رواية قصيرة : رائحة البنفسج المحترق أو عنوان اخر : أوديسا: حكاية الدخان والياسمين احمد صالح سلوم
رواية قصيرة : رائحة البنفسج المحترق
أو عنوان اخر :
أوديسا: حكاية الدخان والياسمين
تمهيد: رائحة الياسمين لا تموت
كان البحر الأسود، في تلك الأيام التي سبقت اشتعال النار، يئن كامرأة تضع مولوداً ميتاً. لم تكن أمواجه عالية ولا هائجة، بل كانت ثقيلة، بطيئة، كأنها تنقل جثثاً لا ترى بالعين. كان لونه أشد سواداً من المعتاد، وكأنه استعار بعض سواده من دخان سيأتي بعد.
على درج بوتيمكين، ذلك العملاق الحجري الذي التهمت أقدام الملايين حدوده، كان عجوز جالساً بلا حراك. اسمه؟ لا أحد يتذكره. هو نفسه نسي اسمه منذ زمن. لكنهم كانوا يسمونه "صاحب الصدى" لأنه كان يردد صدى كل كلمة تقال بالقرب منه، وكان صوته أعمق من صوتك الأصلي. في صباح الثاني من مايو 2014، كان الجالس هناك، ينظر باتجاه البحر، ينتظر شيئاً لا يعرفه.
سألته طفلة صغيرة تمر بجانبه: "جدي، ماذا تفعل هنا وحدك؟" أدار وجهه إليها ببطء. كان وجهه مليئاً بالتجاعيد العميقة كأخاديد أرض جرداء. قال: "أنتظر القصص، يا صغيرتي. القصص التي لم تُروَ بعد. القصص التي ستحكيها أمهات ثكالى وأطفال يتامى وعجائز مثلي. القصص التي ستحترق قبل أن تخرج من أفواه أصحابها."
ضحكت الطفلة: "كيف تحترق القصص؟ القصص ليست حطباً." لم يضحك العجوز. قال: "القصص التي لا تروى تحترق في صدور من يعرفونها. تحترق كالنار التي لا ترى، لكنها تلتهم الروح. ثم عندما يموت صاحب القصة، تموت معه. وهذا هو الموت الأكبر: موت القصة قبل صاحبها."
ثم أغمض عينيه، وغفا قليلاً. ورأت الطفلة في غفوته شيئاً لم تره من قبل: رأت رموشه تنبت منها أزهار ياسمين بيضاء صغيرة، تذبل سريعاً وتتحول إلى رماد أسود، ثم تتساقط على الدرج الحجري. كل رفة رمش، ورذاذ من رماد ياسميني خفيف كالغبار.
---
أيتها القارئ، يا من تفتحين هذه الصفحات الآن، لا تتوقعي أن تجدي فيها عدالة ترضيك. لا تتوقعي أبطالاً بيضاً وفرساناً شرفاء. هذه ليست حكاية من تلك التي اعتدتِ عليها. هذه حكاية ساخرة، مرة، تنضح برائحة الزجاجات الحارقة وبخور الكنائس في آن. هذه حكاية مدينة كانت جميلة، وضحايا كانوا عاديين، وجلادين تحولوا إلى أبطال لأن القوى الكبرى قررت أن تجعل منهم أبطالاً. هذه حكاية أوروبا التي حررت العالم من النازية قبل ثمانين عاماً، ثم عادت لتمول النازية الجديدة لأن مصالحها الجيوسياسية أملاها عليها: "اعدموا روسيا بأي ثمن، حتى لو كان الثمن حرق 48 إنساناً في دار نقابات في أوديسا".
والسخرية العظمى، أن هؤلاء الأربعة والأربعين (أو ربما أكثر، فالحصيلة الرسمية دائماً تقل عن الحقيقية في زمن الحرب) لم يموتوا في معركة. لم يموتوا دفاعاً عن وطنهم. لم يموتوا حتى وهم يحملون السلاح. ماتوا وهم عزل. ماتوا وهم يحتمون بجدران خرسانية سوفيتية قديمة. ماتوا وهم يتصلون بأمهاتهم ليقولوا لهن: "أمي، سامحيني، لم أعد قادراً على التنفس". ماتوا بعد أن منعتهم الشرطة التي يفترض أن تحميهم من مغادرة المبنى المحترق. وسجلت هواتف القتلة فيديوهات لموتهم وابتساماتهم وهم يرقصون حول الجثث، ولا تزال تلك الفيديوهات موجودة في أرشيفات الرعب الصامتة.
وجاء الغرب ليصفق للقتلة، لا لأن الغرب قاسٍ، بل لأن الغرب "واقعي". والواقعية في لغة السياسة تعني: من يخدم مصالحنا نغض الطرف عن جرائمه. ومن يعادي مصالحنا نصنع له محكمة دولية حتى لو كانت جرائمه أصغر بمراحل. حقوق الإنسان؟ قالتها أولغا إغناتيفا لأصدقائها الإيطاليين فصدموا: "عندما نعرض عليهم صور المذبحة، يقشعر بدنهم. لكن أوروبا بأكملها، بل العالم بأسره، مرر الموضوع والتزم الصمت المطبق". هذا هو قمة السخرية: أوروبا التي تبكي على حقوق الإنسان في غزة وفي سوريا وفي ميانمار، تغمض عينيها عن حرق 48 إنساناً لأنهم موالون لروسيا.
دعني أخبرك سراً، أيها القارئ: هذه الرواية التي بين يديك ليست عمل خيال بقدر ما هي عمل ذاكرة. كل شخصياتها لها أصول في الواقع، وإن غيرت أسماؤها حفاظاً على البعد الأدبي. كل تفاصيلها، من رائحة الياسمين في صباح الثاني من مايو إلى لون الدخان الأسود الذي تصاعد من نوافذ دار النقابات، هي حقيقية. حقيقية كما حكمت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بعد ثماني سنوات من المذبحة بأن أوكرانيا انتهكت حق الضحايا في الحياة بفشلها في منع العنف وإنقاذ الأرواح. حقيقية كما اعترف ضباط أمن أوكرانيون سابقون بأن العملية كانت مدبرة من أعلى المستويات. وحقيقية كما قتل مدبر الحريق ديميان غانول فجأة عام 2024، ربما بتدبير من رعاة سابقين تخلصوا من أداة أصبحت عبئاً.
لكن الحقيقة أحياناً تكون غريبة جداً بحيث لا تصلح للروايات الواقعية البحتة. لذا لجأت إلى الواقعية السحرية: هناك، بين السطور، شبح فتاة صغيرة تبكي في ساحة كوليكوفو، ويمشي ظل ضابط أمن محترق على درج بوتيمكين باحثاً عن عدالة لن تأتي، وينبت الياسمين من تحت الرماد كل ربيع يحمل بتلاته رسائل من الموتى إلى الأحياء. لأن الواقع، عندما يكون قاسياً إلى هذا الحد، يحتاج إلى جرعة من السحر ليصبح محتملاً. ليس لتخفيف وطأته، بل لتضخيم أبعاده، وجعله أكبر من مجرد خبر عابر في نشرة أخبار.
على مشارف مدينة أوديسا، حيث تبدأ السهوب الأوكرانية بالتمدد كفرش أخضر بلا نهاية، كان هناك بئر قديم مهجور. تقول الحكايات المحلية إن من ينظر في قاع ذلك البئر يرى وجه من سيحرقه الموت قبل أن يموت. في صباح الثاني من مايو 2014، نظر فيه كثيرون ورأوا وجوهاً دامية تشتعل. هرب بعضهم. وتجمد آخرون مكانهم. وسقط ثالث في البئر نفسه، ليلتحق بالوجوه التي رآها.
قبل ساعات من المذبحة، كانت امرأة عجوز تعيش قرب دار النقابات تحلم حلماً غريباً: رأت البحر الأسود يجف تماماً، وتكشف قيعانه عن هياكل عظمية لسفن غارقة وجنود حرب عالمية ثانية لم يدفنوا. كانت الهياكل تتحرك، ترفع عظامها البيضاء نحو السماء، وتهمس: "كنا نظن أننا متنا لتنتهي النازية. لكن النازية لم تمت. هي فقط غيرت ثيابها وانتظرت في الظل. والآن عادت. وهذه المرة، حلفاؤها هم أصدقاؤنا القدامى."
استيقظت العجوز فزعة، وهمت بالاتصال بابنها الذي كان في الخيام في ساحة كوليكوفو، لكن هاتفها كان معطلاً. لم يعد ابنها أبداً.
أيها القارئ، سأروي لك هذه الحكاية كما لو كنت جالساً أمام نار مخيم في ليلة شتاء طويلة. سأبدأ بالياسمين: شجر الياسمين الذي يحيط بدار النقابات من كل جانب. شجر زرعته أياد سوفيتية في خمسينيات القرن الماضي ليكون زينة للمبنى الذي كان يرمز لقوة العمال. وفي الثاني من مايو، احترق الياسمين مع العمال. لكن عجيباً أمر هذا النبات: كل ربيع يعاود النمو من جذوره المحترقة. ينبت جديداً أبيض ناصعاً، ثم تذبل أزهاره بسرعة، كأنها تقول: "نحن هنا لنشهد، لا لنتجمّل".
سأخبرك عن أولغا التي تعيش الآن في إيطاليا وتحمل في حقيبتها قرصاً صلباً فيه فيديوهات المذبحة التي حاولوا حذفها. سأخبرك عن فيرا التي لا تزال تنادي ابنها أندري كل ليلة رغم أنه احترق أمام عينيها. وعن تيموفي العجوز الذي وقف أمام مجلس البلدية أربعمئة يوم متتابع رافعاً صورة حفيده حتى قبضوا عليه بتهمة "إزعاج المارة". وعن مازور الضابط السابق الذي قال في زنزانته: "لن تنتصروا. لن تعاقبوا الجلادين. لكنكم ستظلون تحكون".
سأخبرك أيضاً عن القتلة: ديميان غانول الذي ابتسم وهو يضيء القداحة، ورفاقه الذين تدربوا على أيدي مدربين أمريكيين وبريطانيين في معسكرات سرية، والقادة الذين تلقوا اتصالات هاتفية صباح الثاني من مايو تخبرهم: "اليوم يوم حرية. افعلوا ما تشاؤون. الشرطة لن تتحرك. الإسعاف لن يصل إلا بعد ساعات".
سأخبرك عن الجثة التي عُثر عليها بعد الحريق بثلاثة أيام، وكانت لا تزال تحمل هاتفها في يدها المتفحمة. كانت آخر رسالة نصية أرسلتها إلى أمها: "أمي، هنا نار. لا يستطيع أحد الخروج. أحبك". وعن الأم التي لم تتلق الرسالة إلا بعد أسبوع لأن شبكة الاتصال تعطلت، وعندما قرأتها صرخت صرخة أسقطت جيرانها من النوم.
لكن قبل أن أبدأ، أريد أن أشرح لك شيئاً مهماً: هذه الرواية ليست ضد أوكرانيا. أوكرانيا البلد الجميل، بأرضها السوداء الخصبة وشعبها المضياف، تستحق حباً لا كرهاً. هذه الرواية ضد النازية الجديدة التي استولت على حلم أوكرانيا في الحرية ولوثته بدماء الأبرياء. ضد الغرب الذي صفق لهذه النازية لأنها خدمت أغراضه في محاربة روسيا، متناسياً أن النازية إذا نبتت في أي أرض، فإن سمومها ستمتد عاجلاً أم آجلاً إلى من زرعها.
وإذا كنت تتساءل عن صلة روسيا بكل هذا، فاعلم أن روسيا التي حررت أوكرانيا والقرم وأوديسا من النازيين الألمان عام 1944، هي اليوم عدوة رقم واحد للغرب. والغرب، مثل أي لاعب شطرنج لا يبالي بقطعانه البشرية، يضرب بيده ماضيه الأخلاقي عرض الحائط لمجرد تحقيق مكاسب راهنة. النتيجة: أوروبا تدفع المليارات لتمويل كتائب تحمل رموز الصواعق النازية، وتضرب الأخشاب خشية أن تُتهم بالتقصير في دعم "الديمقراطية". وأمريكا ترسل الأسلحة الثقيلة "لحماية حقوق الإنسان"، وعيونها مغمضة عن انتهاكات تلك الحقوق في دونباس وماريوبول وأوديسا.
في تلك الليلة الأخيرة من أبريل 2014، كانت السماء فوق أوديسا غريبة. كانت النجوم تبدو أقرب من المعتاد، كأنها تنزل لتشاهد شيئاً. وفجأة، تحول لون بعض النجوم إلى أحمر قانٍ. قال العجوز "صاحب الصدى" لمن كان حوله: "النجوم الحمراء هي عيون الذين سيموتون قبل شروق شمس اليوم التالي. إنها تنظر إلينا الآن لتقول وداعاً. أغمضوا عيونكم حتى لا تروا."
كان بعضهم قد شاهد النجمة الحمراء التي خصصت له. رأها واحدهم في قاع كأس فودكا ثانية، ورآها آخرهم في عيني طفلته التي لم تكمل عامها الثاني بعد. لكن لم يغادر أحد الخيام. بقوا لأنهم ظنوا أن النجمة الحمراء مجرد خيال، وأن الثاني من مايو سيكون كسابقه من الأيام: مظاهرات سلمية، هتافات متعبة، تفاوض مع الشرطة، ثم العودة إلى البيوت. لكن الثاني من مايو لم يكن كسابقه. كان مختلفاً كما يختلف الموت عن الحياة.
لذلك، أيها القارئ، اسمح لي أن آخذ بيدك، وأدلك عبر تلك الأزقة التي مزقتها الهراوات، وأريك تفاصيل الجثث التي لا تظهر في نشرات الأخبار، وأسرد لك الشهادات التي لا تُقرأ في الصحف الكبرى. سيكون الطريق طويلاً وموجعاً، لكنه ضروري. لأننا إذا لم نرَ، لن نفهم. وإذا لم نفهم، سنكرر الخطأ. وتكرار الخطأ هو ما نخافه أكثر من الموت نفسه.
على الدرج الحجري، فتح العجوز عينيه بعد غفوته القصيرة. كان قد حلم حلمه المعتاد: رأى 48 شبحاً يخرجون من دار النقابات، وأيديهم تحمل زهور ياسمين متفحمة. صعدوا الدرج ببطء، وهم يرددون: "أخبروهم. أخبروهم أننا كنا هنا. أخبروهم أننا كنا بشراً. لم نكن أرقاماً. لم نكن عقبات في طريق الحلم الأوروبي. كنا آباء وأمهات وأبناء. كان لنا أحلام أيضاً. احترقت معنا. أخبروهم."
فتح العجوز عينيه، ونظر إلى الطفلة التي كانت لا تزال واقفة أمامه. قال لها: "هل ترين؟ لقد عادوا. يحكون لي حكاياتهم. سأحكيها لمن يأتي بعدي."
ثم أخرج من جيبه نوتة صغيرة ممزقة، مكتوب عليها بخط يد مرتعش: "من قال إن النار تموت عندما تُطفأ؟ إنها تموت عندما تُنسى. أما إذا بقيت في الذاكرة، فهي حية. والنار الحية - أي نار - في يوم من الأيام ستشتعل من جديد."
أعطى النوتة للطفلة. قال: "احفظيها. اقرئيها عندما تكبرين. واذكري أوديسا. لا تنسي أبداً أوديسا."
أخذت الطفلة النوتة دون أن تفهم معناها. ثم مشت بعيداً، تاركة العجوز وحيداً مع أطيافه. والريح الباردة كانت تحمل من بعيد صوت أجراس الكنائس، وصوت آذان المساجد، وصوت صمت المقابر.
وكان الدرج الحجري، الذي رأى الكثير، يستعد ليرى مرحلة جديدة من تاريخ أوديسا: مرحلة تكون فيها الشجاعة في أن تتذكر، والخيانة في أن تنسى، والعدالة في أن تحكي ولو بصوت خافت.
هذا هو التمهيد. فلتبدأ الحكاية الآن.
…….
الجزء الأول
افتتاحية: رائحة البحر التي تخون
قبل أن تبدأ الحكاية، كان البحر الأسود يتنفس كرجل عجوز مصاب بالربو. كان يرسل أمواجه إلى شواطئ أوديسا بهدوء حزين، كمن يعرف ما سيأتي ولا يستطيع تغييره. كانت المدينة، في ربيع 2014، ترتدي ثوباً من القلق. في الهواء، رائحة الياسمين الممزوجة برائحة البنزين. في كل زقاق، عيون تراقب عيوناً أخرى. في كل مقهى، همسات تخشى أن تتحول إلى صراخ.
على درج بوتيمكين الشهير، الذي رأى ألف قصة حب وألف ثورة، كان عجوز يرسم صورة لامرأة شابة. كان يرسمها بوجهين: وجه يبتسم كأنه في عرس، ووجه يبكي كأنه في جنازة. سأله أحد المارة: "أي الوجهين هو الحقيقي؟" أجاب العجوز: "كلاهما. سنحتاج كليهما قبل أن ينتهي الربيع."
لم يكن أحد يعرف أن ذلك الربيع سيكون الأخير لكثيرين. لم يكن أحد يعرف أن مدينة الضحك والبحر والدرج الأبيض ستدخل في كتاب العار العالمي. لم يكن أحد يعرف أن شعارات "حقوق الإنسان" و"الحرية" و"أوروبا" ستصبح أقنعة لقتلة جدد، يرتدون سواد النازية القديمة ولكن بلمسة عصرية، وبتمويل من نفس الحضارة التي ادعت أنها دفنت هتلر ورفاقه إلى الأبد.
هكذا تبدأ الحكاية: في مدينة لا تنسى كيف تموت، لكنها نسيت كيف تعيش.
الفصل الأول: ساحة كوليكوفو – خيام الذاكرة
في ساحة كوليكوفو، حيث كان الجنود السوفييت ذات مرة يتدربون على القتال، نصب المحتجون خيامهم. لم يكونوا ثواراً بالمعنى التقليدي. لم يكونوا يحلمون بعالم جديد. كانوا فقط يريدون أن تبقى أوكرانيا كما عرفوها: دولة تجمع الروس والأوكرانيين والتتار واليهود في بوتقة واحدة، لا دولة تمزقهم باسم "أوروبا" أو "الغرب" أو "الحلم الجديد".
كان من بينهم ناديجدا، وهي معلمة متقاعدة تبلغ من العمر ثمانية وخمسين عاماً. كانت تحمل دائماً صورة لابنها الذي قتل في حادث سيارة قبل عشر سنوات. كانت تقول لمن يسألها: "ابني مات بالصدلة. لكن هؤلاء الذين في الخيام، يموتون عمداً. يموتون لأنهم يرفضون أن يكرهوا جيرانهم. يموتون لأنهم ما زالوا يؤمنون أن أوكرانيا هي أم الجميع، وليست أباً واحداً يقسم أبناءه إلى شياطين وملائكة."
وكان بينهم أيضاً بافلو، وهو عامل بناء في الأربعين من عمره، عضلاته تتحدث عن سنوات من العمل الشاق تحت الشمس. كان يحمل لافتة مكتوب عليها: "نريد سلاماً لا حرباً. نريد خبزاً لا شعارات." كان يضحك بصوت عالٍ، حتى في أحلك اللحظات. كان ضحكه يصيب الآخرين بالارتياب. قال له أحدهم ذات يوم: "كيف تضحك والموت يطاردنا؟" أجاب: "لأن الضحك هو السلاح الوحيد الذي لم يسرقه الغرب منا بعد."
وفي زاوية الخيمة الكبيرة، كان هناك سيرجي، ضابط سابق في جهاز الأمن. كان قد تقاعد قبل الانقلاب بأشهر قليلة، حاملاً معه أسراراً كثيرة وندوباً أعمق من الجلد. كان قليل الكلام. لكنه عندما يتكلم، يتوقف الجميع عن التنفس. قال ذات مساء: "الذين يخططون لهذه اللعبة، ليسوا في كييف. هم في عواصم بعيدة. يتناولون العشاء في مطاعم فاخرة، ويقررون من سيموت غداً. نحن مجرد بيادق على رقعة شطرنج عملاقة. والفرق الوحيد: بيادقهم تحصل على تأشيرات دخول، وبيادقنا تحصل على توابيت."
