصيرة، ذات عيون خضراء تشبه عيون قطط الزقاق. كانت تحمل قارورة ماء صغيرة مزينة بملصقات لشخصيات كرتونية.
"هل تحضرين امتحان الرياضيات اليوم؟" سألت رقية بخوف.
"بالطبع"، قالت شذى، رافعة ذقنها بثقة. "أنا أحفظ جدول الضرب كله. ثلاثة في ثلاثة تسعة. أربعة في أربعة ستة عشر".
"وأنتِ لم تبكي على والدك أمس؟"
سكتت شذى. كانت هذه لعبة جديدة بينهما. كان على شذى ألا تبكي. وكان على رقية ألا تسأل. هكذا كانت الصداقة في ميناب: اتفاق ضمني على نسيان الموت كي يستمر الحياة.
دخلتا المدرسة عند الساعة الثامنة. كانت رائحة الممسحة والكلور تملأ الممرات. جلست الفتيات في صفوفهن. رفعن أيديهن للإجابة. ضحكن على نكات المعلمة فاطمة التي تحاول جاهدة أن تجعل الرياضيات ممتعة. كتبن في دفاترهن. حللن المسائل. حلمن بأشياء كبيرة: طبيبات، مهندسات، معلمات.
جاء وقت تبديل الحصص. الساعة 10:45 صباحاً. كانت شذى جالسة على مقعدها الخشبي، تفتح كتاب العلوم، ترى صورة للخلية النباتية. كانت تحاول أن تتذكر الفرق بين البلاستيدات الخضراء والنواة.
سمعت صوتاً.
ليس صوتاً عادياً. ليس صوت جرس الاستراحة. ولا صوت سيارة في الشارع. ولا صوت طائرة حربية تحلق في السماء، فهذا كان مألوفاً في ميناب.
سمعت صوتاً يشبه أمها حين كانت تصرخ عندما سمعت بخبر وفاة والدها. صوتاً يشبه كل أشباح البحر التي كانت تخبرها عنها جدتها. صوتاً قادماً من تحت الأرض، من السماء، من كل مكان.
ثم لم يعد هناك مكان.
---
كانت المعلمة فاطمة في المرحاض عندما سقط القصف. كانت تمشط شعرها أمام مرآة صدئة. سمعت الهدير. ثم شعرت بالحائط ينهد عليها. ثم شعرت بلا شيء.
عندما استيقظت بعد ساعات، لم تكن تعرف أنها في المستشفى. ظنت أنها لا تزال في المرحاض. ظنت أن الظلام هو ظلام الحمام الذي انطفأ مصباحه.
لكنها حين فتحت عينيها، رأت السماء.
رأت السماء من فوق سريرها الأبيض. لم يكن هناك سقف. لم تكن هناك جدران. سمعت صرخات لا تشبه صرخات الفتيات. كانت صرخات أمهات. صرخات نساء يبحثن عن ضفائر ممزقة، عن حقائب مدرسية وردية، عن أسنان لبنية سقطت قبل أوانها.
أغمضت عينيها. تمنت ألا تفتحهما مجدداً.
لكن حين فتحتهما، رأت شذى.
كانت شذى تجلس على كرسي بلاستيكي بجانب سريرها. وجهها مغبر. ثيابها ممزقة. ضفائرها لم تعد ضفائر. لكن عينيها كانتا عينيها. عينا شذى. عينا الطفلة التي كانت تجيب على أسئلة الرياضيات قبل دقائق من انتهاء العالم.
"شذى؟" همست المعلمة بصوت كان أهدأ من الموت.
"أنا هنا يا معلمة"، قالت الطفلة. "لستُ ميتة".
"هل... هل الجميع...؟"
لم تكمل سؤالها. لم تكن تريد أن تعرف الإجابة.
قالت شذى شيئاً ظلت المعلمة فاطمة تذكره لبقية حياتها. قالت بذلك الصوت الذي يشبه زيت الزيتون، النقي، العميق:
"المعلمة، صديقتي رقية لم تعد معي. كانت بجانبي عندما سقط القنبلة. كنت ممسكة بيدها. ثم لم أعد أشعر بيدها. بحثت عنها تحت الركام. وجدت يديها فقط. يديها الصغيرتين. كانت لا تزال تمسكان بقارورة الماء. قارورة الماء التي عليها ملصقات الكرتون."
سكتت شذى لحظة. ثم أضافت:
"والآن يا معلمة، بعد ما حدث... من أين سآتي بجدول الضرب غداً؟ ومن سيسألني عن الفرق بين البلاستيدات الخضراء والنواة؟"
لم تجب المعلمة فاطمة. لم تستطع. بدلاً من ذلك، بكت. بكت حتى ارتجف سريرها الحديدي. بكت حتى أتت الممرضات ووضعن إبراً في ذراعها.
ولم تتوقف عن البكاء عندما خرجت من المستشفى بعد أسبوعين. ولم تتوقف عن البكاء عندما عادت إلى المدرسة - إلى ما تبقى منها - لتعلم فتيات جدد. ولم تتوقف عن البكاء أبداً.
لكنها توقفت عن البكاء كي لا تسمعها شذى.
كانت شذى لا تبكي أبداً. كانت شذى قد تعلمت الدرس الذي تعلمته كل فتيات ميناب: البكاء رفاهية لا يستطيع تحملها إلا الأحياء. والأحياء في ميناب كانوا أندر من الضفائر السليمة.