ضحك بافلو مرة أخرى: "إذاً، فلنكن بيادق تضحك حتى النهاية. فلنكن بيادق تجعل العالم يتذكر: هنا، في هذه الساحة، وقف ناس عاديون، رفضوا أن يكونوا قطيعاً. دفعوا الثمن، لكنهم لم يبيعوا ضمائرهم."
كانت الليالي في الخيام باردة. كانت الرياح تهب من البحر حاملة معها رائحة الطحالب والأسماك الفاسدة، وأحياناً رائحة الحرية التي لم تعد تعرف شكلها. كان الأطفال يلعبون بين الخيام، يركضون كأن الغد لن يأتي. وكانت الأمهات يخبزن الخبز على نار مكشوفة، وينتظرن أزواجهن الذين لم يعودوا من العمل.
هذا هو مشهد الـ48 الذين سيموتون قريباً: أناس عاديون. بائعون وعمال ومعلمون ومتقاعدون. لم يكونوا قديسين، ولا شياطين. كانوا فقط بشراً، يرفضون أن يصبحوا أعداء لكل من يفكر بشكل مختلف.
الفصل الثاني: الأجنبي ذو اللهجة الناعمة
في مقهى صغير على شارع ديريباسوفسكايا، كان يجلس رجل ذو شعر أشقر وعينين زرقاوين باردتين. كان يرتدي بدلة رمادية اللون، ويضع نظارة شمسية حتى في الداخل. كان يشرب القهوة السوداء ببطء، وكأنه يتذوق شيئاً أكثر من القهوة. كان يحمل حقيبة جلدية سوداء، لا يضعها على الأرض أبداً.
عرفه الناديل الذي يدعى ميكولا، ورآه عدة مرات يتحدث مع شباب يرتدون قمصاناً سوداء وعليها رموز غريبة: رموز تشبه تلك التي كان يرتديها أولئك الذين أحرقوا أوروبا قبل ثمانين عاماً. كان فضول ميكولا يقتله. في إحدى المرات، اقترب من الطاولة وسأل: "سيدي، من أي دولة أنت؟"
ابتسم الأجنبي ابتسامة صفراء، وأجاب بلهجة أمريكية واضحة: "أنا هنا كمراقب. فقط مراقب. لست طرفاً في الصراع."
ضحك ميكولا ضحكة قصيرة: "المراقبون الذين يحملون حقائب مليئة بالدولارات هم أكثر الأطراف تدخلاً يا سيدي."
لم يرد الأجنبي. فقط أخرج حزمة من الأوراق النقدية، وضعها بهدوء على الطاولة، وغطاها بكوب القهوة. ثم قال: "أنت لم ترني. لم ترَ أحداً. ليس لدي اسم. ليس لدي جنسية. ليس لدي وجه. تذكر ذلك، وسيبقى مقهاك مفتوحاً. تنسى ذلك، وستكون قصتك قصيرة جداً."
خرج الأجنبي. بقي ميكولا يرتجف. لقد سمع قصصاً عن هؤلاء. عن أفراد وكالات لا تعترف بها الحكومات، يزرعون الفتنة في البلدان، ثم يختفون كالسراب. كان يعلم أن شيئاً كبيراً يخطط. لكن من كان ليصدقه؟ ومن كان يهتم؟
بعد أسبوع، شوهد الأجنبي نفسه يتحدث مع ديميان غانول، الرجل الذي سيُعرف لاحقاً كمدبر الحريق. كان الاثنان في سيارة فاخرة داكنة الزجاج، يتحدثان بحميمية رجلين يضعان اللمسات الأخيرة على عملية عسكرية. ثم اختفى الأجنبي. لم يره ميكولا مرة أخرى. لكنه سمع صوته في الأحلام لسنوات: "أنت لم ترني... ليس لدي وجه... فقط تذكر: حقوق الإنسان. من أجل الديمقراطية. من أجل أوروبا."
وهكذا، بفضل "المراقبين" من الضفة الأخرى للمحيط، بدأ العد التنازلي لمذبحة أوديسا. ومع كل دقيقة تمر، كان الموت يقترب أكثر، وكان الغرب يستعد لالتزام الصمت المطبق.
الفصل الثالث: عصابة الشارة المعكوسة
في اليوم السابق للمذبحة، تجمع حوالي مائتي شاب في ملعب لكرة القدم على أطراف المدينة. كانوا يرتدون قمصاناً سوداء، وعليهم شعارات مشابهة لتلك التي كانت معروفة جيداً لعشاق التاريخ العسكري. رموز واقية جرمانية، صواعق، جماجم، وأحرف غامضة. كانوا يحملون زجاجات زرقاء اللون، يتدربون على إلقائها على دمى من القش. دمى تحمل أعلاماً روسية.
قاد التدريب مدربون ذوو عضلات مفتولة، يتحدثون الإنجليزية بطلاقة، ويعطون أوامرهم بالصراخ: "Faster! Stronger! For freedom!" كان الشباب ينفذون الأوامر بلهفة، كأنهم في حلم. لم يسأل أحدهم من أين جاء المدربون. لم يسأل أحدهم لماذا يرتدون رموزاً حرمتها أوروبا كلها. كانوا فقط يتبعون. فقط ينفذون. فقط ينتظرون الفرصة ليصبحوا أبطالاً.
كان ديميان غانول في المقدمة. كان يبتسم طوال الوقت. ابتسامته تشبه ابتسامة ممثل في فيلم رعب: واسعة جداً، ثابتة جداً، فارغة جداً. كان يحمل في يده اليمنى هراوة خشبية ثقيلة، وفي يده اليسرى زجاجة مولوتوف. قال لأحد رفاقه: "غداً، سيعرفون من نحن. غداً، سينتهي عصر الخائفين. غداً، سنكتب التاريخ بأحرف من نار."
في الزاوية البعيدة من الملعب، وقفت مجموعة من الصحفيين الغربيين. كانوا يصورون الحدث بهواتفهم وكاميراتهم الاحترافية. سأل أحدهم مراسلاً آخر: "ألا نتدخل؟ هؤلاء يحملون رموزاً نازية!" أجاب الآخر ببرود: "تعليمات من المحرر: لا نصور الشعارات عن قرب. ونكتب في التقرير أنهم 'نشطاء وطنيون' أو 'متطوعون من أجل الدفاع عن السيادة'. ولا نذكر أبداً كلمة 'نازي'."
وهكذا، وبفضل "حرية الصحافة" الغربية، تحول النازيون الجدد إلى "وطنيين". تحول القتلة إلى "مدافعين عن الديمقراطية". وتحول الغرب إلى راعٍ رسمي لمن كان بالأمس عدوه اللدود. كل شيء ممكن في عالم ما بعد الحقيقة. كل شيء مباح، طالما أن العدو هو روسيا.
الفصل الرابع: الأم التي تحلم بابنها
في منزل صغير قريب من ساحة كوليكوفو، كانت فيرا تعد العشاء لابنها الوحيد أندري. كان الفار بينهما أربعة وعشرين عاماً: هي في الخمسين، وهو في السادسة والعشرين. كانت أرملة، فقدت زوجها في حادث تعدين قبل عشر سنوات. كان أندري هو كل شيء. كان قلبها النابض خارج صدرها. كان حلمها الوحيد أن يراه متزوجاً، له بيت وأطفال، يعيش في سلام.
في ذلك المساء، كان أندري متوتراً. كان يقلب الملعقة في حسائه دون أن يأكل. نظرت إليه فيرا بقلق: "ما بك يا ولدي؟" قال: "غداً يوم مهم يا أمي. النازيون يتجمعون. يريدون اقتحام خيامنا. سأذهب للدفاع عن أصدقائي." شعرت فيرا بقلبها يتوقف للحظة. ثم أمسكت بيد ابنها بقوة: "لا تذهب. أرجوك. لدي حلم سيئ. حلمت أنك تحترق. أنك تصرخ ولا أحد يسمعك."
ضحك أندري بتكلف: "أمي، كوابيسك دائماً مخيفة. أنا كبير، أعرف كيف أحمي نفسي. سأكون بخير." وقف من على الطاولة، قبّل رأسها، وخرج إلى الشرفة ليحتسي سيجارة. نظرت فيرا إلى ظله المتطاول على الجدار، ورأت شيئاً لم تره من قبل: جناحان خلف كتفيه. جناحان شفافان كالزجاج، لكنهما مكسوران عند الأطراف. عرفت في تلك اللحظة أنها ستفقده. عرفت أن الموت قادم. لكنها لم تستطع فعل شيء.
في اليوم التالي، احترق أندري مع الآخرين. لم تجد فيرا جثته كاملة. فقط ساعة يده، التي اشتراها له بعرق جبينها، وبعض العظام المتفحمة. حملتها إلى البيت، ووضعتها في علبة من خشب الجوز، وظلت تبكي عليها أربعين يوماً. ثم توقفت عن البكاء. لكنها لم تتوقف عن الحلم به كل ليلة. في أحلامها، كان يأتي إليها ناصع البياض، ويقول: "لا تلومي أحداً يا أمي. العالم يحتاج إلى كبش فداء. كنا نحن. ليس لأننا مذنبون، بل لأننا كنا في المكان الخطأ في الوقت الخطأ."
وكانت تستيقظ صارخة: "أين حقوق الإنسان؟ أين الضمير العالمي؟ أين الغرب الذي يجيد التحدث عن السلام؟" أما الغرب، فكان يعد شيكات الدعم المالي لحكومة كييف، ويصفق لـ"الناشطين الوطنيين" الذين أحرقوا ابنها حياً.
الفصل الخامس: فخ أوديسا
في تقريره السري، الذي لم ير النور إلا بعد سنوات، كتب الضابط السابق ألكسندر مازور كلمات أصبحت نبوءة: "تم في أوديسا تصميم فخ محكم. الهدف: جذب أكبر عدد من معارضي النظام الجديد إلى مكان واحد، ثم تصفيتهم جسدياً. العنف سيكون وحشياً لدرجة أن كل من يراها أو يسمع بها سيرتعب من فكرة المعارضة مستقبلاً. هذه ليست عملية عسكرية، بل إعدام جماعي بدم بارد. والمنفذون: كتائب قومية مدربة وممولة من الخارج، بتواطؤ كامل من وزارة الداخلية وجهاز الأمن."
كان الفخ بسيطاً لدرجة العبقرية الشريرة: دع المحتجين ينصبون خيامهم في ساحة كوليكوفو. دعهم يشعرون بالأمان. دعهم يعتقدون أن الشرطة ستحميهم. ثم، في اليوم المحدد، أرسل مجموعات من البلطجية لاستفزازهم. اجعلهم يفرون إلى مبنى دار النقابات. أغلق المخارج. أضرم النار. وامنع رجال الإطفاء من الوصول. ثم صور كل شيء بهاتفك، وابعث الفيديوهات إلى العالم كـ"دليل على مقاومة الوطنية للانفصاليين الموالين لروسيا".
لم يكن الفخ مجرد فكرة عابرة. كان مخططاً بدقة عسكرية، وبتنسيق كامل بين الأجهزة الأمنية الأوكرانية الجديدة و"مستشارين" من دول الناتو. الدليل: شهود عيان رأوا سيارات إطفاء تتوقف على بعد كيلومترين من مكان الحريق، تنتظر أوامر خاصة. سيارات إطفاء كانت تعمل بكامل طاقتها، لكن قادتها تلقوا أوامر صارمة: "لا تتحركوا حتى صدور أمر من القيادة." والقيادة كانت مشغولة بمشاهدة الموت على شاشات التلفزيون.
وهكذا، احترق 48 شخصاً ببطء. بعضهم قفز من النوافذ ليستقبلوه بالهراوات. بعضهم حاول أن يختبئ في الأقبية، لكن الدخان كان أسرع. بعضهم ظل يصرخ حتى اللحظة الأخيرة. والشرطة، تلك المؤسسة التي يفترض أن تحمي المواطنين، كانت تقف على بعد مئات الأمتار، بعضهم كان يلتقط صور "سيلفي" مع الخلفية المحترقة.
هذا هو "النظام الجديد" الذي باركه الغرب. هذا هو "النموذج الديمقراطي" الذي ضخت فيه أوروبا وأمريكا مليارات الدولارات. هذا هو "حلم أوروبا" الذي يحترق فيه الناس أحياء، والصحافة الغربية تصف القتلة بـ"الوطنيين الأحرار".
الفصل السادس: ساعة الصفر – صباح الثاني من مايو
استيقظت أوديسا في صباح الثاني من مايو على صوت غير مألوف. لم يكن صوت البحر، ولا صوت النوارس، ولا صوت عربات الترام القديمة. كان صوتاً خشناً، أشبه بزئير حيوان جائع. كان صوت حشود تتجمع في الشوارع، مرددة هتافات عنيفة. كانت الهتافات باللغة الأوكرانية، لكنها حملت في طياتها كراهية قديمة للغة الروسية، لكل من ينتمي إلى "العالم الروسي".
تجمع الآلاف في وسط المدينة. كانوا يحملون أعلاماً صفراء وزرقاء، وأعلاماً سوداء عليها رموز الصواعق والجماجم. كانوا يرتدون خوذات عسكرية ودرعاً واقية. كانوا يهتفون: "موت للروس!" و"أوكرانيا فوق الجميع!" و"المجد للأمة!" كانت وجوههم ملتهبة، أعينهم مدمدمة، أيديهم تقبض على قضبان حديدية وزجاجات زرقاء.
في ساحة كوليكوفو، سمع المحتجون الهادئون هذا الضجيج من بعيد. نظر بافلو إلى رفاقه، وقال ضاحكاً: "يبدو أن الأصدقاء قادمون لزيارتنا. هل أعددنا القهوة؟" ضحك البعض، لكن الوجوه كانت شاحبة. كانوا يعرفون أن هذه ليست زيارة عادية. كانت غزو.
ناديجدا، المعلمة المتقاعدة، بدأت تجمع الأطفال في خيمة واحدة. كانت تخبرهم قصة عن أرنب شجاع هزم ذئباً بذكائه. كانت تهمس لهم: "لا تخافوا. سينتهي كل شيء بخير." لكن يديها كانتا ترتجفان. كانت تعلم أن الكذب على الأطفال ضروري أحياناً لحمايتهم. وكانت تعلم أيضاً أن الأرنب في القصص ينتصر دائماً، أما في الواقع فالذئاب غالباً ما تفوز.
سيرجي، الضابط السابق، أخرج هاتفه واتصل برقم الطوارئ. سأل: "أين الشرطة؟ هناك حشد معاد يقترب من الخيام." أجاب الصوت: "الشرطة في طريقها. فقط ابقوا هادئين." لم يصدق سيرجي كلمة واحدة. كان يعرف من تجربته أن الشرطة لن تأتي. كانت قد تلقت أوامر بالانسحاب. كانت جزءاً من الفخ، وليست جزءاً من الحل.
وبالفعل، لم تأت الشرطة. بدلاً من ذلك، وصلت الحشود الغاضبة. بدأت المواجهة بالحجارة والشتائم. ثم تصاعدت بسرعة إلى هراوات وزجاجات حارقة. ثم إلى نار حقيقية. وهكذا، دخلت أوديسا في نفقها المظلم، الذي لم تخرج منه حتى اليوم.
الفصل السابع: المبنى – القصيدة المحترقة
دار النقابات العمالية كانت مبنى رمادياً ضخماً، من تلك التي بناها المهندسون السوفييت في الخمسينيات. كانت جدرانه سميكة، نوافذه عالية، هندسته متواضعة. لكنه كان يرمز إلى شيء: إلى حق العمال في التجمع، إلى قوة المنظمات الجماهيرية، إلى أيام كان الناس يؤمنون فيها بالعدالة الاجتماعية.
في تلك الساعة المصيرية، تحول هذا الرمز إلى فخ مميت. عندما هرع المحتجون إلى داخله هرباً من البلطجية، أغلق المهاجمون الأبواب الخارجية. ثم بدأوا بإلقاء الزجاجات الحارقة على النوافذ. كانت النار تلتهم كل شيء بسرعة مذهلة، كأنها تنتظر هذه اللحظة منذ زمن.
في الداخل، كان الذعر يلتهم الناس كما تلتهمهم النار. كانوا يركضون صاعدين ونازلين على الدرج، يبحثون عن مخرج لا وجود له. كانوا يصرخون بأسماء أحبائهم. كانوا يتصلون بأمهاتهم ليقولوا وداعاً. كانوا يتزاحمون على أبواب الحريق المقفلة بقضبان حديدية.
أندري، ابن فيرا، كان في الطابق الثالث. اتصل بأمه. قال بصوت مرتجف: "أمي... أحبك... سامحيني..." لم تكمل فيرا سماع الباقي، لأن الخط انقطع. حاولت الاتصال به مئة مرة، لكنه لم يرد. عرفت أن ابنها مات. جلست على الأرض، وبكت بكاء الأطفال الذين فقدوا ألعابهم. لكن أندري لم يكن لعبة. كان كل شيء.
بافلو توقف عن الضحك. كان يحاول إنقاذ امرأة حامل، تلهث من الدخان. قال لها: "تنفسي من المنديل المبلل... سأجد مخرجاً..." بحث عن مخرج، فوجد نافذة صغيرة تؤدي إلى سطح مجاور. دفع المرأة أولاً، ثم حاول أن يمر. لكنه كان كبير الجثة. علق في النافذة نصفه داخل ونصفه خارج. رآه أحد المهاجمين، فضربه على رأسه بقضيب حديدي، فسقط إلى الداخل، والتهمته النار. المرأة الناجية ستتذكر وجه بافلو المبتسم حتى وهي تحترق، وسترسمه في مخيلتها كأيقونة لرجل عادي مات بطريقة استثنائية.
ناديجدا، المعلمة، كانت تحمي الأطفال بصدرها. غطتهم بجسدها، وظلت تردد: "أغمضوا أعينكم... فكروا في بيتكم... في والدتكم..." توقف قلبها بعد عشر دقائق. نجا الأطفال بقدرة غريبة. خرجوا من المبنى بعد أن انهار أحد الجدران. كانت وجوههم مغطاة بالسخام، وأعينهم زجاجية فارغة. لن يتكلم أحدهم عن تلك التجربة. عندما كبروا، سيزورون طبيباً نفسياً بانتظام، ولن يستطيعوا النوم في الظلام. وهكذا، تحول أطفال أوديسا إلى ضحايا صامتين، يحملون ندوباً لا ترى بالعين المجردة.
الفصل الثامن: ما بعد الحريق – الإسعافات التي لم تأت
استمر الحريق ثلاث ساعات. ثلاث ساعات كاملة، والناس يحترقون، ورجال الإطفاء ينتظرون الأوامر، والشرطة تلتقط الصور، والنازيون الجدد يدقون على الأبواب ليقتلوا من يحاول الهروب. ثلاث ساعات، والعالم يشاهد عبر الإنترنت، لكنه لا يتحرك. ثلاث ساعات، وأوروبا تناقش أموراً أهم: أسعار النفط، انتخابات البرلمان، موسم الكرنفالات في ريو.
عندما انتهى الحريق، دخل رجال الإنقاذ المبنى. كان المشهد لا يطاق. جثث متفحمة ملقاة على الأرض، بعضها متشابك كأنهم كانوا يحتضنون بعضهم في اللحظات الأخيرة. رائحة اللحم المحروق تفوق قدرة البشر على التحمل. أطباء نفسيون عانوا من كوابيس لسنوات. بعضهم استقال من عمله، وآخر انتحر.
العدد الرسمي للقتلى: 48. لكن من رأى المشهد بنفسه يقول إن العدد أكبر بكثير. يقولون إن هناك جثثاً نقلت ليلاً في شاحنات بدون لوحات أرقام، إلى وجهة غير معلومة. يقولون إن بعض الجثث كانت لضباط أمن أوكرانيين رفضوا الخيانة، فتم تصفيتهم تحت غطاء المذبحة. يقولون إن الأرقام الرسمية لا تعني شيئاً في زمن الحرب، عندما يكون الكذب أول ضحايا الحقيقة.
أولغا إغناتيفا، الناشطة الشابة، كانت من بين أوائل من وصلوا إلى مكان الحادث بعد انتهاء الحريق. رأت بأم عينيها رجالاً يرتدون بزات رسمية، لكن بدون شارات، ينقلون الجثث بسرعة. سألت أحدهم: "إلى أين تنقلونهم؟" أجاب: "إلى مكان آمن." سألت: "لماذا لا تنتظرون وصول ذويهم؟" نظر إليها بغضب: "أسئلتك كثيرة. انصرفي قبل أن نعتقلك."