---
الفصل الثاني: الليل حين يُقنعنا بأن النهار كان وهماً
في زاوية من زوايا العالم التي لا تظهر على الخرائط، حيث يلتقي الخليج العربي بالصحراء التي تئن تحت وطأة الشمس، كانت أم شذى تجلس على عتبة منزلها المهدم. لم يكن لها منزل بعد القصف. كان لها حفنة من الحجارة كانت يوماً ما جداراً. وكان لها ابنة كانت يوماً ما طفلة.
لجين، أم شذى، امرأة في الرابعة والثلاثين. كان وجهها يشبه القمر في الليلة التي تسبق المحاق: لا يزال هناك نور، لكن العين تعرف أنه آفل. كانت تعمل خياطة في منزلها قبل أن يصبح المنزل ذكرى. كانت تخيط فساتين العرائس. كانت تخيط الأفراح. كانت تخيط الأمل. لكن الآن، لا عرائس ولا أفراح ولا أمل. فقط شذى. وشذى كانت كافية.
في تلك الليلة التي تلت المجزرة - التي سمتها وسائل الإعلام "الخطأ في تحديد الهدف" - كانت لجين تحضن ابنتها على الحجارة. كانت السماء تمطر رماداً. كانت الرياح تحمل رائحة اللحم المحروق. لم تكن تعرف إن كانت هذه الرائحة من المدرسة أم من مخيم اللاجئين الفلسطيني المجاور. لم تكن تريد أن تعرف.
قالت شذى فجأة، وعيناها مثبتتان على نجم بعيد يبدو وكأنه يبكي أيضاً:
"أمي، هل تعتقدين أن الله رأى ما حدث؟"
صمتت لجين. لم تكن متأكدة من إجابة هذا السؤال. لطالما أخبرتها أمها أن الله يراقب العصافير وهي تبني أعشاشها. لكن العصافير في ميناب لم تعد تبني أعشاشاً. العصافير في ميناب كانت تأكل الحجارة.
"أكيد رآه يا حبيبتي"، قالت أخيراً، بصوت كان يحاول أن يكون قوياً لكنه كان يرتجف كالورقة قبل أن تسقط.
"إذاً، لماذا لم يفعل شيئاً؟"
هذا هو السؤال الذي يقسم العالم إلى نصفين: نصف يؤمن بأن هناك إجابة، ونصف يعرف أن لا إجابة. لكن لجين كانت أماً. والأمهات لا يمكن أن يقفن عاجزات حتى في مواجهة أسئلة الكون الكبرى.
"لأنه يريد منا أن نفعل شيئاً. يريد أن يرانا أقوياء. يريد أن نكون نحن جواب السؤال."
لم تقتنع شذى. كانت طفلة ذكية. والطفل الذكي لا يقتنع بسهولة. لكنها أحبت إجابة أمها لأنها جعلتها تشعر بشيء نسيته منذ زمن: أنها قادرة على أن تكون جواباً، لا مجرد سؤال عالق في حنجرة العالم.
"أمي،" قالت بعد صمت طويل، "سمعتُ الجيران يقولون إن أمريكا هي التي قصفت المدرسة. لكن السيد أحمد قال إن أمريكا صديقتنا. كيف لصديق أن يفعل هذا؟"
لم تجب لجين مباشرة. تحدثت بدلاً من ذلك عن البحر. عن كيف أن البحر جميل وزرقاء، لكنه يبتلع الصيادين. عن كيف أن السماء جميلة وواسعة، لكنها تسقط القنابل. عن كيف أن بعض الأشياء تحمل بداخلها نقيضها: الجمال القاتل، الصديق العدو، الأم الثكلى التي لا تزال تنتظر ابنها أن يعود من عاصفة لم تكن عاصفة.
"أمريكا ليست صديقتنا يا بنيتي. أمريكا تحتاج إلينا. وهناك فرق بين من يحتاجك ومن يحبك. الذي يحتاجك سيستخدمك ثم يرميك. الذي يحبك سيبقى معك حتى لو لم تعد نافعاً."
تركت هذه الكلمات تترسب في عقل شذى. كانت تفكر فيها وهي تغفو. كانت تفكر فيها وهي تحلم. وكانت تفكر فيها عندما استيقظت فجراً على صوت طائرات بدون طيار تحلق في السماء.
في تلك الفجر، رأت شيئاً غريباً. رأت رجالاً لا يشبهون رجال ميناب. كانوا يرتدون زياً عسكرياً أسود. كانوا يحملون أسلحة تختلف عن تلك التي اعتادت رؤيتها في أيدي الحرس الثوري. كانوا يتكلمون لغة لم تفهمها. لكنها فهمت كلمة واحدة لأنها سمعتها كثيراً في الأخبار التي كان والدها يشاهدها قبل أن يأخذه البحر: "ترامب".
قال أحدهم للآخر: "ترامب يريد إنهاء المهمة. لا شهود."
وهربت شذى. ركضت بقدمين حافيتين على الحجارة الساخنة. ركضت نحو المستشفى حيث كانت أمها تنام على كرسي بلاستيكي بجانب سرير المعلمة فاطمة. ركضت نحو الحياة.
لكنها تعثرت بحجر كان بالأمس زاوية من زوايا بيتها. سقطت على ركبتها. رأت دماً يتدفق. رأت أظافر قدمها تتقشر. رأت الرجال يقتربون.
أغمضت عينيها.
تذكرت جدول الضرب. ثلاثة في ثلاثة تسعة. أربعة في أربعة ستة عشر. سبعة في سبعة تسعة وأربعون.
تذكرت صوت والدها يقول: "البحر مالح يا بنيتي، لكنه أحلى من دموع الأمهات".
فتحت عينيها.
لم يكن هناك رجال. لم يكن هناك طائرات. لم يكن هناك سوى وهم الصباح الذي يخدعها.
أو ربما كان الليل يقنعها بأن النهار كان وهماً طوال الوقت.
---
الفصل الثالث: الريع الإمبريالي ودماء الطفولة
في غرفة لا نوافذ لها، في قبو تحت الأرض في مكان ما في واشنطن، جلس الجنرال ماكدونالد أمام شاشات تعرض صوراً بالأقمار الصناعية لميناب. كان يشرب قهوته السوداء من كوب عليه شعار الجيش الأمريكي. كان ينظر إلى البقع الحمراء التي تظهر على الشاشة - تلك البقع كانت قبل ساعات فتيات في السابعة والتاسعة والحادية عشرة.
بالنسبة لماكدونالد، كانت البقع الحمراء مجرد "أضرار جانبية". هذا هو المصطلح الذي تعلمه في أكاديمية ويست بوينت. "الضحايا العرضيون". هذه هي العبارة التي استخدمها في التقرير الذي كتبه بعد ساعات من القصف. "الخطأ في تحديد الهدف". هذا هو التبرير الذي سيصدر عبر البنتاغون.
لكن ماكدونالد كان يعرف الحقيقة. وكانت الحقيقة تؤلمه. ليس لأن لديه ضميراً - لقد توقف ضميره عن العمل منذ غزو العراق - بل لأن الحقيقة كانت مزعجة: لقد أمضى ثلاثين عاماً من حياته يخدم إمبراطورية كانت تؤمن بشيء. والآن، لم تعد تؤمن بأي شيء.
في شبابه، عندما كان ملازماً صغيراً في حرب الخليج الأولى، كان يؤمن بأن أمريكا تنشر الديمقراطية. في حرب أفغانستان، كان يؤمن بأن أمريكا تحارب الإرهاب. في غزو العراق، بدأ الشك يتسلل. لكنه قمعه. كان عليه أن يقمعه. وإلا، فماذا كان معنى كل تلك السنوات؟ ماذا كان معنى كل تلك الأرواح التي أخذها؟
الآن، جالساً في قبو بلا نوافذ، يشرب قهوة بلا طعم، وينظر إلى بقع حمراء كانت فتيات صغيرات، أدرك شيئاً لم يكن يريد إدراكه: أن الإمبراطورية التي يخدمها لم تعد حتى تتظاهر بأنها تفعل الخير. لقد تخلت عن الأقنعة. لقد أصبحت همجية مكشوفة.
كان تلفاز صغير في زاوية الغرفة يعرض قناة CNN. كانت مذيعة شقراء تتحدث عن "الوضع في مضيق هرمز". كانت تظهر صوراً لقوارب إيرانية سريعة. كانت تتحدث عن "التهديد الإيراني". لم تذكر ميناب. لم تذكر المدرسة. لم تذكر الفتيات.
هذا هو الريع الإمبريالي الذي لم يفهمه ماكدونالد لكنه عاشه بكل جسده. أن تكون جندياً في جيش الإمبراطورية يعني أن تبيع روحك مقابل راتب شهري وتأمين صحي لزوجتك وأولادك. أن تكون جندياً يعني أن تقتل فتيات في ميناب كي يظل سعر الدولار منخفضاً. أن تكون جندياً يعني أن دماء الآخرين هي الثمن الذي تدفعه أمريكا لعمالها كي لا يتمردوا.
كان هاتفه يهتز. رسالة من البنتاغون: "اكتب تقريراً جديداً. قل إن المدرسة كانت تستخدم كقاعدة عسكرية. اذكر صواريخ إيرانية. اذكر تهديداً وشيكاً. هذا أمر."
أغمض ماكدونالد عينيه. تخيل ابنته. كانت في التاسعة، مثل شذى. كان يرسلها إلى مدرسة في فرجينيا، حيث كانت ترتدي زياً رمادياً جميلاً، وتذهب في رحلات مدرسية إلى واشنطن، وتقف أمام البيت الأبيض وتلتقط الصور. هل كانت تلك الابنة تعرف أن أباها يقتل فتيات مثلها في الجانب الآخر من العالم؟ هل كانت تعرف أن رواتبهم العالية تأتي من دماء الأطفال؟
فتح عينيه. بدأ يكتب التقرير. كتب الأكاذيب التي طلبوها. كتب عن "صواريخ أرض-جو في المدرسة". كتب عن "خلية إرهابية". كتب عن "تهديد وشيك لقواتنا البحرية". أرسل التقرير.
ثم ذهب إلى المرحاض وتقيأ.
لم يكن يعرف إن كان يتقيأ من القهوة السوداء أم من روحه التي كانت تذوب يوماً بعد يوم. لم يكن يريد أن يعرف.