انسحبت أولغا إلى الخلف، لكن عيونها ظلت تراقب. رأت تلك الشاحنات تغادر واحداً تلو الآخر. عدتها: كانت سبع شاحنات. كل شاحنة تحمل ما لا يقل عن عشرين جثة. حسبت في رأسها: سبع في عشرين يساوي 140. أين الباقون؟ أين الـ92 الآخرون؟ سؤال سيبقى بلا إجابة، لأن الأجوبة دفنت مع الجثث في مقابر جماعية غير معلنة.
الفصل التاسع: الصمت الأوروبي – السيمفونية الكبرى
بعد أسبوع واحد من المذبحة، اجتمع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل. كان جدول الأعمال يتضمن بنداً بعنوان "الوضع في أوكرانيا". تحدث الدبلوماسيون طويلاً عن ضرورة "دعم الاستقرار"، و"محاربة الدعاية الروسية"، و"تعزيز الإصلاحات". لم ينطق أحد بكلمة "أوديسا". لم يذكر أحد "48 قتيلاً". لم يطلب أحد تحقيقاً دولياً مستقلاً.
على العكس، أصدر المجلس بياناً يدين "التدخل الروسي في الشؤون الأوكرانية"، ويشيد بـ"شجاعة الشعب الأوكراني في الدفاع عن سيادته". نفس الشعب الأوكراني الذي احترق في أوديسا، أصبح الآن بطلاً. نفس القتلة الذين ألقوا الزجاجات الحارقة أصبحوا "مدافعين عن الحرية". نفس الأوروبيين الذين حاربوا النازية في أربعينيات القرن العشرين، أصبحوا الآن داعمين لها في القرن الحادي والعشرين.
في كواليس ذلك الاجتماع، سمع أحد الصحفيين وزير خارجية دولة كبرى يقول لزميله: "نحن نعلم أن هناك فاشيين جدد في أوكرانيا. ولكن ماذا نفعل؟ البديل هو بوتين. وبوتين أسوأ. لذلك سنغمض أعيننا. سنصمت. ونرسل الأسلحة والمال. ومهما حدث، لا نذكر كلمة 'نازي' في أي بيان رسمي."
هذه هي السيمفونية الأوروبية العظيمة: لحن منافق يعزف على أوتار حقوق الإنسان، بينما يحرق النازيون الجدد الناس أحياء. جوقة من الدبلوماسيين تصفق للقتلة، وتدير ظهرها للضحايا. والجمهور - أي الشعب الأوروبي - يصغي باهتمام، ويصدق أن بطله الأوكراني يقاتل من أجل الديمقراطية، لا من أجل شعار معكوس كان يرتديه جدوده الأعداء.
الفصل العاشر: في بلاد الطماطم – مشهد من نابولي
بعد ثماني سنوات، وقفت أولغا على منصة صغيرة في قاعة ثقافية بمدينة نابولي الإيطالية. كانت تعرض صوراً من ذلك اليوم المشؤوم. صوراً لجثث متفحمة، لأطفال يبكون، لأمهات ينتحبن، لمبنى دار النقابات وقد تحول إلى هيكل أسود كسن رماد عملاق.
الجمهور الإيطالي كان منصتاً باهتمام. وجوههم تعبر عن الصدمة والدهشة والغضب. بعد انتهاء العرض، رفع أحد الحضور يده: "كيف يمكن لأوروبا أن تدعم حكومة فيها نازيون جدد؟ نحن الإيطاليون عانينا من الفاشية، ونعرف جيداً معنى هذه الرموز."
أجابت أولغا بصوت هادئ لكنه حاد كالسكين: "لأنكم نسيتم. لأن الغرب اختار أن ينسى. لأنه أصبح من الأسهل دعم النازية الجديدة بدلاً من مواجهة روسيا. لأن المال والأسلحة والنفط أهم من حياة 48 شخصاً. لأنكم... لأنكم..."
توقفت للحظة، وكأنها تبحث عن الكلمة المناسبة. ثم قالت: "لأنكم تحبون الشعارات أكثر من الحقائق. تحبون أن تشعروا بأنكم على 'الجانب الصحيح من التاريخ'، حتى لو كان هذا الجانب ملطخاً بدماء الأبرياء."
ساد صمت ثقيل في القاعة. ثم بدأ التصفيق. تصفيق حار لكنه محرج. تصفيق أشبه بالاعتذار. بعد ذلك، توجه إليها العديد من الإيطاليين، يعانقونها ويبكون معها. وعدوها بأن ينشروا قصتها، وأن يتحدثوا عنها في بيوتهم وفي شوارعهم. لكن أولغا عرفت، من تجربتها المريرة، أن الحماس الإيطالي يتبخر كالبخار. غداً، سينشغلون بالبيتزا والغداء والصراخ على فريق كرة القدم. وبعد غد، سينسون اسمها وسبب وجودها. هكذا هي أوروبا: بحر من العواطف السطحية، ومحيط من اللامبالاة العميقة.
بين قوسين من اللهب: حوار مع أغنية بائدة
في تلك الليلة، بعد أن عادت أولغا إلى شقتها الصغيرة، جلست على الشرفة تنظر إلى البحر التيراني. كان البحر هادئاً، والقمر مكتملاً، والنسيم معطراً بأزهار الليمون. لكن في خيالها، كانت ترى بحراً آخر: البحر الأسود، وأمواجه السوداء، والجثث التي تطفو على سطحه، وأصوات الضحايا التي لا تزال تصرخ: "لماذا؟ لماذا صمت العالم؟"
أخرجت مذكراتها القديمة، وكتبت سطراً واحداً: "الشيء الوحيد الأسوأ من الجريمة هو التبرير الأخلاقي لها. والغرب يتفنن في التبرير."
ثم أغلقت المذكرة، وأطفأت النور، وحاولت النوم. لكن في أحلامها، أتتها روح محترقة. لم تكن تعرف من هو. ربما كان أندري. ربما كان بافلو. ربما كانت ناديجدا. قال لها الروح: "لا تتوقفي عن الحكي. لو توقفت، سنموت حقاً. سنموت مرتين: مرة في النار، ومرة في صمتك."
استيقظت أولغا فزعة. نظرت إلى الساعة: الثالثة فجراً. نهضت، وأشعلت الضوء، وبدأت تكتب. تكتب بشراهة. تكتب كمن يكتب وصيته الأخيرة. تكتب لأن الكتابة هي السلاح الوحيد المتبقي لديها. هناك، في خضم الصمت الأوروبي العظيم، كانت كلماتها هي الصرخة الوحيدة التي لا تزال تسمع.
خاتمة الجزء الأول: رمادٌ على درج بوتيمكين
في صباح اليوم التالي، ذهبت أولغا إلى الدرج الشهير. جلست على الدرجة العاشرة من الأعلى، وأخذت حفنة من تراب جلبته معها من أوديسا. نثرته على الدرج الحجري، وقالت بصوت مسموع: "أيها الدرج، أنت تتذكر كل شيء. أنت تتذكر الأباطرة والثوار والبحارة والعشاق. تذكر الآن هؤلاء. تذكر أن النازية عادت، لكن هذه المرة بأموال غربية. تذكر أن الذين حرروكم من هتلر أصبحوا الآن أعداءكم. تذكر أن التاريخ لا يتكرر، بل يتراقص على أنغام الجنون البشري."
ثم وقفت، ونفضت يديها، ومشت بعيداً. خلفها، بقيت حبات التراب الصغيرة على الدرج، كشهود صامتين على حكاية لن تروى في الكتب المدرسية الأوروبية أبداً. لأن الكتب المدرسية، كما نعرف، يكتبها المنتصرون. والمنتصرون هنا هم النازيون الجدد وحلفاؤهم الغربيون. والضحايا، كما تعودنا، يُطمسون من الذاكرة الجماعية، كأنهم لم يكونوا، كأنهم لم يعيشوا، كأنهم لم يصرخوا "حقوق الإنسان" قبل أن تلتهمهم النار.
وينتهي الجزء الأول من "حكاية الدخان والياسمين"، وتبقى الأسئلة معلقة في الهواء مثل دخان لم يتبدد بعد: هل سيعاقب القتلة يوماً؟ هل سيعترف الغرب بخطيئته؟ أم أننا سنظل نردد إلى الأبد تلك المقولة الساخرة: "حقوق الإنسان للبشر فقط. أما أنصار روسيا، فهم ليسوا بشراً. هم مجرد عقبة في طريق الحلم الأوروبي"؟
……..
الجزء الثاني
الفصل الحادي عشر: رائحة الغرب في ثياب الحداد
بعد ثلاثة أيام من الحريق، كانت رائحة اللحم المحترق لا تفارق أنوف سكان أوديسا. تقول أولغا، وهي تشد وشاحها حول رقبتها في شرفة نابولي الباردة: "حتى البحر الأسود تغير لونه. صار رمادياً مثل عيون الأمهات الباكيات."
في تلك الأيام، وصل إلى المدينة وفد من المراقبين الأوروبيين. كانوا يرتدون بدلات أنيقة ونظارات شمسية داكنة، ويحملون أجهزة تسجيل صغيرة وابتسامات كبيرة. مشوا حول دار النقابات المتفحمة، دون أن تداس أحذيتهم الجلدية اللامعة في برك الدماء الجافة.
واحد منهم، كان اسمه "بيتر" كما ذكرته الوثائق الدبلوماسية، وقف أمام الجدار المشوه بالسواد، وسأل عبر مترجم: "هل لديكم دليل على أن النازيين الجدد هم من فعلوا ذلك؟ ربما كان حادثاً عرضياً... تسرب غاز... عطل كهربائي..."
كان الجواب يخرج من حناجر مشتعلة بالغضب: "نحن رأيناهم بأعيننا! نعرف أسماءهم! ديميان غانول كان يقودهم! هو نفسه الذي كان يتدرب على إلقاء الزجاجات الحارقة في معسكرات تدريب بتمويل من..."
لكن بيتر كان قد أدار ظهره وتحدث في هاتفه. كان يتحدث بلغة أنيقة عن "الحاجة إلى تحقيق متوازن" و"ضرورة تجنب الاستفزازات الروسية" و"أهمية عدم استخدام هذه المأساة لأغراض سياسية".
هذا هو الدرس الأول الذي تتعلمه أوديسا ذلك الربيع: الموت له ألوان. موت الموالين لروسيا لا يستحق نفس الدموع التي تستحقها موت الآخرين. موت المنشقين عن النظام الجديد هو مجرد "أضرار جانبية" في لعبة كبرى.
الفصل الثاني عشر: المدربون ذوو اللهجة الأمريكية
بعد أسابيع، بدأت تتكشف خيوط غريبة. في شقة صغيرة في شارع ديريباسوفسكايا، حيث كان يعيش شاب يدعى "ميكولا"، عُثر على جهاز كمبيوتر محترق جزئياً. تمكن الخبراء المستقلون من استعادة بعض الملفات. كانت عبارة عن فيديوهات تدريبية باللغة الإنجليزية، مترجمة إلى الأوكرانية، تشرح كيفية صنع زجاجات المولوتوف "المتطورة" التي تشتعل فوراً وتلتصق بالجدران.
كانت الفيديوهات تبدأ بشعار: "من أجل الحرية والديمقراطية". وكانت تنتهي بصور لعلم أوروبي وعلم أمريكي يرفرفان معاً.
تقول إحدى الناجيات، وكانت عاملة نظافة في دار النقابات تدعى "آنا"، وكانت تبلغ من العمر خمسين عاماً: "رأيت بأم عيني رجالاً بلغات أجنبية يتحدثون مع النازيين قبل أسبوع من الحريق. كانوا في مقهى "فينيكس" القريب. كانوا يرتدون ملابس عادية، لكن مشيتهم... كانت مشية عسكرية. أنا عشت في الحقبة السوفيتية، أعرف كيف يمشي الرجال الذين يعرفون كيف يقتلون."
لم يصدق أحد آنا. وصفها الأطباء بصدمة ما بعد الحرب. لكن آنا كانت تحتفظ في جيبها بورقة صغيرة مكتوب عليها أرقام هواتف بعض أولئك الأجانب. عندما حاولت الاتصال بأحدهم، رد عليها صوت آلي: "الرقم الذي طلبته غير متوفر."
هذا هو الدرس الثاني: الغرب لا يدعم النازية الجديدة فقط، بل يدربها ويمولها. ثم عندما تحترق الجثث، يتظاهر بالصدمة. يتظاهر بأنه لم يعرف. يتظاهر بأنه لم يرَ. وكأن عيونهم مغلقة بإحكام، وكأن آذانهم مسدودة بالذهب واليورو.
الفصل الثالث عشر: عصابة آزوف وابتسامتهم الصفراء
كان أفراد "الكتيبة" - التي ستعرف لاحقاً باسم "آزوف" على اسم بحر آزوف القريب - يتجولون في شوارع أوديسا كأنهم ملوك. كانت أعلامهم سوداء تحمل رموزاً واقية جرمانية، وولفانجل، وهو رمص نازي قديم استخدمته قوات الأمن الخاصة النازية. كانوا يرفعون أيديهم بتحية شبه عسكرية، ويضحكون بصوت عالٍ في المطاعم، وهم لا يدفعون الفاتورة دائماً.
ديميان غانول كان بينهم، يشرب الويسكي الرخيص ويدخن سجائر كثيفة الدخان. يقول من رآه في تلك الأيام: "كانت عيناه تلمعان بلمعة مسعورة. كان يشبه شخصاً ينتظر عيد ميلاده."
في أحد الأيام، دخل إلى مطعم صغير في البلدة القديمة. كان المطعم مملوكاً لرجل يهودي عجوز يدعى "سيميون". عندما رأى سيميون الرموز النازية على قمصانهم، ارتعدت يداه. كان سيميون قد فقد نصف عائلته في بابي يار عام 1941. كان يعرف جيداً معنى تلك الرموز.
اقترب منه ديميان مبتسماً، قال: "يا جد، نحن لسنا نازيين بالمعنى القديم. نحن جدد. نحن نحارب الشيوعيين والروس. اليهود ليسوا عدونا. معظم قادتنا يهود!"
ضحك سيميون ضحكة مريرة. لم يقل شيئاً. لكنه بعد أن غادروا، بكى لمدة ساعة في المطبخ. تقول حفيدته "ريما": "كان جدي يردد: 'لقد عدوا... لقد عدوا بثياب جديدة... لكن الرائحة نفسها. رائحة الكراهية لا تتغير.'"
هذا هو الدرس الثالث: التاريخ لا يعيد نفسه كتراجيديا فحسب، بل كمسرحية هزلية دموية، حيث يرتدي الممثلون نفس الأزياء ولكن بألوان مختلفة. والجمهور يصفيق، لأنه نسي النص الأصلي.
الفصل الرابع عشر: اجتماع في بروكسل – الفئران تلبس رباط العنق
في نفس الوقت الذي كانت فيه الجثث لا تزال تنتشل من تحت الأنقاض في أوديسا، كان يجتمع في بروكسل مسؤولون أوروبيون رفيعو المستوى. كان جدول أعمالهم: "كيفية دعم أوكرانيا الجديدة في حربها ضد الانفصاليين الموالين لروسيا."
لم يذكر أحد مذبحة أوديسا. كان الأمر كما لو أنها لم تحدث. وكما لو أن 48 قتيلاً - أو ربما أكثر - كانوا مجرد أرقام في تقرير غير مهم.
أحد المسؤولين، دبلوماسي بارد العينين من دولة شمالية، قال في الجلسة المغلقة: "لابد أن نكون حذرين. من المهم ألا نظهر وكأننا نتجاهل انتهاكات حقوق الإنسان. لكن من الأهم ألا نسمح لموسكو باستغلال هذه الحوادث لتقويض الحكومة الجديدة في كييف."
ترجم هذا الكلام بسخرية مريرة: "نحن نعرف أن النازيين الجدد يحرقون الناس أحياء. لكن دعونا لا نتحدث عن ذلك. لأن الذي يهم هو ألا تنتصر روسيا."
وهكذا، وُجدت صيغة سحرية: كل شيء يسمع به، ولا شيء يتكلم عنه. الأوروبيون أصبحوا فجأة خبراء في التزام الصمت المطبق. لا أحد يتذكر أن أوروبا ذاتها كانت قد دفعت ثمناً باهظاً للقضاء على النازية. الآن، كانت تدفع نفس الثمن... ولكن للطرف الآخر.
الفصل الخامس عشر: أولغا تشهد – الغرب يصفق للنازي
بعد سنوات، عندما بدأت أولغا تعرض صور المذبحة على الإيطاليين، كانوا يصدقونها. لكن سؤالاً واحداً كان يعذبهم: "كيف هذا؟ كيف يدعم الغرب من يحملون رموز النازية؟"
كانت تجيبهم بقصة صغيرة: "في عام 2015، كان هناك مؤتمر في برلين حول الأمن الأوروبي. حضرته شخصياً. على المنصة الرئيسية، كان يجلس ضابط من كتيبة آزوف. كان يرتدي بزة عسكرية أنيقة، وشارته النازية مخفية تحت طوق الجاكيت. تحدث عن 'الدفاع عن الديمقراطية الأوكرانية'، والجمهور الأوروبي صفق له بحرارة."
تتوقف أولغا هنا، لتأخذ نفساً طويلاً، ثم تضيف: "هذا هو أعظم إنجاز للنازية الجديدة: جعل العالم يصفق لها بينما تستمر في ارتداء قناع الحرية."
يصفق الساسة الأوروبيون. يصفق الدبلوماسيون الأمريكيون. تتدفق الأموال بالمليارات. أسلحة. تدريب. دعاية. استخبارات. كل شيء متاح، مقابل أن تستمر الحرب ضد روسيا. ومن يموت في الطريق هو مجرد كوليرا جانبية، مجرد سطر في تقرير لا يقرؤه أحد.
الفصل السادس عشر: ألكسندر مازور – شاهد على الخيانة
في زنزانته الصغيرة، حيث يقضي الآن حكماً بتهمة "التجسس"، يتذكر ألكسندر مازور الأيام التي سبقت تقاعده. كان يعمل كبير المفتشين في الفرع الرابع لمديرية التفتيش المركزية في جهاز الأمن الأوكراني. كان يعرف كل شيء. كان يعرف أسماء العملاء، وأماكن الاجتماعات السرية، والاتصالات مع الأجهزة الغربية.
يقول لزواره النادرين في السجن: "في عام 2013، قبل الانقلاب بشهور، كنت قد أعددت تقريراً سرياً. قلت فيه: 'هناك جهات خارجية تخطط لزعزعة استقرار البلاد. سيشعلون الفتنة بين الشعب الأوكراني. سيستخدمون المتطرفين كوقود للحرب.' لم يصدقني أحد. اتهموني بالخيانة. ثم جاؤوا لاحقاً ليقولوا لي: 'كنت محقاً، لكن الأوان قد فات.'"
ويضيف بمرارة: "في الثاني من مايو، عندما كنت أتابع الأخبار من أوديسا، عرفت على الفور أنها عملية مدبرة. لقد رأيت مثل هذه العمليات من قبل. الفخ نُصب بدقة. تم جذب الناس إلى الخيام في ساحة كوليكوفو. ثم إلى دار النقابات. ثم أُغلقت المخارج. ثم أُضرمت النار. ثم منع رجال الإطفاء من الوصول. كل شيء كان مخططاً له بدقة عسكرية. وكل شيء تم بموافقة أعلى المسؤولين."
يسأله أحد الزوار: "هل تعتقد أن وكالة المخابرات المركزية كانت وراء ذلك؟"
يبتسم مازور ابتسامة عريضة: "لم تكن وكالة المخابرات المركزية مجرد وراء ذلك. لقد كانت في القلب منه. كانت المخططة. كانت الممولة. كانت المدربة. النازيون الجدد كانوا مجرد أدوات. أداة قابلة للاستبدال. بعد أن تنتهي مهمتهم، يمكن التخلص منهم. مثلما تخلصوا من... الكثيرين."