في تلك الأثناء، على الجانب الآخر من العالم، كانت شذى جالسة في خيمة للنازحين. كانت ترسم على قطعة ورق قديمة. كانت ترسم منزلاً. كان لمنزلها باب كبير ونوافذ زرقاء. وكان هناك شمس مبتسمة في الزاوية العليا. وكان هناك تحت المنزل، تكتب بخط طفل لا يتقن الكتابة بعد، كلمات بسيطة: "أريد أن أعيش. من فضلكم، أريد أن أعيش."
لم تكن تعرف أن هناك رجلاً في قبو في واشنطن تقيأ روحه من أجل أن تظل هي ميتة نظرياً. لم تكن تعرف أن هناك نظاماً كاملاً يعمل لجعل حلمها البسيط مستحيلاً. كانت تعرف شيئاً واحداً فقط: أنها تريد أن تعيش. وأنها لن تعيش إذا استمر العالم في النظر بعيداً.
كانت أختها الصغرى ملاك، ذات الأربع سنوات، تلعب بدمية مصنوعة من قطعة قماش قديمة. كانت الدمية بلا عينين ولا فم. كانت ملاك تهمس لها: "لا تخافي. أنا هنا. سأحميك."
كانت شذى تنظر إلى أختها وتتساءل: من يحمينا؟ من يحمي من يحمينا؟
---
الفصل الرابع: شبكة إبستين وخيوط العنكبوت
في أحلك زوايا العالم، حيث يتشابك المال السياسي بالدم الفاسد، كان هناك رجل سمين أصلع يدعى إبستين. لم يكن يعرف أحد في ميناب من هو إبستين. ولم تكن أسماؤهم تهمه. كانوا مجرد أرقام في معادلاته. كانوا مجرد أدوات لتحقيق صفقاته.
قبل موته بسنوات - أو قبل انتحاره كما قيل - كان إبستين قد بنى شبكة من النفوذ لا مثيل لها. لم تكن شبكة عادية. كانت شبكة تجمع بين ثلاثة أطراف لا يمكن أن يجتمعوا في مكان واحد: الإسرائيليين بصلفهم، والخليجيين بمالهم، والأمريكيين بقوتهم.
في اجتماع سري عُقد في جزيرة خاصة في الكاريبي قبل خمس سنوات من مجزرة ميناب، كان إبستين جالساً مع رجل مهم. كان الرجل مهمته أن ينقل رسالة من رئيس وزراء إسرائيلي إلى ترامب. لكنه لا يستطيع أن يتصل بترامب مباشرة. يحتاج إلى وسيط. يحتاج إلى إبستين.
قال الرجل الإسرائيلي: "نريد غزة. كل غزة. نريد الفلسطينيين إلى سيناء. إلى الأردن. إلى أي مكان. لكن ليس هنا."
قال إبستين، وهو يشرب كأس نبيذ باهظ الثمن: "هذا مكلف. حتى بالنسبة لترامب، هذا مكلف. غزة تعني صورة سيئة. صورة سيئة تعني خسارة انتخابات. خسارة انتخابات تعني..."
قاطعه الإسرائيلي: "لهذا نحن هنا. نريد أن نجعل ترامب يرى أن غزة هي استثمار. ليست تكلفة."
ضحك إبستين. كان ضحكه يشبه صرير باب لم يفتح منذ سنين. "وكيف سنجعل ترامب يرى ذلك؟ الرجل لا يرى أبعد من أنفه."
"سنريَه صوراً. سنريه أموالاً. سنريه أن إيران هي الخطر الحقيقي. وأن غزة مجرد واجهة. وأن ميناب هي..."
"ما هي ميناب؟" سأل إبستين.
"مدينة إيرانية صغيرة. لا أحد يعرفها. لا أحد يهتم بها. يمكن أن تكون مثالاً. درساً. يمكن أن ترسل رسالة."
كانت تلك بداية الخيط. خيط امتد من تلك الجزيرة إلى ميناب، مروراً بغزة، ولبنان، واليمن، والعراق. خيط كان يربط الجميع: الصفقات، النفوذ، الابتزاز، الملفات.
بعد سنوات، عندما أصبح ترامب رئيساً، كان إبستين موجوداً في البيت الأبيض أكثر من أي وزير. كان يدخل من الأبواب الخلفية. كان يجلس في غرف لا يعرف بوجودها إلا المقربون. كان يحمل في جعبته ملفات عن كل شخصية سياسية مهمة في أمريكا.
لم يكن إبستين يحب القتل. لم يكن يحب الحروب. كان يحب شيئاً واحداً فقط: السيطرة. والقدرة على جعل الآخرين يفعلون ما يريد. إذا تطلب الأمر قصف مدرسة في ميناب لإرضاء الإسرائيليين وإرضاء الخليجيين وإرضاء ترامب، فليكن. المدرسة ليست في جزيرته. الفتيات لسن بناته.
في إحدى الليالي، بعد وقت قصير من مجزرة ميناب، عُقد اجتماع آخر. هذه المرة في قصر في دبي. كان إبستين قد مات - انتحر في زنزانته - لكن شبكته كانت لا تزال حية. كان الخيوط لا تزال ممتدة. كان هناك دائماً من يمسك بها.
في ذلك الاجتماع، حاضر رجل خليجي مهم. قال: "نحن قلقون من رد الفعل العالمي على ميناب. الصين بدأت تتحدث في الأمم المتحدة. روسيا تتحرك. حتى بعض حلفائنا الأوروبيين بدأوا يتساءلون."
رد عليه آخر: "لا تقلق. غزة كانت أسوأ ومات الموضوع بعد أسبوعين. العالم لديه ذاكرة قصيرة."
"لكن إيران..."
"إيران مشغولة بمنشآتها النووية. مشغولة بحرب الاستنزاف. لن ترد على ميناب. ليس الآن."
"وماذا عن الفتيات؟"
سكت الجميع للحظة. ثم قال أحدهم ببرود غريب: "الفتيات... من يتذكر الفتيات بعد أسبوعين؟ الإعلام سيأتي بقصة جديدة. حرب جديدة. فضيحة جديدة. ميناب ستصبح هامشاً. تذكروا أوشفيتز. كم من الناس يتذكرون أوشفيتز كل يوم؟"
كان هذا هو الهراء بعينه. ليس الكذب، بل اللامبالاة الكاملة بالحقيقة. كانوا يعرفون أنهم يرتكبون جريمة. لكن لم يكونوا مهتمين. لم تكن الحقيقة قيمة عندهم. كانت مجرد عائق في طريق الصفقات.
خرج الرجال من الاجتماع وهم يضحكون. كان أحدهم يحكي نكتة عن طفل فلسطيني سقط من فوق سطح منزله. كان آخر يخطط لعطلة نهاية الأسبوع في جزر المالديف. كانوا بشراً مثلنا. لكنهم كانوا بشراً فقدوا الإحساس.
في ميناب، كانت أم شذى تحفر في الركام. كانت تبحث عن شيء. أي شيء. حذاء ابنتها الصغير. ضفيرة شعرها. دميتها. أي شيء يثبت أن ابنتها كانت موجودة حقاً. أن ابنتها لم تكن مجرد فكرة عابرة في أذهان رجال يضحكون في قصور في دبي.
وجدت الحذاء. كان أحمر. كان صغيراً جداً. كانت قدم ابنتها لا تزال فيه. قدم صغيرة تشبه أصابع الأرنب. لكن الأصابع لم تعد متصلة بالساق. والساق لم تكن متصلة بالجسد. والجسد لم يعد موجوداً.
حملت لجين الحذاء. حملته كما لو كان طفلاً آخر. ضمته إلى صدرها. مشت به إلى خيمتها. جلست في الظلام. تذوقت دمعة مالحة على شفتيها.
كان مذاق البحر. البحر الذي قال والدها إنه أحلى من دموع الأمهات. لكنها لم تجده حلواً. وجدته مرة. مراً مثل كل خسارة. مثل كل موت. مثل كل إمبراطورية تموت وتأخذ الآخرين معها.
---
الفصل الخامس: حرب الفسيفساء - كيف تقاوم الفتيات
في اليوم الثالث عشر بعد المجزرة، حدث شيء غير متوقع. لم تختف ميناب من الأخبار. لم تموت القصة. على العكس، بدأت فتيات ميناب في الظهور على شاشات العالم. ليس كضحايا، بل كمقاتلات.
شذى كانت إحداهن. عندما ظهرت لأول مرة على قناة إيرانية ناطقة بالعربية، كانت ترتدي ثياباً بسيطة وشعراً منكوشاً. كانت عيناها واسعتين وتنذران بعاصفة. سألتها المذيعة: "ماذا تريدين أن تقولي للمشاهدين؟"
نظرت شذى إلى الكاميرا. نظرت إلى العالم بأسره. ثم قالت بصوت لا يتزعزع:
"اسمي شذى. عمري تسع سنوات. رأيت صديقتي رقية تموت أمام عيني. رأيت يديها دون جسدها. رأيت أشياء لا يجب على طفلة أن تراها. أريد أن أسأل العالم: هل رأيتمونا؟ هل سمعتم صراخنا؟ هل أبكى أحدكم لنا؟ أم أننا مجرد أرقام في إحصاءات الحرب؟"
صمتت لحظة. ثم تابعت:
"لن أموت. قد أموت جسدياً، لكن فكرتي لن تموت. كلمتي لن تموت. رسالتي ستصل. إلى كل أب أمريكي يرسل ابنه ليقتلنا، أقول: ابنك سيأتي يوماً ويقول لك لماذا. وإلى كل أم إسرائيلية تبكي على ابنها الجندي، أقول: أنتِ تبكين على من يقتل. وأنا أبكي على من يُقتل. وأنا أفضل أن أكون مَن يُقتل على أن أكون مَن يقتل."
هذا المقطع انتشر كالنار في الهشيم. تناقلته وسائل التواصل. ترجم إلى كل اللغات. جعل الناس في الشوارع يتوقفون ويتفرجون. جعل بعضهم يبكي. جعل بعضهم يغضب. جعل بعضهم يتصرف.
في غزة، بدأت فتيات صغيرات يكتبن رسائل إلى شذى. كانوا يقولون: "نحن مثلك. قتلوا أختي. قتلوا أمي. قتلوا بيتي. لكنهم لم يقتلوا حلمي. حلمي بالعودة إلى حيفا. حلمي بالجلوس على شاطئ البحر هناك. البحر الذي قالوا إن ماءه أحلى."