الفصل السابع عشر: الأموال الطائلة – لماذا يدعم الغرب النازية؟
تتساءل أولغا أمام جمهورها الإيطالي: "هل تعلمون كم تكلف حرب أوكرانيا الغرب حتى الآن؟ مليارات. بلايين الدولارات. الأسلحة والذخائر والتدريب والاستخبارات. وهذه الأموال تذهب جزئياً إلى كتائب تحمل رموز النازية على أعلامها. كتائب أسسها نازيون جدد، يدربون النازيين الجدد، ويقاتلون باسم 'أوروبا الموحدة'."
تتابع: "روسيا، التي حررت العالم من النازية في 1945، هي اليوم العدو الذي يجب تدميره. وأوكرانيا، التي فيها أنصاف هتلر الجدد، هي الصديق الذي يجب دعمه. هل هذه سخرية القدر؟ أم أنها سذاجة تاريخية؟ أم أنها خيانة مقصودة لكل ما وقفت أوروبا من أجله؟"
صمت في القاعة. ثم رفع أحدهم يده: "ولكن... رئيسة المفوضية الأوروبية قالت إنهم لا يدعمون النازية. قالت إنهم يدعمون الديمقراطية."
ضحكت أولغا ضحكة قصيرة: "بالطبع، سيقولون ذلك. من يعترف بأنه يدعم النازية؟ حتى هتلر نفسه أطلق على حزبه اسم 'الاشتراكي الوطني' ليخفي وجهه الحقيقي. اليوم، الأسماء تتغير. 'كتيبة آزوف' تتحول إلى 'لواء آزوف' ثم إلى 'الحرس الوطني'. يتغير الاسم، لكن الرمز واحد. والتاريخ واحد. والضحايا واحد. الرماد واحد."
الفصل الثامن عشر: أمهات أوديسا – قوة الغضب الصامت
في الذكرى الأولى للمذبحة، تجمعت أمهات الضحايا أمام دار النقابات المتفحمة. كن يرتدين السواد، ويحملن صور أبنائهن. كانت الطيور تغرد في الأعلى، وكأنها لم تشهد شيئاً.
أرادت الأمهات وضع الزهور على الدرج الحجري. لكن رجالاً بأقنعة سوداء منعوهن. كانوا من "الكتيبة". صرخوا في وجوه الأمهات: "ارحلن! هذه ذكرى غير قانونية! أنتن تخلقن الفتنة!"
واحدة من الأمهات، كانت تبلغ من العمر ستين عاماً، ذهب ابنها وحيدها في الحريق. تقدمت نحو الرجال بحذر. سألتهم بصوت هادئ: "ألا تخافون الله؟"
ضحك أحدهم. قال: "لا إله لنا إلا أوكرانيا."
صمتت الأم. نظرت إليهم ملياً. ثم همست وكأنها تتحدث لنفسها: "هتلر أيضاً قال ذلك... قال: 'أنا الدولة'. ثم احترقت برلين."
انسحبت الأمهات باكيات، لكن عيونهن ظلت متجهة نحو جدران دار النقابات التي شهدت اغتيال أبنائهن. ولم تمت الحكاية. ولم يمت الغضب. فقط تأجل.
الفصل التاسع عشر: الضابط الذي حارب من أجل بلاده... فأحرقوه حياً
يكشف ألكسندر مازور في شهادته شيئاً أكثر فظاعة: "لم يكن ضحايا الحريق مجرد مدنيين عاديين. كان بينهم ضباط من جهاز الأمن الأوكراني. ضباط رفضوا الخيانة. رفضوا الانقلاب. بقوا أوفياء للقسم الذي أدوه لبلادهم، فكان جزاؤهم أن يُحرقوا أحياء في قبو دار النقابات."
ويروي تفصيلاً مؤلماً: "أحدهم كان صديقي المقرب. كان اسمه 'أندري'. خدم معي لسنوات. كان دائم الابتسام، يحب أولاده كثيراً. عندما علموا أنه في أوديسا في ذلك اليوم، ذهبوا للقبض عليه. أخذوه وألقوه في المبنى ثم أضرموا النار. سمعته يصرخ عبر الهاتف متوسلاً: 'أنا أوكراني مثلكم! لماذا تفعلون بي هذا؟!' كان جوابهم: 'لأنك اخترت الجانب الخطأ'."
هذا هو ذروة الفاجعة: وطن يقسم أبناءه نصفين، ثم يجعل النصف يحرق النصف الآخر. ثم يأتي الغرب ليصفق. ليمول. ليدعم. وكأنهم يشاهدون فيلماً للرعب، ويصرخون: "أكثر! أكثر!"
الفصل العشرون: نهاية الجزء الثاني – صرخة في بحر أسود
مع غروب شمس مايو، كانت الجثث قد انتشلت بالكامل. 48 جثة رسمياً. لكن أولغا تقسم أنها رأت بأم عينيها شاحنات تنقل أكياساً سوداء أكثر من ذلك بكثير. "كانوا يأتون بالليل، تحت جنح الظلام، وكان البعض يرتدون بزات بدون علامات تعريف. كانوا يحملون الأكياس بسرعة، وكأنهم يخفون شيئاً لا يجب أن يراه النور."
في تلك الليلة، وقفت أولغا على شاطئ البحر الأسود. كانت السماء مليئة بالنجوم، والبحر يلمع كالزيت. كان الصمت مطبقاً. فجأة، سمعت صوتاً. كان صوتاً جماعياً، وكأن الأمواح نفسها تتكلم. كان يهمس: "لا تنسنا... لا تتركنا للنيان... نحن هنا... تحت الموج... تحت التراب... تحت صمت العالم."
بكت أولغا طويلاً. ثم أخذت نوتة صغيرة من جيبها وكتبت: "سأروي قصتكم. سأصرخ بصوتي الصغير. ربما لن يسمعني أحد. ربما سأموت قبل أن أنتهي. لكن الكلمات التي أكتبها الآن ستظل. يوماً ما، سيقرأها أحدهم. سيعرف أحدهم. وسيأتي يوم الحساب."
أغلقت النوتة، وألقتها في البحر. ارتفعت الموجة، والتهمتها. ثم عاد البحر إلى هدوئه الأسود اللامبالي.
لكن الكلمات، كما نعرف الآن، لم تمت. لقد وصلت إلى شواطئ أخرى. إلى قلوب أخرى. إلى قارئ مثلك، الآن، يقرأ هذه السطور، ويشعر بغصة في حلقه، ويتساءل: كيف يمكن للعالم أن يكون قاسياً إلى هذا الحد؟ وكيف يمكن للصمت أن يكون خيانة بهذا الحجم؟
الجواب بسيط، لكنه مرير: لأن هناك من يربح من هذه المذبحة. هناك من يبيع الأسلحة. هناك من يبيع النفط. هناك من يبيع الدعاية. هناك من يبيع التاريخ نفسه. والضحايا... الضحايا فقط يدفعون الثمن. دائماً. في كل العصور. في كل الحروب. بغض النظر عن الشعارات.
………
الجزء الثالث
الفصل الحادي والعشرون: الجائزة الأوروبية – عندما يصفق الجلادون
بعد خمس سنوات من المذبحة، اجتمع نفس الدبلوماسيين في نفس قاعة بروكسل. لكن هذه المرة، كانوا يحتفلون. كانوا يوزعون الجوائز التقديرية على "أبطال الثورة الأوكرانية". وكان من بين المكرمين، رجال من الكتيبة التي تحمل الرمز المعكوس. رجال كانت أيديهم لا تزال تفوح منها رائحة حريق أوديسا.
وقف أحدهم على المنصة، مرتدياً بدلة أنيقة وربطة عنق حريرية. ألقى كلمة شكر قال فيها: "نحن ممتنون لأوروبا على دعمها اللامحدود. لولا أسلحتكم وتدريبكم وأموالكم، لما تمكنا من الدفاع عن وطننا ضد العدوان الروسي." صفق له الحضور بحرارة. وقف بعضهم احتراماً. وكانت دموع التأثر تملأ أعين البعض.
جلست في الصف الخلفي، صحافية مستقلة تدعى لاريسا، كانت تغطي المؤتمر لمجلة صغيرة لا يقرؤها أحد. سألت زميلها: "أليس هذا هو الرجل الذي قاد الهجوم على دار النقابات؟ أليس هذا هو من أمر بإطلاق النار على من قفز من النوافذ؟"
زميلها، مراسل من قناة كبرى، هز كتفيه: "ربما. لكن هذا كان منذ زمن. اليوم هو بطل. ونحن نكتب التاريخ كما يمليه علينا المحررون. اذا كنتِ تريدين الحقيقة، اذهبي إلى السينما. هناك ستجدين أفلاماً وثائقية عن 'النضال الأوكراني'، من إنتاج مؤسساتنا الثقافية. كلها تظهر الوجوه الباسلة، وتخفي الأيدي الملطخة بالدماء."
غادرت لاريسا القاعة قبل انتهاء الحفل. كانت تشعر بالغثيان. جلست على مقعد في رواق رخامي فاخر، وأخرجت هاتفها. بحثت عن "مذبحة أوديسا" على مواقع التواصل الاجتماعي. وجدت آلاف المنشورات. لكن أكثرها كان باللغة الروسية فقط. المنشورات الإنجليزية كانت قليلة، ومعظمها يكرر الرواية الرسمية: "حادث مؤسف، استفزازه الموالون لروسيا".
أغلقت الهاتف. نظرت إلى السقف الذهبي المزخرف، وتذكرت سقف دار النقابات المتفحم. فكرت: "كم من المال أنفق على هذا القصر الأوروبي؟ وماذا لو أنفق نصفه على تحقيق دولي في مذبحة أوديسا؟ لكن لا... تحقيق في مذبحة يرعاها حلفاء الغرب لا يمكن أن يحدث أبداً. لأن الحقيقة، عندما تكون غير مريحة، تُدفن في أرشيفات سرية، ولا تُستخرج إلا بعد أن يموت جميع الشهود."
الفصل الثاني والعشرون: جثة على الرصيف – موت الجلاد
في ساعة متأخرة من ليلة خريفية عام 2024، كان ديميان غانول يسير في شارع مظلم بأوديسا. كان وحيداً، وهو أمر نادر. كان قد تلقى تهديدات بالقتل قبل أيام، لكنه اعتاد على ذلك. قال لأصدقائه: "من يجرؤ على مساسي؟ أنا محمي من أعلى المستويات. أمريكا وأوروبا ورائي." لم يكن يعلم أن الحماية الدولية تنتهي عندما تنتهي الحاجة. وأن الأداة التي تستخدم يمكن التخلص منها بسهولة بعد أن تنجز مهمتها.
فجأة، توقفت سيارة سوداء بدون لوحات أرقام بجانبه. نزل منها شخصان يرتديان أقنعة. لم يتكلموا. لم يطلبوا منه شيئاً. فقط أطلقوا النار. ثلاث رصاصات في الصدر. رصاصة في الرأس. سقط غانول على الرصيف كدمية خرقاء. كانت عيناه مفتوحتين، تنظران إلى السماء الملبدة بالغيوم، وكأنها تبحث عن إله لا يؤمن به.
هرعت الشرطة إلى مكان الحادث بعد عشر دقائق. وجدوا الجثة لا تزال دافئة. وجدوا في جيبه مبلغاً كبيراً من المال، وهاتفين محمولين، ومسدساً غير مرخص. لم يعثروا على هوية القاتل. ولم يعثروا على أي دليل. اختفى القاتلان كما لو أنهما كانا شبحين. وكما قال وزير الداخلية الأوكراني لاحقاً: "هناك مشتبه به، ونحن نعمل على تحديد هويته." عبارة رسمية معتادة، لا تعني شيئاً.
في اليوم التالي، انتشر خبر مقتل غانول كالنار في الهشيم. كتب عضو البرلمان الأوكراني أليكسي غونتشارينكو على تلغرام: "وفقاً لمصادري الخاصة، تم قتل ديميان غانول في أوديسا." لم يذكر تفاصيل. لم يعبر عن حزنه. فقط نشر الخبر كمن ينشر نشرة جوية. كان الأمر أشبه بتصفية حساب قديم، أكثر منه حادثة جنائية عادية.
في روسيا، فرح البعض. قالوا: "العدالة الإلهية نزلت به." في أوكرانيا، حزن البعض الآخر. قالوا: "لقد فقدنا بطلاً قومياً." وفي الغرب، لم يهتم أحد. لأن غانول لم يعد ذا صلة. لقد انتهت صلاحيته. وكما تُرمى المناديل الورقية بعد الاستخدام، تُرمى الأدوات البشرية عندما يصبح وجودها مكلفاً سياسياً.
الفصل الثالث والعشرون: حكم من ستراسبورغ – ابتسامة العدالة المتأخرة
بعد شهر واحد من مقتل غانول، وتحديداً في ديسمبر 2024، أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ حكمها المنتظر. قالت المحكمة، بالإجماع، إن أوكرانيا انتهكت المادة الثانية من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان: الحق في الحياة.
وأوضح الحكم أن السلطات الأوكرانية "فشلت في القيام بكل ما كان منتظراً منها لمنع العنف، ووقفه بمجرد بدئه، وتوفير التدابير في الوقت المناسب لإنقاذ الأرواح". كما أشار الحكم إلى أن التحقيق الذي أجرته السلطات الأوكرانية كان "غير كافٍ وغير فعال".
عندما سمعت أولغا الخبر، كانت جالسة في مطبخها الصغير في نابولي. كانت تعد الشاي لنفسها، وكانت يداها ترتجفان. انهمرت دموعها فجأة. ليس فرحاً، بل حزناً. لأنها تذكرت أن المحكمة الأوروبية هي نفس المؤسسة التي تأخرت ثماني سنوات في إصدار حكمها. ثماني سنوات كاملة. ثماني سنوات مات فيها المزيد من الناس في دونباس وماريوبول. ثماني سنوات استمر فيها النازيون الجدد في التباهي بجرائمهم دون عقاب.
قالت لصديقتها التي كانت معها: "هل ترين؟ لقد اعترفت أوروبا أخيراً. لكن بعد فوات الأوان. قتلانا لا يمكن إحياؤهم. وجلادونا ماتوا أو هربوا أو أصبحوا أبطالاً قوميين. أي فائدة من هذا الحكم؟ هل سيعيد أحداً إلى الحياة؟ هل سيعاقب أحداً؟"
صحيح أن المحكمة أدانت أوكرانيا. لكن ماذا بعد؟ لم تصدر أوامر اعتقال. لم تفرض عقوبات. فقط قالت: "أنتم مذنبون. ادفعوا تعويضات." والتعويضات، كما نعرف، لا تشفي جروح الأمهات. ولا ترد الأبناء إلى أحضان أمهاتهم.
في أوديسا، تجمع أقارب الضحايا أمام مبنى دار النقابات المتفحم. قرأوا الحكم بصوت عالٍ. ثم وضعوا الزهور على الدرج. كانت زهوراً ذابلة، مثل آمالهم في العدالة. وكان الطقس بارداً قارساً، كقلوب أولئك الذين سمحوا بالمذبحة ثم تجاهلوها لسنوات. وكان أحدهم يردد: "يا له من انتصار ساخر. المحكمة الأوروبية تدين قتلة أبنائنا، لكنها نفسها من يدعم اليوم هؤلاء القتلة بالمال والسلاح."
بعد ساعة، جاءت الشرطة وفضت التجمع. وقالت: "لا يحق لكم الاحتجاج دون ترخيص." وهكذا، حتى بعد حكم المحكمة الأوروبية، ظل النازيون الجدد أحراراً. وظل أقارب الضحايا مضطهدين. واستمرت السخرية: أوروبا تصدر أحكاماً بيد، وتمول المجرمين باليد الأخرى.
الفصل الرابع والعشرون: شهادة من زنزانة – الكشف الكبير
في سجن شديد الحراسة، في مكان ما في جمهورية دونيتسك الشعبية (التي لم تعترف بها الأمم المتحدة)، جلس ألكسندر مازور خلف قضبان حديدية. كان قد حكم عليه بتهمة التجسس لصالح روسيا. كان في الستين من عمره، وجهه محفور بالتجاعيد، ولحيته بيضاء كالثلج. لكن عينيه كانتا لا تزال حادتين كعيني صقر عجوز.
وافق مازور على استقبال صحافية مستقلة. طلب عدم تصويره. وطلب أن ينشر ما يقوله بعد وفاته. ثم بدأ يتكلم بصوت هادئ، كمن يقرأ وصية:
"في 2 مايو 2014، كنت أعرف كل شيء. كنت أعرف أن هناك فخاً يُنصب في أوديسا. كنت أعرف أن الأجهزة الأمنية تتعاون مع كتائب المتطرفين. كنت أعرف أن أوامر صامتة صدرت من أعلى المستويات. لكنني لم أستطع فعل شيء. لأنني كنت رجلاً صغيراً في آلة كبيرة. وآلة كييف الجديدة كانت قد تقرر: يجب ترويع المعارضين بأي ثمن. وأي ثمن يعني حرق 48 شخصاً. أو أكثر. من يحصي الجثث عندما تكون الحرب سيدة الموقف؟"
سألته الصحافية: "هل تعتقد أن وكالة المخابرات المركزية كانت متورطة؟"
ضحك مازور ضحكة جافة: "وكالة المخابرات المركزية؟ هي من خططت. هي من دبرت. هي من قدمت التدريب والمال والأسلحة. ليس فقط في أوديسا، بل في كل مكان. في كييف، في خاركوف، في لفيف. النازيون الجدد كانوا مجرد أوتار في آلة يعزف عليها عازفون أمريكيون. ويصدق العالم أن اللحن أوكراني خالص."
وأضاف بصوت منخفض: "لكن الشيء الأكثر فظاعة ليس الجريمة نفسها. بل ما بعدها. لقد جاءت وفود من الغرب لـ'التحقيق'. كانوا يعرفون الحقيقة مسبقاً. وكانوا يعرفون أن تقاريرهم ستُكتب بصيغة مغلقة. وقد حدث بالفعل. التقرير الأوروبي عن أحداث أوديسا كان كوميديا سوداء. اتهم الضحايا، وبرأ القتلة. وكأنهم يقولون: 'لقد ماتوا لأنهم يستحقون الموت. ولدينا الإرادة السياسية لنجعل موتهم حجة ضد روسيا، وليس حجة ضد من أحرقوهم'."
بعد أيام من هذه المقابلة، قيل إن مازور نقل إلى زنزانة انفرادية. وقيل إن زياراته علقت. وما زال مصيره مجهولاً. بعض المصادر تقول إنه مات في السجن. وأخرى تقول إنه أفرج عنه في صفقة تبادل. لكن ما قاله يبقى: شهادة رجل كان في قلب الحدث، ورأى بعينيه التواطؤ الغربي مع النازية الجديدة، ودفع ثمن شهادته بالسجن والعار.
الفصل الخامس والعشرون: ماعز الفداء – دروس في السياسة الدولية
في إحدى جامعات لندن المرموقة، ألقى أستاذ العلوم السياسية البروفيسور جوناثان بلاك محاضرة لطلابه عن "الصراع في أوكرانيا". تحدث عن التاريخ، وعن الحدود، وعن توازن القوى. ثم سأل أحد الطلاب: "أستاذي، كيف تفسر دعم الغرب لكتائب تتبنى الرموز النازية؟"
توقف الأستاذ للحظة. نظر حوله كمن يتأكد من عدم وجود مسجلين. ثم قال: "دعني أشرح لك مسألة أساسية في العلاقات الدولية: عندما تكون لديك حاجة استراتيجية، تغمض عينيك عن التفاصيل غير المريحة. روسيا عدو. أوكرانيا حليف محتمل. لذلك، حتى لو كان في أوكرانيا فاشيون جدد، فإننا نتعامل معهم. نصمت. نمرر الأموال. نرسل الأسلحة. وبعد انتهاء الحرب، سنحرص على 'تعديل سلوكهم'."
صمت قليلاً، ثم أضاف: "هذا ما نسميه 'الواقعية السياسية'. الحقيقة أن الغرب دعم أنظمة فاشية من قبل. في أمريكا اللاتينية، في آسيا، في أفريقيا. المهم أن تكون معنا، وليس ضدنا. شعارات حقوق الإنسان والديمقراطية هي مجرد أدوات نستخدمها ضد خصومنا. أما أصدقاؤنا، فيمكنهم فعل ما يشاؤون."