في لبنان، بدأ طلاب في الجامعة الأمريكية في بيروت بتنظيم وقفات احتجاجية. حملوا صور شذى. حملوا صور رقية. حملوا صور كل فتاة قتلت في ميناب. طالبوا الجامعة بقطع علاقاتها مع البنتاغون. طالبوا بمقاطعة الشركات التي تنتج أسلحة.
في واشنطن، رأى ماكدونالد الفيديو. كان جالساً في بيته في ضواحي فرجينيا. كانت زوجته تعد العشاء. كانت ابنته تؤدي واجبها المدرسي. نظر إلى الفيديو. نظر إلى شذى. ثم نظر إلى ابنته.
كانت ابنته في التاسعة أيضاً. كانت ترتدي بيجاما وردية. كانت تحل مسائل رياضيات. ثلاثة في ثلاثة تسعة. أربعة في أربعة ستة عشر.
أطفأ التلفاز. ذهب إلى الحمام. جثا على ركبتيه أمام المرحاض. تقيأ مرة أخرى. لم يكن هناك قهوة هذه المرة. لم يكن هناك شيء ليتقيأه سوى روحه. لكن روحه كانت خفيفة جداً لدرجة أنها لم تعد تخرج.
خرج من الحمام. أمسك ببندقيته الرسمية. نظر إليها طويلاً. كانت باردة. كانت ثقيلة. كانت تشبه كل شيء كان يؤمن به. أو كل شيء ظن أنه يؤمن به.
وضع البندقية في خزانة ملابسه. أغمض عينيه. تذكر شيئاً لم يتذكره منذ سنين: كلمات والده قبل أن يموت في حرب فيتنام. قال له والده: "يا بني، في الحرب لا يوجد فائز. هناك فقط خاسرون يعيشون وخاسرون يموتون."
هل كان والده خاسراً عاش أم خاسراً مات؟ لم يعرف ماكدونالد الإجابة. شغل التلفاز مجدداً. كان هناك تقرير عن "الانتصارات الأمريكية في الخليج". أطفأه مجدداً. لم يعد يطيق سماع الكذبة.
في اليوم التالي، قدم استقالته من الجيش. كانت أول مرة يبكي فيها منذ ثلاثين عاماً. بكى مثل طفل. بكى مثل الفتيات في ميناب. بكى مثل ابنت التي كانت لا تزال تحل مسائل الرياضيات ببراءة.
أرسل رسالة إلى شذى. لم يعرف عنوانها، فأرسلها إلى السفارة الإيرانية في واشنطن. كتب فيها:
"عزيزتي شذى،
أنا الجندي الذي قصف مدرستك. لا، لم أضغط على الزر. لكنني كتبت التقرير الذي جعله ممكناً. أنا جزء من الآلة التي قتلت صديقتك رقية.
أريد أن تعرفي شيئاً: كل جندي في جيشنا لديه ابنة في عمرك. كل جندي كان يحلم بأن تكون ابنته طبيبة أو معلمة أو مهندسة، مثل أحلامكم تماماً. لكن الفرق بيننا أن ابنتنا تعيش وتموت رفيقاتك. ابنتنا تنام في سرير دافئ بينما أنتِ تنامين على حجارة.
لست أطلب المغفرة. لا أستحقها. لكنني أريد أن أعترف. أريد أن يقول العالم: هذا ما فعلناه. هذه هي جرائمنا. ثم ليحكم التاريخ علينا.
كنت أظن أنني أخدم إمبراطورية عظيمة. الآن أعرف أنني خدمت وحشاً كبيراً. ولأن الوحوش لا تموت بسهولة، فإنني سأقضي بقية حياتي أحاول إصلاح ما أفسدته. لكنني أعرف أنني لا أستطيع. هناك أشياء لا تصلح. هناك أرواح لا تعود.
اعتذاري لا يساوي شيئاً. لكنه كل ما أملك.
الجنرال المتقاعد ماكدونالد (الجندي الذي كان)".
لم تصل الرسالة إلى شذى أبداً. اعترضتها المخابرات الإيرانية التي ظنت أنها محاولة اختراق نفسي. لكن شذى لم تكن بحاجة لقراءة الرسالة. كانت تعرف. كانت تعرف أن هناك في كل جيش أطفال جنوداً كباراً يبكون في الليل. كانت تعرف أن العدو ليس كتلة واحدة. كانت تعرف أن الهمجية تصنع ضحاياها في كلا الجانبين.
الفرق الوحيد، كما كانت تقول لأمها، أن ضحايانا يموتون، وضحاياهم يعيشون ليروا ما فعلوا.
---
الفصل السادس: النصر للحياة - لأن الأفكار لا تُقتل
مرت أشهر. تغير الفصول في ميناب كما لم تتغير من قبل. أصبح الصيف أشد حرارة. أصبح الشتاء أشد برودة. أصبحت السماء تمطر غباراً في أيام لم تكن تمطر فيها من قبل.
بُنيت مدرسة جديدة مكان المدرسة القديمة. لم تكن مدرسة عادية. كانت مدرسة من الخيام والحجارة والأمل. أطلقوا عليها اسم "مدرسة شذى". نعم، كانوا قد سموها باسمها. لم تمت شذى، لكنهم سموا المدرسة باسمها لأنها أصبحت رمزاً.
كل صباح، كانت شذى تذهب إلى المدرسة التي تحمل اسمها. كانت تمشي على الحجارة نفسها التي سقطت عليها في الليلة التي تلتف فيها الزمن. كانت تجلس على المقعد الخشبي نفسه. كانت تفتح الكتاب نفسه. لكنها لم تعد الطفلة نفسها.
كانت تنظر إلى الفتيات الصغيرات الجديدات، اللواتي لم يرين المجزرة، اللواتي كن يلعبن في فناء المدرسة وكأن شيئاً لم يحدث. كانت تغبطهن على براءتهن. كانت تخاف عليهن من أن تفقد هذه البراءة كما فقدتها هي.
ذات يوم، بعد أن انتهت الحصة الأخيرة، جلست شذى تحت شجرة الزيتون الوحيدة التي نجت من القصف. كانت معلمة اللغة العربية الجديدة، الأستاذة نادية، تجلس بجانبها. كانت الأستاذة نادية شابة في العشرين من عمرها. كانت قد تطوعت للتدريس في ميناب بعد أن شاهدت شريط فيديو شذى في القاهرة حيث كانت تدرس.
قالت نادية: "شذى، أريد أن أخبرك بشيء."
"تفضلي يا أستاذة."
"لقد غيرتِ حياتي. عندما رأيتك على التلفاز، كنت جالسة في غرفتي في القاهرة. كنت أكتب رسالة ماجستير عن الأدب المقاوم. كنت أقرأ عن فلسطين والعراق وسوريا. كنت أعتقد أنني أفهم. ثم رأيتك. رأيت عينيك. أدركت أنني لم أفهم شيئاً. المعاناة ليست أرقاماً. المعاناة هي عيون طفلة في التاسعة تخبر العالم أنها رأت يدي صديقتها دون جسدها. في تلك اللحظة، قررت المجيء إلى هنا."
نظرت شذى إلى الأستاذة. ثم قالت: "هل أنت خائفة يا أستاذة؟"
"مماذا؟"
"من أن تقصف المدرسة مرة أخرى. من أن نموت جميعاً. من أن تموتي أنتِ."
سكتت نادية. كانت خائفة. كانت تخاف كل يوم. كانت تخاف كلما سمعت طائرة في السماء. كانت تخاف كلما اهتزت الأرض. لكنها قالت لشذى ما كانت ستقوله لأمها لو كانت أمها في مكانها:
"الخوف ليس عيباً يا شذى. العيب أن يدمرنا الخوف. نحن هنا لأننا اخترنا البقاء. اخترنا الحياة رغم كل شيء."
كانت شذى تفكر في كلمات الأستاذة نادية. كانت تفكر في الفرق بين الحياة التي تختارها والحياة التي تفرض عليك. كانت حياتها قد فُرضت عليها. فُرض عليها الموت قبل أن تولد تقريباً. فُرض عليها رؤية صديقتها تموت. فُرض عليها أن تكبر قبل أوانها.
لكنها كانت تعرف شيئاً: أنها اختارت ألا تستسلم. اختارت ألا تبكي. اختارت ألا تصمت. اختارت أن تقول للعالم ما حدث. هذا الاختيار الصغير، في بحر من الإكراهات، جعلها حرة. حرة بمعنى لم يفهمه حكماء العالم.
---
في الليلة التي سبقت الذكرى السنوية الأولى للمجزرة، لم تستطع شذى النوم. كانت تتقلب على فراشها في الخيمة. كانت الرياح تعوي كذئاب جائعة. كانت الأمطار تهدد بالسقوط. كانت تتذكر.
تذكرت صوت القنبلة. تذكرت الركام ينهار عليها. تذكرت يد رقية تفلت من يدها. تذكرت البحث في الظلام. تذكرت وجوه الأمهات. تذكرت بكاء المعلمة فاطمة. تذكرت كل شيء.
نهضت من فراشها. خرجت من الخيمة. جلست على حجر كبير كان ذات يوم جزءاً من سور المدرسة. نظرت إلى السماء. كانت السماء تمطر نجوماً. أو ربما كانت تمطر أرواحاً. لم تكن تعرف الفرق.
صعد صوت من داخلها. لم يكن صوتاً مسموعاً. كان صوتاً داخلياً. كان يقول: "اكتبي. اكتبي كل شيء. لا تدعيهم ينسون."
عادت إلى الخيمة. أخذت قلمها الرصاص وآخر دفتر لديها. بدأت تكتب. لم تكن تعرف كيف تكتب الروايات. لم تكن تعرف كيف تكتب الشعر. كانت تعرف كيف تكتب ما رأته. وما سمعته. وما شعرت به.
كتبت طوال الليل. عندما أذن الفجر، كانت قد ملأت عشرين صفحة. كانت الصفحات تروي قصة ميناب. قصة الفتيات. قصة الأمهات. قصة المجزرة. قصة الأمل الذي يموت ويبعث من جديد.
أسمتها "رسالة من تحت الركام".
عندما أنهت الكتابة، شعرت بشيء غريب. شعرت بخفة. شعرت أن جسدها أصبح خفيفاً مثل الريش. شعرت أن روحها تصعد إلى السماء. نظرت إلى يديها. كانت لا تزال تمسك القلم. لكن القلم بدأ يصبح شفافاً. بدأت هي تصبح شفافة.