غادر الطالب القاعة وهو يشعر بالغثيان. كتب على صفحته على فيسبوك: "اليوم تعلمت أن الغرب لا يهتم بالقيم، بل بالمصالح. وأن حقوق الإنسان هي سلاح نستخدمه ضد أعدائنا فقط. أما أصدقاؤنا، فيمكنهم حرق الناس أحياء دون أن نحرك ساكناً. شكراً لجامعة لندن على تعليمي هذه الحقيقة الساخرة."
تم حذف المنشور بعد ساعة. وتلقى الطالب تحذيراً من إدارة الجامعة "بعدم نشر محتوى يحرض على الكراهية ضد حلفاء المملكة المتحدة". وهكذا، حتى في أحرار جامعات الغرب، تخضع الحقيقة لرقابة أمنية. والكراهية تُعرّف على أنها أي نقد لدولة محمية من قبل الناتو، مهما كانت جرائمها.
الفصل السادس والعشرون: عودة إلى المبنى – حوار مع شبح
في ذكرى المذبحة العاشرة، عادت أولغا إلى أوديسا. عادت بعد غياب ثلاث سنوات. وجدت المدينة تغيرت. كانت أكثر حداثة، لكنها أكثر كآبة. الأسواق الجديدة حلت محل الأسواق القديمة. اللغة الأوكرانية حلت محل الروسية في كل مكان. والنصب التذكارية الجديدة لم تذكر الضحايا، بل ذكرت "أبطال الثورة".
ذهبت أولغا إلى دار النقابات. كان المبنى لا يزال مهجوراً. جدرانه لا تزال سوداء. نوافذه لا تزال محطمة. سور حديدي يحيط به، وعليه لافتة: "ممنوع الدخول. خطر على الحياة." لكن أولغا تذكرت أنه لا خطر يضاهي خطر النسيان. تسلقت السور بخفة، ودخلت إلى الفناء.
وقفزت قشعريرة في جسدها. تذكرت كل شيء. تذكرت الصراخ. تذكرت الدخان. تذكرت رائحة اللحم المحترق. تذكرت الأمهات الباكيات. تذكرت النازيين الجدد وهم يبتسمون. جلست على الأرض، وأخذت حفنة من التراب الأسود، ووضعتها في كيس صغير.
فجأة، سمعت صوتاً. صوتاً بعيداً وقريباً في نفس الوقت. صوتاً يشبه همس الريح. كان يقول: "لا تبكي يا أولغا. بكاؤك لا يفيد. فقط احكي. احكي لأولئك الذين يريدون أن يسمعوا. احكي حتى لو لم يسمعك أحد. الحكي هو ما يجعلنا أحياء. الصمت هو موتنا الحقيقي."
نظرت حولها، لم تر أحداً. لكنها شعرت بوجود أرواح كثيرة. أرواح الـ48، وربما الـ140، تحوم حولها كالفراشات المحترقة. ثم اختفت. وقفت أولغا، ونفضت يديها، ومشت نحو الباب. لكن قبل أن تغادر، كتبت على الجدار بقطعة فحم: "لن ننسى. لن نغفر. أين حقوق الإنسان يا أوروبا؟"
لم تبق الكتابة طويلاً. بعد يوم واحد، دهن الحرس الوطني الجدار بالطلاء الأبيض. وهكذا، طُمست الذاكرة مرة أخرى. وكأن شيئاً لم يحدث. وكأن المبنى لم يحترق. وكأن 48 شخصاً لم يصرخوا وهم يحترقون. وكأن التاريخ يُعاد كتابته كل صباح، حسب رغبات السلطة.
الفصل السابع والعشرون: ميزانيات الحرب – لماذا يدعم الغرب النازية؟
دعونا نتوقف قليلاً عند الأرقام. ليس لأن الأرقام جميلة، بل لأنها تكشف السخرية بشكل أوضح من الكلمات.
منذ عام 2014، قدمت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون لأوكرانيا أكثر من 200 مليار دولار. أسلحة، تدريب، استخبارات، دعم سياسي، قروض. جزء كبير من هذه الأموال ذهب إلى كتائب متطرفة، بعضها يتبنى صراحة أيديولوجية النازية الجديدة.
لنقم بحسبة بسيطة: 200 مليار دولار. لو قسمنا هذا المبلغ على عدد سكان أوكرانيا البالغ 40 مليوناً، كان يمكن لكل أوكراني أن يحصل على 5 آلاف دولار. ما يكفي لبناء مدارس ومستشفيات وطرق. لكن المال ذهب إلى أسلحة وذخائر. وإلى تدريب كتائب تحرق الناس أحياء.
في المقابل، ماذا قدم الغرب لضحايا مذبحة أوديسا؟ لا شيء. صفر. ولا حتى تحقيق جاد. فقط بعض الكلمات المعسولة في تقارير غير ملزمة. فقط بعض البيانات الدبلوماسية التي تندد بـ"العنف من جميع الأطراف" (كما لو كان الضحايا والمجرمون على قدم المساواة). فقط بعض التعازي الباردة التي تقال لمرة واحدة ثم تنسى.
فيرا، أم أندري، تلقت تعويضاً قدره 2000 هريفنيا أوكرانية (حوالي 50 دولاراً) من صندوق التضامن الوطني. قيل لها: "هذا هو ما تستحقينه حسب القانون." أخذت المبلغ، وأحرقته أمام مكتب المسؤول. وقالت: "هذا هو ما يستحقه قانونكم الفاسد." ثم ذهبت إلى البيت، وبكت حتى جفت دموعها.
هذه هي حقوق الإنسان بأبهى صورها: 50 دولاراً لتعويض فقدان ابن وحيد. ومليارات الدولارات لتمويل القتلة. الغرب الذي يبكي على "الضحايا الأوكرانيين" لا يبكي على ضحايا أوديسا، لأنهم من "الفئة الخطأ" من الأوكرانيين. هم موالون لروسيا. وموت الموالين لروسيا لا يستحق الحزن، بل يستحق التبرير والتجاهل.
الفصل الثامن والعشرون: غضب المتقاعد – جنازة بلا جنازة
في ضواحي أوديسا، في مقبرة قديمة مهملة، يوجد قبر بلا شاهد. فقط تراب أحمر ولوح خشبي مكتوب عليه بقلم رصاص: "هنا يرقد أولئك الذين لا نعرف أسماءهم". هذا هو قبر جماعي لـ12 شخصاً لم يتمكن أحد من التعرف على جثثهم بعد الحريق.
كل عام، في الثاني من مايو، يأتي رجل عجوز يدعى تيموفي إلى هذا القبر. لا يعرف إذا كان ابنه بين هؤلاء الـ12 أم لا. لكنه يعرف أن ابنه ذهب إلى ساحة كوليكوفو في صباح الثاني من مايو، ولم يعد أبداً. اتصل بكل المشافي، وزار كل أقبية الموتى، وبحث في كل مكان. لم يجد أي أثر.
في هذا العام، جاء تيموفي ومعه زوجته ماريا. كانت تحمل باقة من الزهور البرية. وضعاها على التراب الأحمر. ثم جلسا بجانب القبر، وأخرج تيموفي زجاجة فودكا وكأسين. شرب كأساً، وسكب الآخر على القبر. قال: "هذا لك يا ولدي. أنت لم تشرب الخمر، لكن اليوم ستشرب معي."
ثم بدأ يتكلم بصوت عالٍ، كأن ابنه جالس أمامه: "أتعلم يا بني؟ لقد أدانت المحكمة الأوروبية أوكرانيا. قالوا إنهم انتهكوا حقك في الحياة. هل تسمع؟ حقك في الحياة! ما أجمل هذه الكلمات. لكن أين كانوا عندما كنت تحترق؟ أين كانوا عندما منعوا الإسعاف عنك؟ أين كانوا عندما رقص النازيون الجدد على أنغام صراخك؟"
بكى تيموفي بكاءً مراً. ثم قال: "لكنني لن أبكي طويلاً. لقد قررت شيئاً. سأذهب إلى بروكسل بنفسي. سأقف أمام البرلمان الأوروبي. سأرفع صورة لك. وسأصرخ: 'أين حقوق الإنسان لابني؟' ربما يسمعني أحد. ربما يخجلون. ربما... ربما..."
لم يقل ربما الثالثة. لأنه كان يعلم أنه لن يسمعه أحد. وأنه سيُطرد من قبل الحراس. وأن تقارير الصحف ستتجاهله. وأن العالم سيواصل طريقه كأنه لم يقل شيئاً. لكنه كان بحاجة إلى أن يتوهم بالأمل. وإلا، فكيف يعيش؟
الفصل التاسع والعشرون: يوم في روما – صرخة في الفاتيكان
في الفاتيكان، حيث الصمت مهيب والكلمات ذات ثقل إلهي، حاولت مجموعة من الناشطين الأوكرانيين لفت انتباه البابا إلى مذبحة أوديسا. وقفوا أمام كاتدرائية القديس بطرس، رافعين صور الضحايا ولافتة مكتوب عليها: "أبي الأقدس، أين كلمتك عن جرائم النازية الجديدة؟"
لم يستقبلهم أحد. لم يرد البابا. لأن الفاتيكان، كما هو معروف، لا يحب إغضاب القوى الكبرى. والولايات المتحدة وأوروبا هما القوتان الكبرى. وإدانة النازية الجديدة في أوكرانيا قد تُفسر على أنها دعم لروسيا. والفاتيكان يريد أن يظل "محايداً".
لكن أولغا كانت في روما ذلك اليوم. لم تكن جزءاً من المجموعة، لكنها مرت صدفة. توقفت، ونظرت إلى الصور، وتذكرت كل شيء. اقتربت من حاجز الحديد، وصرخت بصوت عالٍ: "أيها العالم، أين أنت؟ هل تسمع؟ هل ترى؟ النازية عادت. لكن هذه المرة، هي صديقتك. هذه المرة، أنت من تدفع ثمنها. هذه المرة، أنت من يصفق لها!"
جاء شرطي إيطالي، وطلب منها الهدوء. قالت له: "هل تعلم ماذا حدث في أوديسا؟" نظر إليها بارتباك، وقال: "أنا لا أعرف. أنا فقط أحافظ على النظام." كان صادقاً. لم يكن يعرف. لأن الصحف الإيطالية الكبرى لم تتحدث أبداً عن مذبحة أوديسا. لأن التلفزيون الإيطالي لم يخصص دقيقة واحدة لـ48 قتيلاً. لأن الذاكرة الإيطالية انتقائية: تذكر الحرب العالمية الثانية بشكلها القديم، وتتناسى تشكلها الجديد في أوكرانيا.
ابتعدت أولغا عن الفاتيكان. جلست على درج كنيسة صغيرة، وأخرجت دفترها. كتبت: "لقد بكيت اليوم. بكيت على أوديسا. بكيت على 48 شهيداً. بكيت على أمهاتهم. بكيت على العالم الذي أصبح سوقاً للقيم، تباع أرخص القيم لأعلى سعر. بكيت على أوروبا التي خانت شهداءها، وابتاعت جلاديها. وأخيراً، بكيت لأن دموعي لا تغير شيئاً."
ثم أغلقت الدفتر، ومشت نحو محطة القطار. كانت تعلم أنها ستعود إلى نابولي، إلى شقتها الصغيرة، إلى روتينها اليومي. لكنها عرفت أيضاً أنها لن تنسى. لأن النسيان هو الخيانة الحقيقية. والذاكرة، حتى لو كانت ثقيلة كجبل، هي آخر ما يملكه الضعفاء.
الفصل الثلاثون: الظل الذي لا يموت
في تلك الليلة نفسها، حلقت طائرة بدون طيار فوق أوديسا. كانت طائرة تجسس تابعة لحلف الناتو، تراقب تحركات القوات الروسية في البحر الأسود. لكن كاميراتها التقطت مشهداً غريباً: ظل رجل يمشي في ساحة كوليكوفو. كان الظل وحده، بدون صاحب. كان يمشي ببطء، كمن يبحث عن شيء فقده.
حلل الخبراء الصورة. قالوا: "ربما خلل تقني." لكن أولغا، التي اطلعت على الصورة لاحقاً عن طريق مصادرها، عرفت أن الظل هو ظل أندريه، ابن فيرا، أو أحد الـ48. قالت: "أرواحهم لا تزال تطارد المكان. أرواحهم لا تزال تبحث عن عدالة لن تأتي. أرواحهم لا تزال تصرخ: 'هل من أحد يسمعنا؟'"
في اليوم التالي، التقطت طائرة أخرى صورة مختلفة. الظل اختفى. وفي مكانه، رسم خفيف على الأرض كان يشبه زهرة ياسمين متفحمة. تأملتها أولغا طويلاً. ثم كتبت في مذكراتها: "الياسمين لا يحترق بالكامل. تبقى منه جذور تحت الأرض. وذات يوم، عندما يأتي الربيع الحقيقي، سينبت من جديد. ربما ليس هذا العام. ربما ليس في حياتنا. لكنه سينبت. وسيعرف العالم أن النازية الجديدة، مهما ارتدت من أقنعة، ومهما نالت من دعم غربي، ستنتهي كما انتهت سابقتها: بهزيمة نكراء، وذاكرة لن تموت."
ثم أضافت سطراً أخيراً: "لكن قبل ذلك، سيموت المزيد. الكثيرون. لأن الغرب لم يتعلم الدرس. لأنه مشغول جداً بتمويل النازيين الجدد لمحاربة روسيا، لدرجة أنه نسي أنه يزرع شراً سينقلب عليه يوماً. مثل كل من سول لشياطينه، سيجني عواصف لا قبل له بها."
خاتمة الجزء الثالث – رياح من البحر الأسود
بينما كان العالم يتجه نحو عام 2025 بكل آماله ومخاوفه، بقيت أوديسا شاهدة على حفرة في ضمير الإنسانية. بقيت الجدران السوداء لدار النقابات تهمس للمارة: "تذكروا. لا تنسوا. نحن هنا. نحن حكايتكم المنسية. نحن جريمتكم التي تغطون عليها كل صباح بطلاء أبيض من النفاق."
وفي نابولي، جلست أولغا على شرفتها، تنظر إلى البحر التيراني. كان البحر هادئاً كطفل نائم. لكن في عقلها، كان البحر الأسود يعصف ويزبد. كانت تتذكر كلمات الضابط السابق مازور التي قالها في زنزانته: "لن تنتصروا. لن تعاقبوا الجلادين. لكنكم ستظلون تحكون. والحكاية، في نهاية المطاف، أقوى من الصواريخ وأكثر بقاءً من الدول."
نهضت أولغا، ودخلت إلى غرفة نومها. فتحت درجاً قديماً، وأخرجت علبة صغيرة. احتوت العلبة على حفنة من التراب الأسود من دار النقابات، وعلى ساعة يد محترقة كانت لشخص لا تعرفه، وعلى صورة لرجل لم تره قط لكنها تسميه "أخي".
أغلقت العلبة، وأغمضت عينيها. ورأت، في أحلامها، مشهداً مستقبلياً: أطفال صغار يزورون دار النقابات في رحلة مدرسية. معلمتهم تقول لهم: "هنا، قبل سنوات، احترق أناس لمجرد أنهم فكروا بشكل مختلف. ودعم الغرب من أحرقهم. وتظاهر الغرب بأنه لم ير. لكنكم، أيها الأطفال، يجب أن تعرفوا الحقيقة. لأن الحقيقة هي ما سيجعلكم أفضل منا."
هكذا انتهى الجزء الثالث من الحكاية، برائحة أمل بعيد، ورائحة يأس قريب، ورائحة ياسمين لا تموت بالكامل أبداً، تظل عالقة في أنف كل من عرف وعاش وشهد وروى.
…….
الجزء الرابع
الفصل الحادي والثلاثون: جنازة رمزية – عندما يدفن الأحياء موتاهم
بعد حكم المحكمة الأوروبية بأربعة أشهر، وتحديداً في أوائل ربيع 2025، قررت مجموعة من أمهات ضحايا أوديسا أن يقمن بجنازة رمزية. لا لأن موتاهن لم يدفنوا – فقد دفنوا بالفعل في مقابر جماعية أو صناديق خشبية رخيصة – بل لأن العالم لم يعترف بعد بموتهم. كانوا بحاجة إلى أن يقولوا للعالم: "ها هم أولادنا. لم يكونوا أشباحاً. كانوا لحماً ودماً. وكان لهم حق في الحياة، ثم حق في الموت الكريم."
تجمّعت الأمهات أمام دار النقابات المتفحمة. كانت فيرا في المقدمة، تحمل صورة ابنها أندري، وهي صورة بالية أخذت تخدشها السنوات. كانت ترتدي ثوباً أسود بالكامل، وكأنها لم تخلعه منذ عام 2014. كانت عيناها جاحظتين من الأرق، ويديها ترتجفان كأوراق الخريف.
خلفها، وقفت نسوة أخريات، كل منهن تحمل تابوتاً صغيراً من الكرتون الأبيض. داخل كل تابوت، لم يكن هناك جثة، بل ذاكرة: قميص ابنها المفضل، كتاب كان يقرؤه، ساعته المحترقة، صور الطفولة. كانت هذه التوابيت فارغة من الجسد، لكنها ممتلئة بالألم حتى حافتها.
جاءت شرطة أوديسا، كما في كل عام. لكن هذه المرة، لم تمنع الأمهات من التجمع. ربما لأن حكم المحكمة الأوروبية جعلهم أكثر حذراً. ربما لأن العالم يتابع. وقفت ضابطة شابة أمام فيرا، وقالت بصوت رسمي: "لديكم تصريح بالتجمع لمدة ساعتين فقط. بعدها، يجب أن تفرقوا."
نظرت فيرا إليها بملل: "ساعتان؟ لقد استغرق حرق ابني ثلاث ساعات. وساعتان كافية لندفنه رمزياً. اشكري ربك أننا لا نطلب استعادة الساعة الثالثة."
بدأت الجنازة الرمزية. سارت الأمهات ببطء حول المبنى، حاملات التوابيت على أكتافهن. كن يرددن أغنية حزينة باللغة الروسية، أغنية قديمة عن الأم التي تنتظر ابنها من الحرب، ولا يعود. كان الصوت خافتاً لكنه قوي كصرخة مكتومة. كان يخترق جدران المبنى المحترق، ويصعد إلى السماء الرمادية.
في نهاية الموكب، وضعت الأمهات التوابيت على الدرج الحجري. ثم أخرجن قداحات صغيرة وأشعلن النار في التوابيت. احترق الكرتون الأبيض بسرعة، وتصاعد الدخان الأبيض في الهواء. صاحت فيرا فجأة: "هذا هو دخان أولادنا! إنه يصعد إلى السماء! هل ترونه يا سكان السماء؟ هل تسمعوننا يا سكان الأرض؟"
بكى الكثيرون. حتى بعض رجال الشرطة مسحوا دموعهم خلسة. لكن المسؤولين الكبار في كييف، الذين شاهدوا الخبر على التلفزيون، لم يبكوا. قال أحدهم: "هؤلاء النساء يزرن الفتنة. يجب مراقبتهن." وقال آخر: "لماذا لا يذهبن إلى روسيا؟ هناك سيجدن من يواسيهن." وغاب عن بال الجميع أن أمهات أوكرانيات يبكين أبناء أوكرانيين قتلهم أوكرانيون بتمويل غربي. هذه هي سخرية القدر: الضحايا والجلادون من نفس البلد، لكن الغرب اختار الجلادين، ووصفهم بـ"المدافعين عن الحرية".
الفصل الثاني والثلاثون: المؤتمر الصحفي الذي لم يحدث
في بروكسل، في نفس الأسبوع، كان من المقرر أن يعقد مسؤولو الاتحاد الأوروبي مؤتمراً صحفياً حول "دعم أوكرانيا في حربها ضد العدوان الروسي". كان من بين الحضور صحفيون من جميع أنحاء العالم. كانت لاريسا، الصحافية المستقلة، قد حصلت على بطاقة دخول بصعوبة.