ابتسمت. عرفت أن هذه هي النهاية. أو البداية. لم تكن متأكدة.
أغلقت عينيها. تذكرت جدول الضرب. ثلاثة في ثلاثة تسعة. أربعة في أربعة ستة عشر.
تذكرت صوت والدها: "البحر أحلى من دموع الأمهات".
فكرت: "ربما كان والدي محقاً. ربما البحر أحلى. لكن دموع الأمهات أعظم. لأنها وحدها تستطيع تحويل الملح إلى حياة."
ثم توقفت شذى عن التفكير.
تحولت إلى فكرة.
والأفكار لا تموت.
---
بعد سنوات، في متحف صغير بُني في ميناب، عُثر على دفتر شذى. كان تحت حجر كبير لم يتحرك منذ ذلك الفجر. كانت الصفحات قد اصفررت. كانت الكلمات قد بهتت. لكنها كانت لا تزال مقروءة.
آخر صفحة كانت مختلفة. لم تكن مكتوبة بخط اليد. كانت مرسومة. رسمت شذى صورة. رسمت بحراً. وفوق البحر، سماء. وفي السماء، فتيات صغيرات يلعبن. كانت إحداهن ترتدي حذاء أحمر. وكان تحت الصورة مكتوب بخط كبير:
"النصر للحياة. لأن الحياة دائماً تنتصر. حتى لو قتلونا، سنعود. في قصص أطفالنا. في أحلامهم. في صمودهم. سنعود. دائماً نعود. لأننا أفكار. والأفكار لا تُقتل."
أغلقت أم شذى، لجين، الدفتر. كانت عيناها تدمعان. لكنها لم تبكي. كانت تعلم أن ابنتها لم تمت حقاً. كانت تعلم أن ميناب لم تمت حقاً. كانت تعلم أن كل مدرسة تُقصف تخلق مئة شذى جديدة. كل مجزرة تزرع بذور مئة مقاوم جديد.
خرجت من المتحف. نظرت إلى البحر. كان البحر لا يزال هناك. كان لا يزال يبتلع الصيادين. كان لا يزال مالحاً. لكنه كان جميلاً أيضاً. كان جميلاً لأنه كان قاسياً. كان جميلاً لأنه ظل صامداً رغم كل ما فعله البشر به.
نظرت إلى السماء. رأت غيمة بيضاء تشبه وجه شذى. ابتسمت. همست:
"وداعاً يا بنيتي. أو ربما إلى اللقاء. أنا أعرف أنكِ تسمعينني. أعرف أنكِ هنا. في كل زاوية من ميناب. في كل دفتر مدرسي. في كل ضفيرة تمشطها أم لابنتها."
أخذت نفساً عميقاً. شمت رائحة البحر المالحة. تذكرت زوجها. تذكرت ابنتها. تذكرت كل من خسرته. ثم تذكرت أنها لا تزال حية. وأن الحياة أمانة. وأن الأمانة يجب أن تحرس.
عادت إلى خيمتها. كانت هناك فتيات صغيرات ينتظرنها. كن يتيمات. كن ضحايا مجازر أخرى. كن بحاجة إلى أم. إلى معلمة. إلى نموذج.
جلست بينهن. أمسكت بيد أصغرهن. كانت تسمى زينب. كانت في الخامسة. كانت قد فقدت كل عائلتها. كانت تنظر إلى لجين بعينين واسعتين لا تعرفان الخوف بعد.
قالت لجين: "هل تريدين أن أروي لكِ قصة؟"
أومأت زينب برأسها.
"قصة فتاة تدعى شذى. كانت في التاسعة. كانت تحب الرياضيات. كانت تحفظ جدول الضرب. كانت..."
توقفت لجين للحظة. كلما تذكرت ابنتها، كانت تذوب. لكنها تماسكت. يجب أن تكون قوية. من أجل زينب. من أجل البنات الأخريات. من أجل ميناب. من أجل كل الأماكن التي تحترق.
تابعت: "كانت شذى تحب الحياة. أحبت الحياة حتى عندما حاول الجميع قتلها. وحتى عندما ماتت، بقيت حية. هل تعرفين كيف بقيت حية؟"
سألت زينب بصوتها الصغير العذب: "كيف؟"
"لأنها تحولت إلى فكرة. والفكرة مثل البذرة. تزرعها في الأرض فتخضر. تزرعها في القلوب فتنبض. تزرعها في العقول فتثمر. شذى لم تمت يا زينب. شذى أصبحت بذرة. وسنكون نحن الأرض التي تنبتها."
بدأت زينب تضحك. لم تفهم الكلمات. لكنها شعرت بالأمل. شعرت أن هناك شيئاً جميلاً قادماً. شعرت أن الصباح سيشرق رغم الظلام.
في تلك اللحظة، أشرقت الشمس. أضاءت الخيمة. أضاءت وجه زينب. أضاءت وجه لجين. أضاءت وجه كل فتاة من يتيمات ميناب.
كان الصباح لا يشبه أي صباح. كان صباحاً جديداً. بداية جديدة. فجراً بعد ليل طويل.
وكانت شذى هناك. في كل ابتسامة. في كل دمعة. في كل حلم.
لأن شذى لم تمت.
لأن الأفكار لا تُقتل.
النهاية، أو البداية