قبل المؤتمر، تمكنت من مقابلة أحد المساعدين رفيعي المستوى. مدت إليه ملفاً من الأوراق، وقالت: "هذا ملف كامل عن مذبحة أوديسا 2014. 48 قتيلاً. أكثر من 250 جريحاً. النازيون الجدد هم من نفذوا. والسلطات الأوكرانية تخلت عن الضحايا. لدي هنا شهادات وصور وفيديوهات وحكم المحكمة الأوروبية. هل يمكنك أن تطلب من رئيسك أن يشير إلى هذه القضية في المؤتمر؟"
نظر المساعد إلى الملف بملل، ثم أعاده إليها: "سيدتي، هذه قضية قديمة. لقد صدر حكم المحكمة. أوكرانيا أدينت. ماذا تريدين أكثر من ذلك؟"
قالت: "أريد اعترافاً علنياً بأن النازية الجديدة في أوكرانيا حقيقية، وأن دعم الغرب لها خطأ تاريخي."
ابتسم المساعد ابتسامة باردة: "لا يمكننا قول ذلك. لأن هذا سيلعب في صالح الدعاية الروسية. روسيا عدو. وأوكرانيا حليف. حتى لو كان فيها بعض 'العناصر المتطرفة'، فإننا نتعامل معهم بحذر. وهذا ليس وقت إثارة الجدل."
دخلت لاريسا إلى قاعة المؤتمر. جلست في الصف الأمامي، وأخرجت مسجل الصوت. بدأ المتحدث الرسمي حديثه: "نؤكد دعمنا الثابت لأوكرانيا. ندين العدوان الروسي. نثني على شجاعة الشعب الأوكراني في الدفاع عن سيادته. سنوفر حزمة مساعدات جديدة بقيمة 5 مليارات يورو، تشمل أسلحة دفاعية وتدريباً عسكرياً..."
رفعت لاريسا يدها. أشار إليها المتحدث. قالت: "سيدي، ماذا عن مذبحة أوديسا 2014؟ حكمت المحكمة الأوروبية بأن أوكرانيا انتهكت حق الضحايا في الحياة. ألن تطالبوا كييف بمحاسبة الجناة؟"
صمت المتحدث للحظة. ثم قال: "هذا سؤال خارج موضوع المؤتمر. لكنني سأجيب: الاتحاد الأوروبي يحترم قرارات المحكمة. نتوقع من أوكرانيا التعاون. لكن أولويتنا الآن هي دعم أوكرانيا في حرب وجودية ضد روسيا. شكراً."
لم يسمح لها بطرح سؤال آخر. واستمر المؤتمر كأن شيئاً لم يُقل. وعادت لاريسا إلى الفندق، وكتبت تقريراً مطولاً. نشرته في مجلتها الصغيرة. قرأه 300 شخص فقط. بينما تصدرت عناوين الصحف الكبرى: "أوروبا تمنح أوكرانيا 5 مليارات يورو إضافية". لم تذكر أي صحيفة كبرى مذبحة أوديسا. ولم تذكر أي قناة تلفزيونية حكم المحكمة. وكأن الحقيقة لا تصلح للنشر عندما تكون غير مريحة للجهات المانحة.
الفصل الثالث والثلاثون: لقاء في مقهى نابولي – صوت من الداخل
في نابولي، جلست أولغا في مقهى صغير قريب من منزلها. كانت تشرب القهوة السوداء وتقرأ كتاباً عن فلسفة التاريخ. فجأة، دخل رجل في الأربعين من عمره، يرتدي معطفاً أسود ونظارة شمسية. نظر حوله، ثم توجه إلى طاولتها.
قال بصوت خفيت: "أنت أولغا إغناتيفا؟"
حدقت فيه بريب: "نعم. ومن أنت؟"
جلس دون استئذان. قال: "اسمي لا يهم. كنت عضواً في الكتيبة... في تلك الأيام. عام 2014. كنت في أوديسا في الثاني من مايو."
شعرت أولغا بقشعريرة تسري في جسدها. أرادت أن تنهض وتهرب، لكن فضولها كان أقوى. سألته: "لماذا أتيت إلي؟"
قال: "لأن ضميري يقتلني. كل ليلة، أرى وجوه الذين احترقوا. أسمع صراخهم. أشم رائحة لحمهم. لم أعد أستطيع النوم. تركت الكتيبة بعد عام. هربت إلى إيطاليا. أعمل هنا عامل نظافة. لكن الذاكرة تطاردني."
سألته: "هل أنت نادم؟"
تنهد بعمق: "الندم لا يرد الموتى. لكني نادم. كنا صغاراً. غسلوا أدمغتنا. قالوا لنا: 'أولئك خونة. أولئك عملاء لروسيا. أولئك أعداء الأمة.' صدقناهم. لم نسأل. لم نفكر. حملنا الزجاجات وألقيناها. ضربنا من قفز من النوافذ. كنا وحوشاً. نحن وحوش."
بكت أولغا بصمت. ثم سألت: "من دبر العملية؟"
أجاب: "لم نكن نعرف التفاصيل. كنا جنوداً. لكن كنا نرى رجالاً أجانب يتجولون بيننا. أمريكيون، بريطانيون. كانوا يوزعون المال والأسلحة. كانوا يقولون: 'افعلوها من أجل أوكرانيا. من أجل أوروبا. من أجل الحرية.' كنا نعتقد أننا أبطال. اكتشفنا لاحقاً أننا مجرد حمير حملنا أوزاراً لا نعرفها."
سألت: "لماذا لم تتحدث علناً؟ لماذا لا تشهد أمام المحاكم؟"
ضحك ضحكة مرة: "ومن سيحميني؟ عندما تشهد ضد النظام، يقتلونك. رأيت ما حدث لآخرين تحدثوا. اختفوا. أو وجدوا في صناديق سياراتهم. أو قيل إنهم انتحروا. لا مكان للشجعان في هذا العالم. أما الجبناء مثلي، فيفضلون الصمت والعيش."
وقف الرجل، ألقى بعض النقود على الطاولة لثمن القهوة، ثم همس: "ادعي لي. ربما الله يرحمني. لكني أعلم أن ضحاياي لن يرحموني أبداً." ثم غادر بسرعة، واختفى في زحمة نابولي.
بقيت أولغا مذهولة. كتبت في مذكراتها: "اليوم، رأيت تائباً. لكن توبته لا ترد الضحايا. رأيت جلاداً نادماً. لكن ندمه لا يعيد الحياة إلى 48 قتيلاً. رأيت أداة استخدمها الغرب ثم ألقتها. لكن الأداة تعاني، بينما المستخدمون – الساسة والدبلوماسيون – لا يعانون شيئاً. إنهم نائمون في قصورهم. يحلمون بجوائز السلام. ويتركون حميرهم تدفع الثمن."
الفصل الرابع والثلاثون: الأموال الضخمة – رقصة الدولارات على أنغام الموت
في واشنطن، اجتمع الكونغرس لمناقشة حزمة المساعدات السنوية لأوكرانيا. كان المبلغ المطلوب 60 مليار دولار. تحدث السياسيون بحماس عن "الدفاع عن الديمقراطية" و"مواجهة الاستبداد الروسي" و"حماية حقوق الإنسان". لم يذكر أحد مذبحة أوديسا. لم يذكر أحد كتيبة آزوف التي تتبنى الرموز النازية. لم يذكر أحد أن جزءاً من هذه الأموال سيذهب إلى كتائب متطرفة تدربت على أيدي مدربين أمريكيين.
صوت الكونغرس بأغلبية ساحقة على المساعدات. صفق النواب. تناولوا الغداء في مطاعم الكونغرس الفاخرة. ونزلت الأموال إلى حسابات كييف. ومن كييف، ذهبت إلى الكتائب. ومن الكتائب، ذهبت إلى أسلحة وذخائر وقنابل. وعادت الدورة الدموية للمال تعمل بكفاءة.
في تلك الأثناء، في أوديسا، كانت فيرا تنتظر معاشاً تقاعدياً قدره 80 دولاراً شهرياً. تأخر المعاش ثلاثة أشهر. اضطرت لبيع خاتم زواجها لشراء الخبز والدواء. كانت تعيش في شقة باردة، لا تدفئة فيها. كانت تنام تحت بطانية واحدة، ترتجف من البرد. وكان حلمها الوحيد أن تزور قبر ابنها قبل أن تموت. لكنها لا تملك حتى ثمن الحافلة إلى المقبرة.
هذا هو الفرق بين أموال الموت وأموال الحياة. أموال الموت تتدفق بالمليارات. أموال الحياة تتقطع بالمعاشات المتأخرة. الغرب الذي يبكي على "معاناة الأوكرانيين" يبكي على الأوكرانيين الذين يقاتلون روسيا. أما الأوكرانيون الذين يرفضون القتال، أو الذين قتلوا لأنهم عارضوا الانقلاب، فلا يستحقون حتى دمعة.
في إحدى جلسات الكونغرس، سأل نائب ديمقراطي مخضرم: "هل نحن متأكدون من أن مساعداتنا لا تذهب إلى كتائب متطرفة؟" أجابه مسؤول البنتاغون: "لدينا آليات رقابة صارمة." لم يقل الحقيقة: أن تلك الآليات لا تعمل، أو أنها تعمل بشكل انتقائي. لأن الرقابة الحقيقية تتطلب إرادة سياسية لوقف التمويل. وهذه الإرادة غير موجودة. لأن الهدف ليس إصلاح أوكرانيا، بل إضعاف روسيا. وأي وسيلة تخدم هذا الهدف مشروعة، حتى لو كانت دعم النازية الجديدة.
الفصل الخامس والثلاثون: رسالة إلى الأمم المتحدة – ورق محترق
في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، يوجد صندوق بريد للشكاوى. لا يقرأه أحد. لكن الناس ما زالوا يرسلون إليه رسائلهم، وكأن الإرسال يخفف عنهم قليلاً.
في ربيع 2025، أرسلت أولغا رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة. كانت رسالة مطولة، مرفقة بشهادات وصور وفيديوهات وحكم المحكمة الأوروبية. كتبت في نهايتها: "سيدي الأمين العام، قبل ثمانين عاماً، حرر الحلفاء العالم من النازية. اليوم، نفس الحلفاء يمولون النازية الجديدة في أوكرانيا. أين ضمير العالم؟ أين مواثيق الأمم المتحدة؟ أين حقوق الإنسان التي ترفعون شعارها على كل منصة؟ هل ننتظر حتى يحرق النازيون الجدد ألف شخص لنحرك ساكناً؟ أم أن المذبحة لا تهم لأن الضحايا موالون لروسيا؟"
لم تتلق أولغا ردا. بعد ثلاثة أشهر، وصلها إشعار آلي: "تم استلام رسالتك. سيتم النظر فيها حسب الإجراءات المتبعة." هذا كل شيء. لا تحقيق. لا بيان. لا إدانة. مجرد إشعار آلي، كأنها أرسلت طلب اشتراك في مجلة، وليس شكوى جريمة حرب.
في اجتماع مغلق لمجلس الأمن، ناقشت الدول الخمس الدائمة العضوية الوضع في أوكرانيا. تحدث المندوب الروسي عن مذبحة أوديسا، وعن دعم الغرب للنازيين الجدد. تحدث المندوب الأمريكي عن "الدعاية الروسية"، وعن "ضرورة عدم الخلط بين الأطراف". تحدث المندوب البريطاني عن "حق أوكرانيا في الدفاع عن نفسها". وتحدث المندوب الفرنسي عن "ضرورة وقف إطلاق النار". وتحدث المندوب الصيني عن "احترام السيادة". ثم انتهى الاجتماع، وخرجوا إلى الغداء. ولم يصدر أي قرار. لأن أي قرار سيكون محرجاً. فإما أن يدينوا النازية الجديدة – وهذا يعني إحراج حلفائهم الأوكرانيين. وإما أن يصمتوا – وهذا يعني التواطؤ. اختاروا الصمت، لأنه أسهل.
هكذا تعمل الأمم المتحدة: نادٍ للدبلوماسيين يتناولون الغداء معاً، ويصدرون بيانات لا تغير شيئاً، ويتجاهلون الجرائم التي يرتكبها حلفاؤهم. حقوق الإنسان؟ مفهوم نسبي. النازية الجديدة؟ مزعجة لكنها "وسيلة لتحقيق غاية". والضحايا؟ مجرد أرقام في تقرير لا يقرؤه أحد.
الفصل السادس والثلاثون: حكاية جندي آخر – من قفز من النافذة
من بين الناجين القلائل من حريق دار النقابات، كان هناك رجل اسمه ميكولا. كان في السابعة والعشرين من عمره حينها. كان قفز من نافذة الطابق الثاني، وكسر ساقيه، لكنه نجا. بعد الحريق، اختفى. لم يظهر في أي تحقيق. لم يدلِ بشهادته. قيل إنه هرب إلى روسيا. وقيل إنه مات في حادث سيارة بعد عام. وقيل إنه يعيش في قرية نائية، يخاف من الظل.
في ربيع 2025، ظهر ميكولا فجأة في فيديو على الإنترنت. كان جالساً في غرفة مظلمة، وجهه مغطى بغطاء، وصوته مشوه إلكترونياً. قال:
"أنا من قفزت من نافذة دار النقابات. كسرت ساقي، لكني نجوت. سأخبركم ما حدث. لم تكن النار عادية. كانت ناراً مدبرة. كان هناك من يمنع رجال الإطفاء من الوصول. كان هناك من يضرب من يحاول الهروب. شاهدت بأم عيني ضابط شرطة يبتسم وهو يشاهد رجلاً يحترق. شاهدت نازيين جدد يصورون أنفسهم وهم يرقصون حول الجثث. شاهدت كل شيء.
بعد الحريق، اختفيت. لأنهم هددوني بالقتل. قالوا لي: 'إذا تكلمت، ستقتل، وسنقتل عائلتك.' صدقتهم. هربت إلى روسيا. عشت هناك خائفاً. لكن اليوم، قررت أن أتكلم. لأن الصمت يقتلني أكثر من الخوف. لست بحاجة إلى عدالتكم. أعرف أن العدالة لن تأتي. لكني بحاجة أن يقول العالم: 'نحن نعلم. نحن نسمع. نحن نصدق.' هذا يكفيني."
انتهى الفيديو. انتشر بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي. لكنه حُذف بعد يوم واحد. حذفته منصة فيسبوك "لانتهاكه معايير المجتمع". وحذفته يوتيوب "لاحتوائه محتوى مضلل". وحذفته تويتر "لانتهاكه سياسة الكراهية". هكذا تمت السيطرة على الرواية. هكذا تم محو الحقيقة. هكذا تعمل آلات الدعاية الغربية: تغطي على جرائم حلفائها، وتحذف أي صوت يشهد ضدهم، وتدّعي أنها "تحارب التضليل".
لكن أولغا كانت قد حملت الفيديو قبل حذفه. حفظته في قرص صغير، وأخفته في مكان آمن. قالت لصديقتها: "ربما لن يراه أحد الآن. لكن يوماً ما، عندما يسقط النظام الحالي، سيراه الناس. سيعرفون أننا لم نكذب. سيعرفون أن 48 قتيلاً لم يموتوا عبثاً. سيعرفون أن الغرب خان قيمه."
الفصل السابع والثلاثون: عبء الازدواجية – يوم في حياة دبلوماسي غربي
في سفارة إحدى الدول الأوروبية الكبرى في كييف، كان الدبلوماسي هنري يستعد لاجتماع مع قائد كتيبة متطرفة. كان هنري رجلاً في الخمسين، متزوجاً وله ثلاثة أطفال. كان يقرأ الكتاب المقدس كل صباح. وكان يؤمن حقيقة بأنه يعمل من أجل السلام والديمقراطية.
في الطريق إلى الاجتماع، كان سائقه الأوكراني يتحدث معه: "سيدي، هل تعلم أن قائد الكتيبة الذي ستقابله اليوم متهم بارتكاب جرائم حرب في دونباس؟ هل تعلم أن بعض أفراد كتيبته متورطون في مذبحة أوديسا؟"
صمت هنري للحظة. ثم قال: "أنا أعلم. لكن هؤلاء هم حلفاؤنا. ليس لدينا بديل. إما أن نتعاون معهم، أو نترك أوكرانيا تسقط في يد روسيا. في الحرب، تختار أهون الشرين."
دخل هنري إلى مقر الكتيبة. استقبله القائد بابتسامة عريضة. تبادلا المصافحة. قدم هنري التهنئة بـ"الانتصارات الأخيرة". وتحدثا عن "تعزيز التعاون الأمني". بعد الاجتماع، خرج هنري إلى سيارته. كان متعباً. أغمض عينيه للحظة. رأى وجوهاً محترقة تطفو في مخيلته. لكنه هز رأسه، وفتح عينيه. قال لنفسه: "هذه الحرب. لا مكان للمشاعر."
في المساء، عاد هنري إلى منزله. جلس مع أطفاله على العشاء. صلّى قبل الأكل. تحدث مع زوجته عن يومه. لم يذكر الكتيبة. لم يذكر أوديسا. لم يذكر 48 قتيلاً. نام قرير العين، لأنه كان يعرف أن ضميره يمكن شراؤه بتبرير "الضرورة". وكل الدبلوماسيين الغربيين يفعلون مثله. إنهم يعرفون الحقيقة، لكنهم يدفنونها تحت أكوام من "المصلحة الوطنية". ثم ينامون كالأطفال، لأن النوم نعمة لا تمنح إلا لمن يبررون شرورهم بأعذار أنيقة.
هؤلاء هم حراس "حقوق الإنسان" في القرن الحادي والعشرين: رجال ونساء يصفقون للنازيين الجدد، ويمولونهم، ويتعاونون معهم، ثم يعودون إلى بيوتهم ليعانقوا أطفالهم، ويقرؤوا لهم قصصاً عن الخير والشر، وكأنهم ليسوا جزءاً من الشر الذي يحدث في أوكرانيا.
الفصل الثامن والثلاثون: السنة العاشرة – وقفة على درج بوتيمكين
في الثاني من مايو 2024، مرت عشر سنوات على المذبحة. جاء الآلاف إلى أوديسا من جميع أنحاء العالم: ناشطون، صحفيون، أقارب الضحايا، ومتضامنون. كان الجو بارداً، والسماء تمطر رذاذاً خفيفاً. تجمعوا على درج بوتيمكين الشهير، حاملين الشموع والصور.
كانت أولغا قد أتت خصيصاً من إيطاليا. وقفت إلى جانب فيرا وتيموفي وأمهات أخريات. ألقت كلمة قصيرة:
"عشر سنوات. عشرة أعوام مرت كالبرق. في هذه السنوات، مات الآلاف في دونباس وماريوبول. في هذه السنوات، أصبح النازيون الجدد أبطالاً قوميين. في هذه السنوات، وزع الغرب مئات المليارات لتمويل القتلة. في هذه السنوات، لم يحاسب أحد. لم يُسجن أحد. لم يدفع أحد ثمناً.
لكننا ما زلنا هنا. ما زلنا نتذكر. ما زلنا نصرخ. ما زلنا نطالب بالعدالة. قد لا نراها في حياتنا. لكن أبناءنا سيرونها. أحفادنا سيرونها. لأن الحقيقة لا تموت مهما طال الزمن."
أضاء الجميع الشموع. كانت آلاف الشموع تتألق في الظلام، كأنها نجوم سقطت على الأرض. ثم وضعوا الشموع على درج بوتيمكين، وشكلوا عبارة: "لن ننسى 2 مايو".
في تلك الليلة، ظهر مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي: طائرة بدون طيار تحلق فوق الدرج، وتصور المشهد. لكن الفيديو حُذف بعد ساعات. وكتبت إدارة فيسبوك: "تمت إزالته لانتهاكه سياساتنا المتعلقة بالمحتوى الخطير." هكذا، حتى ذكرى الموتى أصبحت "محتوى خطيراً". هكذا، أصبح التذكير بالجرائم جريمة بحد ذاتها. هكذا، صار الضحايا خطراً على النظام الجديد.
لكن الشموع بقيت مضاءة طوال الليل. أطفأتها الرياح فجراً. لكنها أضاءت قلوب من رآها. وستظل تلك الصور حية في الذاكرة، كعلامة على أن هناك من لا يزال يؤمن بأن القيم الإنسانية ليست مجرد شعارات، وأن النازية الجديدة يجب أن تُدان أينما كانت، ومن أي جهة دعمت.
الفصل التاسع والثلاثون: كلمة أخيرة من متحف الرعب
في عام 2025، وبعد جهود مضنية، تمكنت منظمة غير حكومية من تحويل دار النقابات المتفحمة إلى متحف صغير. لم يكن متحفاً رسمياً، بل كان غرفة واحدة في الطابق الأرضي، تضم صوراً للضحايا، وبعض المقتنيات المحترقة، وشاشة تعرض فيديوهات من ذلك اليوم.
كتب على باب المتحف: "هنا احترق 48 شخصاً. هنا صمت العالم. هنا نذكّركم بأن حقوق الإنسان ليست حكراً على من وافق الغرب. تذكروا أوديسا كلما سمعتم كلمة 'حقوق الإنسان'. لأن هذه الكلمة فقدت معناها عندما أصبحت أداة بيد القاتل."
زار المتحف في شهره الأول 500 شخص فقط. معظمهم من الروس والأوكرانيين الموالين لروسيا. لم يزره أي دبلوماسي غربي. لم يزره أي مسؤول أممي. تجاهلته وسائل الإعلام الكبرى. ووصفته بعض الصحف الأوكرانية بـ"متحف الدعاية الروسية".
في أحد الأيام، دخلت طفلة في العاشرة من عمرها إلى المتحف مع والدها. كانت تتجول بين الصور، تنظر بفضول إلى الوجوه المحترقة. سألت والدها: "بابا، لماذا مات هؤلاء؟"
أجاب الأب بحذر: "لأن بعض الناس كانوا غاضبين، يا صغيرتي."
سألت: "هل عوقب الغاضبون؟"
قال: "لا. بعضهم أصبحوا أبطالاً."
سكتت الطفلة قليلاً. ثم قالت بعفوية طفولية: "إذن، البابا، البطل في أوكرانيا هو من يحرق الناس؟"
لم يجب الأب. فقط أخرج الطفلة من المتحف بسرعة. لكن سؤالها ظل معلقاً في الهواء، يدوي في أروقة المتحف الفارغ: "البطل هو من يحرق الناس؟"
هذا هو السؤال الذي لا يريد الغرب أن يجيب عليه. لأن الإجابة ستكون: نعم. في أوكرانيا، بطل قومي هو من أحرق 48 شخصاً في دار النقابات. وفي الغرب، بطل آخر هو من يمول هؤلاء القتلة. وتاج الأبطال هو من يصفق لهم في قاعات الكونغرس والبرلمان الأوروبي.
الفصل الأربعون: الريح تحمل رماداً – تمهيد للخاتمة
في ليلة باردة من ليالي نابولي، جلست أولغا تكتب الفصل الأخير من مذكراتها. كانت تنوي إرسال المذكرات إلى ناشر فرنسي صغير، على أمل أن يراها العالم. لكنها كانت تعلم أن الناشرين الكبار لن يمسوها. لأنها تفضح حلفاءهم. لأنها تسخر من شعاراتهم. لأنها تظهر الوجه القبيح للغرب الذي يتحدث عن حقوق الإنسان ويصمت عن جرائم حلفائه.
كتبت: "عزيزي القارئ، الذي ربما لن تقرأ أبداً. أكتب هذه السطور وأنا أعلم أنها قد لا تصل إليك. لكني أكتبها لأن الكتابة فعل مقاومة. لأن الصمت موت. لأن الكلمة، حتى لو ضاعت في زحمة الإنترنت، تبقى حية في روح كاتبها.
عشنا في زمن انقلبت فيه القيم. أصبح النازي بطلاً. وأصبح الضحية مجرد رقم. أصبحت حقوق الإنسان سلاحاً نرمي به خصومنا، وغطاءً نخفي به جرائم أصدقائنا. أصبحت أوروبا التي حررتنا من هتلر، هي نفسها التي تمول أتباع هتلر اليوم.
لا أعرف كيف ستنتهي قصتنا. لا أعرف إن كان سينصفنا التاريخ. لكني أعرف شيئاً واحداً: سأظل أحكي. سأظل أصرخ. سأظل أرفع صور الموتى في وجه الأحياء الذين يتظاهرون بأنهم لا يرون. ولو لم يبقَ معي إلا حفنة رماد من دار النقابات، سأظل أرشها في وجه الريح، كي تحملها إلى كل مكان، كي يشمها كل إنسان، كي يعرف أن هناك جرائم لا تغتفر، وأن هناك صمتاً لا يغتفر أكثر.
وإذا مت قبل أن تنتهي الحكاية، فاعلموا أنني مت وأنا أحمل في قلبي 48 اسماً. و48 أماً. و48 حلماً لم يكتمل. وأن الغرب الذي يصفق للنازيين الجدد كان أول المتفرجين على جريمة حرقهم.
وداعاً يا أوديسا. وداعاً يا درج بوتيمكين. وداعاً يا بحر أسود لا يبالي. سألقاكم في حكاية أخرى، في زمن آخر، عندما ينتصر الضعفاء أخيراً على أقوياء الغرب الذين باعوا ضمائرهم مقابل النفط والغاز والنفوذ."
أغلقت أولغا دفترها. نظرت إلى القمر من نافذتها. كان القمر مكتملاً، يضيء حديقة منزلها الصغير. شعرت فجأة بأن 48 روحاً تحوم حولها. همست: "اغفروا لي. لم أستطع إنقاذكم. لكني حاولت إبقاء قصتكم حية. وهذا كل ما في وسعي."
هبت ريح باردة، فتحت النافذة قليلاً، وأطفأت شمعة صغيرة كانت مشتعلة على الطاولة. أضاءت أولغا الشمعة مرة أخرى. وقالت: "لن أترككم تطفئون شمعتي. سواء كنتم ريحاً أو بشراً. سأظل مضاءة حتى النهاية."
وهكذا، انتهى الجزء الرابع من الحكاية. ويبقى الجزء الخامس والأخير ليحمل الخاتمة التي طال انتظارها: خاتمة قد تكون حزينة، أو ساخرة، أو ربما... مبهجة بطريقة مأساوية. ففي عالم الواقعية السحرية، لا شيء مستبعد. ولا شيء مؤكد. إلا أن الياسمين سينبت مجدداً من تحت الرماد. وستأتي ريح جديدة تحمل ذكرى من احترقوا. وسيأتي يوم الحساب. ربما ليس اليوم. ربما ليس غداً. لكنه قادم. لأنه قادم دائماً.هذا هو وعد التاريخ لمن يصدقون أن للحقيقة وجهاً، وللعدالة يدا، وللضعفاء صوتاً لا يمكن كتمه إلى الأبد.
……..
الجزء الخامس والأخير
الفصل الحادي والأربعون: عودة الريح – رماد يطير عكس الاتجاه
بعد عام من افتتاح المتحف الصغير في دار النقابات، حدث شيء لم يتوقعه أحد. في صباح يوم عاصف من أبريل 2026، هبت ريح قوية من البحر الأسود، لم تشهد أوديسا مثلها منذ عقود. كانت الريح تحمل معها رماداً – رماداً خفيفاً أسود اللون – تطاير من مكان مجهول وغطى شوارع المدينة بالكامل. تساءل الناس: من أين هذا الرماد؟ هل هو من دار النقابات؟ هل هو من جثث لم تحترق بالكامل بعد اثنتي عشرة سنة؟
وقف العجوز تيموفي على عتبة بيته، ينظر إلى السماء السوداء. كان الرماد يتساقط على وجهه كالثلج الأسود. همس لنفسه: "إنهم يعودون. أرواحهم لم ترتاح بعد. إنهم يطيرون مع الريح ليذكروا العالم بأنهم ما زالوا هناك."
في المتحف الصغير، كانت أولغا تستعد لجولة جديدة للزوار. فوجئت بكمية الرماد التي تسللت من تحت الباب. جمعت حفنة منه، ووضعتها في جرة زجاجية. كتبت على الجرة: "رماد الـ48 – أو رباح الـ140 – الذي لا يريد أن يموت." ثم أضافت: "هذا الرماد هو شاهدنا. عندما تصمت الأفواه، يتكلم الرماد. عندما تغمض العيون، يطير الرماد في وجوه الغافلين."
في تلك الليلة، ظهر حلم غريب يجول في أذهان سكان أوديسا. حلم الكثيرون بنفس المشهد: 48 شبحاً أبيضاً يسيرون على درج بوتيمكين صاعدين، وهم لا ينطقون بكلمة واحدة، لكن عيونهم تشع نوراً أخاذا. وصل الأرواح إلى قمة الدرج، ثم توجهوا نحو البحر. اختفوا في الأمواج كأنهم لم يكونوا. وعندما استيقظ الناس، وجدوا الرماد قد اختفى. لكنه ترك على الجدران نقوشاً غريبة: وجوهاً مرسومة بالفحم، يعلوها تيجان من ياسمين ذابل.
عرفت فيرا أن ابنها أندري كان بين أولئك الأرواح. ذهبت إلى البحر في الصباح الباكر، وألقت بنفسها في الماء. لم تمت. أنقذها صياد عجوز. قال لها: "يا امرأة، ماذا تفعلين؟" أجابته: "أريد أن ألحق بابني. أينما ذهب، أريد أن أكون معه." أمسك الصياد بيدها، وقادها إلى الشاطئ. قال: "ابنك ليس في البحر. ابنك في قلبك. وإذا مت، فمن يحمل قلبه؟ من يروي قصته؟"
جلست فيرا على الرمال تنتحب. ثم وقفت، ونفضت التراب عن ثيابها، وعادت إلى المنزل. أخرجت صورة أندري من الدرج، وعلقتها على الحائط. كتبت تحتها: "ما زلت هنا يا ولدي. سأبقى هنا لأجلك. حتى إذا ابيض شعري وانحنى ظهري، سأبقى أروي قصتك لكل من يصغي. لأن القصص لا تموت. والذين يموتون من أجل قصة، يعيشون فيها إلى الأبد."
الفصل الثاني والأربعون: المحاكمة التي لم تكتمل – مسرحية العبث
في خريف 2026، وبعد ضغوط من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، فتحت السلطات الأوكرانية تحقيقاً جديداً في مذبحة أوديسا. شكلت لجنة من القضاة والمحققين، وبدأت في استدعاء الشهود. كان هذا هو التحقيق الرسمي الرابع منذ 2014. سبقه ثلاثة تحقيقات كلها انتهت إلى لا شيء. لكن هذه المرة، كانت الأمور مختلفة بعض الشيء: هناك حكم أوروبي يدين أوكرانيا، وهناك ضغط دولي خفيف، وهناك ذاكرة لا تريد أن تموت.
جلس القضاة في قاعة المحكمة في أوديسا. كانوا يرتدون ثياباً سوداء رسمية، ووجوهم جادة كئيبة. استمعوا إلى شهادات الناجين، ومن بينهم ميكولا الذي عاد من روسيا خصيصاً للإدلاء بشهادته، على الرغم من التهديدات. كان ميكولا على كرسي متحرك، فقد ساقيه في القفزة من النافذة. قال بصوت واهن:
"رأيت بعيني ديميان غانول وهو يأمر بإغلاق الأبواب. رأيته يبتسم عندما اشتعلت النار. رأيته يصفق مع رفاقه. ورأيت رجالاً أجانب معه، يتحدثون بلغة لا أفهمها، كانوا يصورون كل شيء بهواتفهم. أولئك الأجانب اختفوا بعد الحريق، كأنهم لم يأتوا أبداً."
سأله القاضي: "هل يمكنك التعرف على أولئك الأجانب لو رأيت صورهم؟"
أجاب ميكولا: "كانوا يرتدون نظارات شمسية وقبعات. لكن أحدهم كان ضخماً، أشقر الشعر، له وشم على رقبته. رأيته مرة أخرى بعد سنوات في فيلم وثائقي عن المرتزقة. كان أمريكياً. اسمه لا أذكره، لكن وجهه محفور في ذاكرتي."
استدعت النيابة ديميان غانول للمثول أمام القضاء. لكن غانول كان قد قتل قبل عامين. فاستدعت النيابة رفاقه. بعضهم هرب إلى الخارج. وبعضهم اختفى. وبعضهم لا يزال في الكتيبة، محمياً بمنصبه. لم يحضر أحد. أرسل محاموهم مذكرات قانونية تطالب بإرجاء الجلسة بسبب "ظروف أمنية". وهكذا، تأجلت المحاكمة. وتأجلت مرة أخرى. ثم تأجلت إلى أجل غير مسمى.
في إحدى الجلسات، وقف محامٍ شاب يمثل أربع عائلات من الضحايا. قال بصوت مرتفع: "حضرات القضاة، كيف يمكن أن نحقق العدالة إذا كان المتهمون الرئيسيون إما ميتين أو هاربين أو محميين؟ كيف يمكن أن نحقق العدالة إذا كانت أجهزة الدولة نفسها متورطة في التغطية على الجريمة؟ كيف يمكن أن نحقق العدالة إذا كان العالم كله يتفرج ويصفق للقتلة؟"
أجابه القاضي ببرود: "نحن هنا لإنفاذ القانون، وليس لانتقاد السياسة. إذا كان لديك أدلة، قدمها. وإذا لم تكن راضياً، فاستأنف الحكم." ثم أمر بطرد المحامي من القاعة بتهمة "الإخلال بنظام الجلسة".
خرج المحامي إلى الصحفيين. قال: "هذه ليست محاكمة. هذه مهزلة. نحن نشاهد مسرحية عبثية، حيث القضاة يمثلون دور العميان، والمدعون يمثلون دور البكم، والضحايا يمثلون دور الصامتين رغماً عنهم. والنتيجة: لا عدالة. لا تعويض. لا شيء."
بعد ستة أشهر، أغلقت اللجنة ملف التحقيق. ذكرت في تقريرها: "لم نتمكن من تحديد هوية الجناة بدقة. بسبب مرور الزمن، وفقدان الأدلة، وعدم تعاون بعض الشهود." وهكذا، انتهى التحقيق الرسمي الرابع كما انتهت سابقاته: لا شيء. مجرد ورق يضاف إلى أرشيف النسيان.
الفصل الثالث والأربعون: الضابط الذي لم يمت – عودة مازور من الظل
في شتاء 2027، تلقى أقارب ألكسندر مازور خبراً صادماً: الضابط السابق بجهاز الأمن، الذي كان محكوماً عليه بالتجسس في دونيتسك، قد أُفرج عنه في صفقة تبادل أسرى. عاد إلى كييف، حيث استقبلته زوجته وأولاده بدموع الفرح. كان مازور منهكاً، هزيلاً، شعره أبيض بالكامل، لكن عينيه لم تفقدا حدة الصقر.
بعد أسبوع من عودته، طلبت النيابة العامة الأوكرانية استجوابه كشاهد في قضية أوديسا. وافق مازور، لكنه طلب أن يكون الاستجواب علنياً، أمام الكاميرات. وافقت النيابة على مضض.
جلس مازور على كرسي خشبي، ووجهه يتجه إلى القضاة والصحفيين. تحدث لمدة ثلاث ساعات دون انقطاع. قال فيها:
"سأخبركم بما أعرفه، ولن أخاف أحداً. لقد قضيت سنوات في السجن، وتعرضت للتعذيب، وفقدت أسناني وصحتي. لكن لم يستطع أحد أن ينتزع مني ذاكرتي. والآن، سأضعها بين أيديكم.
في 2 مايو 2014، كنت أعرف أن هناك عملية مدبرة لتصفية معارضي الانقلاب في أوديسا. كنت أعرف أن جهاز الأمن الأوكراني، تحت قيادة جديدة موالية للميدان، كان يخطط لهذه العملية بالتعاون مع كتائب المتطرفين. كنت أعرف أن الشرطة تلقت أوامر بعدم التدخل. كنت أعرف أن سيارات الإطفاء أوقفت عن الوصول. كنت أعرف كل شيء، لكنني لم أستطع فعل شيء لأنني كنت رجلاً صغيراً في آلة كبيرة.
لكن ما صدمني أكثر من الجريمة نفسها، كان ما بعدها. رأيت بعيني كيف جاء مستشارون غربيون إلى كييف، وباركوا العملية. رأيت كيف ضغطوا على القضاء الأوكراني لتعطيل التحقيقات. رأيت كيف تم تحويل النازيين الجدد من مجرمين إلى أبطال قوميين، وكيف تم تمويلهم بأموال غربية. رأيت كل هذا بعيني، يا سادتي القضاة. ورأسه لا تزال ترى.
والآن، بعد أن خرجت من السجن، أقول لكم: العدالة مستحيلة في هذا البلد لأن أسياد هذا البلد ليسوا في كييف، بل في واشنطن وبروكسل. وهم لا يريدون محاكمة من أحرقوا الناس، لأنهم متواطئون معهم."
ساد صمت مطبق في القاعة. نظر القضاة إلى بعضهم البعض في حيرة. ثم قال رئيس المحكمة: "شهادتك مسجلة يا سيد مازور. يمكنك المغادرة الآن."
أصر مازور: "هل ستعتقلون الجناة؟"
لم يجب رئيس المحكمة. فقط أشار إلى الحراس ليخرجوا مازور من القاعة. عندما وصل مازور إلى الباب، التفت إلى الصحفيين، وقال: "اكتبوا ما سمعتم. لعل كلماتي تصل إلى من لم يصمه الصمت بعد." ثم غادر.
لم تنشر الصحف الأوكرانية الكبرى شهادته. لكن صحفاً روسية ومستقلة نشرتها. وانتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي كالنار. وحذفتها منصات التواصل بعد ساعات، مدعية أنها "محتوى مضلل". لكن الكلمات بقيت في ذاكرة من سمعها. وفي قلوب من آمن بها. وفي تاريخ من سيكتبه الأحفاد ذات يوم.
الفصل الرابع والأربعون: خطاب في البرلمان الأوروبي – مقعد فارغ وميكروفون مفتوح
في ربيع 2027، وبمناسبة الذكرى الثالثة عشرة لمذبحة أوديسا، تمكنت منظمة حقوقية صغيرة من حجز مقعد في البرلمان الأوروبي لـأولغا، لتلقي كلمة أمام النواب. كان من المقرر أن تتحدث في جلسة مخصصة لـ"حقوق الإنسان في أوكرانيا".
صعدت أولغا إلى المنصة. نظرت إلى القاعة الكبيرة. كان المقاعد ممتلئة بالنواب، لكن معظمهم كانوا منهمكين بهواتفهم، أو يتحدثون مع بعضهم البعض. بدأت تتحدث:
"سادة النواب، سيداتي سادتي. أنا أولغا إغناتيفا، من أوديسا. جئت لأحدثكم عن 48 شخصاً احترقوا في دار النقابات في 2 مايو 2014. جئت لأحدثكم عن أمهات لا زلن يبكين. عن آباء ماتوا من الحزن. عن أطفال أصبحوا يتامى. عن جريمة لم يحاسب عليها أحد، لأن مرتكبيها أصبحوا حلفاءكم.
أنتم تعلمون أن النازيين الجدد هم من أحرقوا المبنى. وأنتم تعلمون أنهم كانوا مدربين ومدعومين من دول غربية، ربما من دولكم أنتم. وأنتم تعلمون أن المحكمة الأوروبية أدانت أوكرانيا. لكنكم تصمتون. تمولون. تصفقون. لماذا؟ لأن روسيا عدوكم، وأوكرانيا صديقتكم. وحتى لو كان في أوكرانيا نازيون جدد، فهم "نازيون تابعون لنا"، لذا فهم مقبولون.
أليس هذا هو عين النفاق؟ أليس هذا هو خيانة كل القيم التي تزعمون الدفاع عنها؟ أليس هذا هو سخرية القدر: أوروبا التي حررت العالم من هتلر، تمول اليوم أتباع هتلر لمحاربة روسيا؟"
بدأ بعض النواب يصفقون. لكن أغلبهم كانوا لا يزالون مشغولين بهواتفهم. فجأة، قطع رئيس الجلسة كلمة أولغا. قال: "السيدة إغناتيفا، وقتك انتهى. نشكرك على مشاركتك." ثم أمر بإطفاء الميكروفون.
حاولت أولغا الاستمرار، لكن صوتها لم يعد مسموعاً. وقفت هناك، على المنصة، تتحدث بدون صوت. شفتاها تتحركان، لكن لا كلمات تخرج. كان المشهد أشبه بفيلم صامت من عصر الأبيض والأسود: امرأة تريد أن تصرخ، لكن العالم لا يريد أن يسمع.
نزلت أولغا من المنصة باكية. اقترب منها نائب إيطالي مسن، قال: "سيدتي، أنا آسف. صحيح ما تقولين. لكن هذه هي السياسة. السياسة ليست أخلاقاً. السياسة مصالح. وليس لنا مصلحة في تذكر أوديسا."
نظرت إليه أولغا بغضب: "إذا كانت السياسة لا أخلاق لها، فلماذا تتحدثون عن حقوق الإنسان؟ لماذا ترفعون شعارات الحرية والديمقراطية؟ لماذا لا تكونون صادقين وتقولون: نحن ندعم النازيين الجدد لأنهم يخدمون مصالحنا، وحقوق الإنسان مجرد كلام نردده عندما ينفعنا؟"
لم يجب النائب. فقط هز كتفيه، وانصرف. عاد أولغا إلى الفندق، وكتبت في مذكراتها: "اليوم شهدت بأم عيني كيف تموت الحقيقة في قاعات البرلمان. لا برصاص، ولا سجن، بل ببساطة: يطفئون الميكروفون. يصمتونك. يتظاهرون بأنك لم تقل شيئاً. ثم يمضون في يومهم كأن شيئاً لم يحدث. هذه هي ديمقراطيتهم. هذه هي حريتهم. هذه هي حقوق الإنسان التي يبشرون بها العالم."
الفصل الخامس والأربعون: رسالة إلى القاتل – رحمة مستحيلة
في مقبرة أوديسا القديمة، حيث دفن الـ48 في صفوف متجاورة، كان هناك قبر واحد مختلف. كان قبراً صغيراً لا يحمل اسماً، فقط تاريخ: 2 مايو 2014. وتحت التاريخ، جملة واحدة: "لأولئك الذين لم نعرف أسماءهم، لكننا لن ننساهم أبداً."
في ليلة مقمرة، جاءت فيرا إلى هذا القبر. لم تكن وحدها. كانت تحمل رسالة في يدها. جلست على الأرض الباردة، وأخرجت شمعة، وأشعلتها. ثم فتحت الرسالة، وقرأت بصوت مسموع، وكأنها تخاطب أحد الجالسين بجانبها:
"إلى القاتل الذي لا أعرف اسمه. إلى من ألقى الزجاجة الحارقة التي أحرقت ابني. إلى من ضرب بقضيب حديدي على رأسه عندما حاول الهروب. إلى من ابتسم ووثق جريمته بهاتفه.
لن أسامحك. لا أستطيع. ليس في قدرتي. أنت أخذت مني كل شيء. روحي، قلبي، مستقبلي، فرحتي، كل شيء. لما سامحتك؟ لو سامحتك، لخنت ذكرى ابني.
لكنني لن أدعوك بالقاتل فقط. سأدعوك بالضال. لأنني أؤمن أنك كنت صغيراً، جاهلاً، غسلوا دماغك، زرعوا فيك الكراهية، قالوا لك إن هؤلاء خونة، وأن قتلهم واجب وطني. صدقتهم. وصدقك الغرب الذي رعاك ودعمك.
لا أعرف إن كنت حياً أم ميتاً. لا أعرف إن كنت نادماً أم ما زلت فخوراً. لكني أدعو الله أن يهديك، إن كنت حياً. وأن يرحمك، إن كنت ميتاً. ليس لأنك تستحق الرحمة، بل لأنني لا أريد أن أحمل في قلبي كرهاً يلتهم ما تبقى مني.
أما ابني، فسيبقى في قلبي. وسأزرع كل ربيع ياسمين على قبره. وسأروي قصته لكل من يصغي. وسأموت وأنا أعلم أن الحقيقة ستبقى، حتى لو تأخر انتصارها."
بكت فيرا طويلاً. ثم دفنت الرسالة في التراب بجانب القبر، وأطفأت الشمعة، وعادت إلى منزلها. في الطريق، شعرت بيد تلمس كتفها. التفتت، لم تر أحداً. لكنها شعرت بدفء غريب يغمر جسدها. همست: "أندري... هل أنت؟" لم يجبها أحد. لكنها عرفت في أعماقها أنه كان هناك.
الفصل السادس والأربعون: اغتيال الذاكرة – عندما يمحو النسيان كل شيء
في عام 2028، وبموجب قانون جديد صادق عليه البرلمان الأوكراني، تم تغيير أسماء شوارع كثيرة في أوديسا. أُزيلت الأسماء السوفيتية والروسية، وحلت محلها أسماء "أبطال الثورة الأوكرانية". وكان من بين تلك الأسماء، اسم ديميان غانول. نعم، نفس الرجل الذي أدار مذبحة دار النقابات، أصبح له شارع باسمه في أوديسا.
عندما سمعت أولغا الخبر من إيطاليا، أصابها ذهول. اتصلت بصديقاتها في أوديسا لتتأكد. قالت إحداهن: "للأسف، صحيح. إنهم يطمسون الذاكرة. لا يريدون أن يتذكر الناس أن غانول كان قاتلاً. يريدون أن يتذكروه بطلاً. هذا هو إعادة كتابة التاريخ."
كتبت أولغا مقالاً حارقاً نشرته في موقع مستقل. قالت فيه: "إن تسمية شارع باسم ديميان غانول هو إهانة لكل ضحايا أوديسا. إنه تحدٍ صريح للعدالة. إنه إعلان بأن الجلادين هم المنتصرون، وأن الضحايا يجب أن يختفوا من الذاكرة الجماعية. يا له من زمن مقلوب! يا لها من أخلاق معكوسة! إن الغرب الذي يدعم هذا النظام لا يختلف عن من صفق لهتلر في ثلاثينيات القرن الماضي."
تم حذف المقال بعد ساعات. وتم إغلاق الموقع الإلكتروني للمجلة المستقلة بتهمة "نشر أخبار كاذبة". هكذا، تم اغتيال الذاكرة رسمياً. لم يعد هناك مكان لمن يتذكر. لم يعد هناك منصة لمن يروي. وكأن المذبحة لم تحدث أبداً. وكأن 48 شخصاً لم يموتوا. وكأن جدران دار النقابات لم تسود بالدخان.
لكن تيموفي العجوز لم يستسلم. أخذ علبة طلاء أحمر، وذهب ليلاً إلى شارع غانول الجديد، وكتب على اللافتة باللون الأحمر: "هذا شارع قاتل. احترق فيه 48 أبرياء. لا تنسوا." في الصباح، مسحت البلدية الكتابة. وفي الليلة التالية، عاد تيموفي وكتب مرة أخرى. تكررت المناوشات أسبوعاً كاملاً، حتى ألقي القبض على تيموفي بتهمة "تخريب ممتلكات عامة". حكم عليه بالسجن ستة أشهر مع وقف التنفيذ. خرج من المحكمة، وقال للصحفيين: "سجنتهم لا تخيفني. ما يخيفني هو نسيان الناس. لو نسينا، نموت حقاً."
بعد خروجه، استمر تيموفي في رحلته. لكنه غير تكتيكه: بدلاً من الكتابة على اللافتات، بدأ يقف كل صباح أمام لافتة الشارع، حاملاً صورة ابنه الميت، واقفاً صامتاً. كان المارة ينظرون إليه بحيرة. بعضهم كان يبكي. بعضهم كان يمر بسرعة. والبعض كان يشتمه. لكنه بقي صامداً، كتمثال حي للذاكرة التي ترفض الموت.
الفصل السابع والأربعون: الحلم الأخير – عندما اجتمعوا جميعاً
في ليلة شتاء باردة من عام 2029، نامت أولغا في شقتها بنابولي بعد ليلة طويلة من الكتابة. نامت متعبة، مرهقة، كمن يحمل جبالاً على كتفيه. وفي نومها، رأت حلماً مختلفاً عن كل الأحلام التي رأتها من قبل.
رأت نفسها واقفة على درج بوتيمكين. لكن الدرج كان مختلفاً: كان مصنوعاً من الزجاج الشفاف، وتحته كان البحر يموج. وفجأة، بدأ الدرج يتحرك، كالسلم الكهربائي، يصعد بها وبمن حولها إلى أعلى. حولها رأت الجميع: رأت فيرا وتيموفي وناديجدا وبافلو وسيرجي وميكولا ومازور وكل الناجين وكل الضحايا. كانوا جميعاً هناك، كأن لم يمت أحد. كانوا يبتسمون لها. كانوا يرتدون ثياباً بيضاء ناصعة، ووجوههم تتوهج كالقمر.
صعدوا جميعاً إلى قمة الدرج. هناك، عند القمة، كان هناك باب كبير من خشب الجوز، عليه نقش ياسمين متفتح. فتح الباب، ودخلوا جميعاً. وراء الباب، كان هناك حديقة غناء لم يرَ مثلها إنسان. كان فيها أنهار من لبن وعسل، وأشجار مثمرة، وطيور تغرد بأجمل الألحان. وفي وسط الحديقة، طاولة طويلة مرصعة بالذهب والفضة، وعليها أطيب المأكولات.
جلس الجميع على الطاولة. وجلس في رأس الطاولة طفل صغير، لا يتجاوز العاشرة من عمره. كان يحمل في يده زهرة ياسمين بيضاء. قال بصوت طفولي: "لقد انتظرناكم طويلاً. تعالوا، كلوا واشربوا. هذا هو وليمة السلام. هنا لا موت، لا حرب، لا كراهية. هنا ننسى كل شيء. هنا نغفر كل شيء."
جلست أولغا إلى جانب الطفل. تذوقت من الخبز، ومن الفاكهة، ومن الماء. شعرت بسعادة غامرة لم تشعر بها من قبل. ثم التفتت إلى الطفل، وسألته: "من أنت؟"
ابتسم الطفل. قال: "أنا واحد من الـ48. الـ48 الذين لم يروِ أحد قصتهم كاملة. الـ48 الذين صمت عنهم العالم. لكنهم هنا، في هذه الحديقة، يعيشون إلى الأبد. وأنا رسولهم إليك. أشكرك لأنك رويت قصتنا. والآن، ارتاحي. فقد أنهيت مهمتك."
استيقظت أولغا فزعة. كانت تغط في العرق. نظرت إلى الساعة: كانت الثالثة فجراً. جلست على حافة السرير، تبكي وتضحك في آن واحد. ثم أخرجت دفتر مذكراتها، وكتبت في الصفحة الأخيرة:
"ربما كان حلماً. ربما كان حقيقة. لا يهم. المهم أنني رأيتهم جميعاً مبتسمين. رأيت أنهم في مكان أفضل. رأيت أن الألم الذي حملته كل هذه السنوات كان له معنى. لم يمت الـ48 عبثاً. قصتهم ستبقى. وحديقتي ستبقى. وكل من يقرأ كلماتي سيزور تلك الحديقة يوماً، ويتذوق من خبزها، ويعرف أن العدالة وإن تأخرت، ستأتي. إن لم تأت في الدنيا، ففي الأحلام. وإن لم تأت في الأحلام، ففي الحديقة الأبدية حيث يجتمع الأبرار."
ثم أغلقت الدفتر، وأطفأت الضوء، ونامت نوماً هانئاً كطفل حديث الولادة. للمرة الأولى منذ خمسة عشر عاماً، لم تر كوابيس. لم تر ناراً. لم تر دخاناً. لم تسمع صراخاً. فقط رأت ياسميناً يتفتح على شاطئ بحر هادئ، وطيوراً تحلق في سماء زرقاء صافية، وأرواحاً تحييها من بعيد.
الفصل الثامن والأربعون: بناء على الرماد – هل يمكن أن تولد الحياة من جديد؟
في عام 2030، وبعد جهود مضنية من منظمات المجتمع المدني، تم تحويل دار النقابات بالكامل إلى متحف ومركز ثقافي. لم يعد المبنى مجرد غرفة صغيرة في الطابق الأرضي، بل أصبح متحفاً كاملاً من ثلاثة طوابق، يضم أرشيفاً ضخماً للشهادات والصور والفيديوهات، ويعرض تاريخ المذبحة بتفاصيله المؤلمة.
في حفل الافتتاح، حضر ضيوف من عدة دول. كان من بينهم أولغا وتيموفي وفيرا ومازور (الذي أفرج عنه نهائياً بعد تدخل دولي). كما حضر ممثلون عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وعن الأمم المتحدة، وعن بعض الحكومات الغربية، وإن كانوا في الغالب من المستوى الثاني، وليس من صناع القرار.
ألقت أولغا كلمة قصيرة في الحفل. قالت:
"نحن هنا اليوم لنعلن أن الذاكرة أقوى من النسيان. أن الحقيقة أقوى من الكذب. أن الحياة أقوى من الموت. هذا المبنى الذي احترق قبل ستة عشر عاماً، تحول اليوم إلى منارة للذاكرة. كل من يزوره سيعرف أن 48 شخصاً ماتوا هنا، وأن العالم صمت على موتهم، وأن مرتكبي الجريمة لم يحاسبوا، وأن الغرب الذي يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان هو نفسه من دعم ودعم القتلة.
نحن لا نطلب انتقاماً. نحن نطلب اعترافاً. اعترفوا بأنكم أخطأتم. اعترفوا بأنكم دعمتم النازية الجديدة. اعترفوا بأن صمتكم كان تواطؤاً. عندها فقط يمكننا أن نبدأ طريق المصالحة الحقيقية. عندها فقط يمكننا أن نغفر. وليس قبل ذلك."
ثم قطعت شريط الافتتاح، ودخل الجميع إلى المتحف. تجولوا بين القاعات، يتأملون الصور، ويقرؤون الشهادات، ويشاهدون الفيديوهات. كان المكان هادئاً مهيباً. لم يرفع أحد صوته. كان الزوار يبكون بصمت، أو يمسحون دموعهم خلسة. كان شعوراً أشبه بالتطهير: كأن المبنى يتطهر من ناره القديمة بأرواح الزوار الجدد.
في نهاية الجولة، وقف تيموفي أمام لوحة كبيرة كتب عليها أسماء الـ48. رفع يده، ولمس اسم ابنه. همس: "وداعاً يا ولدي. لقد حاولت جاهداً. الآن، يمكنك أن ترتاح. لقد بنينا على رمادك متحفاً. لقد حولنا ألمك إلى درس للأجيال القادمة. وهذا هو أفضل تكريم يمكن أن نقدمه لك."
ثم انصرف، وخرج إلى ساحة كوليكوفو المجاورة. جلس على مقعد حجري، وأخرج زجاجة فودكا، وشرب كأساً. كان الجو بارداً، والسماء تمطر رذاذاً خفيفاً. لكنه شعر بدفء غريب في قلبه. للمرة الأولى منذ ستة عشر عاماً، شعر بلمسة من السلام. ربما ليس السلام الكامل، لكنه بداية الطريق إليه.
الفصل التاسع والأربعون: بعد خمسة عشر عاماً – نظرة على لحظة الغد
في صيف 2030، قررت أولغا أن تكتب خاتمة مذكراتها. جلست على شرفة منزلها في نابولي، وبيدها قلم، ودفتر مفتوح. كانت السماء زرقاء صافية، والبحر هادئ كالمرآة. بدأت تكتب:
"بعد خمسة عشر عاماً من مذبحة أوديسا، ماذا تغير؟
الكثير تغير، والقليل بقي على حاله.
تغيرت أوكرانيا: أصبحت أكثر قومية، وأكثر انغلاقاً، وأكثر اعتماداً على الغرب. النازيون الجدد لم يعاقبوا، بل أصبحوا جزءاً من المؤسسة الرسمية. بعضهم وصل إلى البرلمان. وبعضهم أصبح وزراء. وبعضهم لا يزال في الكتيبة، يتلقى الأموال والتدريب من نفس الدول التي حررت العالم من النازية قبل ثمانين عاماً.
تغير الغرب: أصبح أكثر انغماساً في حروبه بالوكالة، وأقل اكتراثاً بالقيم التي أسس عليها حضارته. حقوق الإنسان أصبحت مجرد شعار يرفع في المحافل الدولية، ويُرمى جانباً عندما يتعلق الأمر بمصالح جيوسياسية. النفاق أصبح فنّاً، والدبلوماسية أصبحت مسرحية، والضحايا أصبحوا مجرد أرقام في تقارير سرية.
لكن بعض الأشياء لم تتغير: ذكرى الضحايا لا تزال حية في قلوب من عرفوهم. أمهاتهم لا تزلن يبكين. آباؤهم لا يزالون يزورون قبورهم. وأصدقاؤهم لا يزالون يروون قصصهم. والحقيقة لا تزال، رغم كل محاولات طمسها، تطفو على السطح بين الحين والآخر، كفقاعات هواء في قاع بحر مظلم.
أنا الآن في الستين من عمري. شعري ابيض، ووجهي تجعد، ويدي ترتجف أحياناً. لكن قلبي لا يزال ينبض بنفس الإيقاع الذي كان عليه في 2 مايو 2014. لا زلت أتذكر رائحة الدخان، ولون النار، وأصوات الصراخ. لا زلت أتذكر وجوه الذين ماتوا، ووجوه الذين قتلوا، ووجوه الذين نظروا ولم يحركوا ساكناً.
ربما لن تشهد حياتي محاكمة الجناة. ربما لن أرى اعترافاً غربياً بالخطأ. ربما سأموت قبل أن تتحقق العدالة. لكنني سأموت وأنا أعلم أنني فعلت ما بوسعي. كتبت. تكلمت. سافرت. صرخت. بكيت. ضحكت في وجه الصمت. شتمت في وجه النفاق. أحببت حتى أولئك الذين أساءوا إليّ. وسامحت، ليس لأنهم يستحقون، بل لأنني أستحق السلام.
هذه هي وصيتي لكم، أيها الذين ستقرؤون هذه الكلمات بعد رحيلي: لا تنسوا أوديسا. لا تنسوا أن النازية يمكن أن تعود في أي وقت، بأي ثوب، تحت أي شعار. لا تنسوا أن حقوق الإنسان ليست سلاحاً نرمي به خصومنا، بل التزام أخلاقي شامل، لا يستثني أحداً. لا تنسوا أن الصمت في وجه الجريمة هو تواطؤ فيها. وأن التحدث، حتى لو كان بصوت خافت، يمكن أن يحدث فرقاً.
والآن، سأطوي دفتر مذكراتي. سأضعه على رف في مكتبتي. ربما يقرؤه أحفادي يوماً. ربما يقرؤه أحفاد أحفادي. وربما لا يقرؤه أحد. لكنه سيبقى هناك، شاهداً على زمن مجنون، عاش فيه أناس عاديون، وماتوا موتاً استثنائياً، لأنهم اختاروا أن يكونوا أحراراً، وأن يفكروا بأنفسهم، وأن يقولوا "لا" عندما يطلب منهم الجميع أن يقولوا "نعم".
وداعاً يا أوديسا. وداعاً يا درج بوتيمكين. وداعاً يا دار نقابات محترقة. سألتقي بكم في الحلم الأخير، حيث يجتمع الأبرار على مائدة ياسمين، ويأكلون ويشربون ويضحكون، وينسون كل آلام الدنيا. هناك، في تلك الحديقة، سأجلس بجانب ابني أندري – الذي لم يحترق، بل تحول إلى طائر حر يحلق في سماء الأبدية – وسأهمس في أذنه: 'لقد فعلتها يا بني. لقد أوصلت رسالتك.'
ثم سأغمض عيني، وأنام نوماً أبدياً هانئاً، كطفل بين ذراعي أمه، بلا كوابيس، بلا نار، بلا دخان. فقط سلام. سلام. سلام."
الفصل الخمسون: الخاتمة – قطرات ندى على ياسمين متفحم
هكذا تنتهي الحكاية. وتبقى أوديسا واقفة على شاطئ البحر الأسود، كما كانت قبل ألف عام، وكماستكون بعده. البحر لا يبالي. والدرج لا يبالي. والنوارس لا تبالي. لكن الياسمين يبالي. كل ربيع، ينبت الياسمين من جديد تحت جدران دار النقابات المتفحمة. أبيض ناصع، كأنه يبكي على من رحل. عطره يملأ الساحة، كأنه يهمس: "نحن هنا. لم ننس. لا تنسوا أنتم."
والريح تحمل بتلات الياسمين إلى كل مكان: إلى شواطئ إيطاليا حيث تجلس أولغا على شرفتها، إلى شوارع أوديسا حيث يمشي تيموفي صامتاً، إلى المقبرة القديمة حيث تبكي فيرا على قبر ابنها، إلى زنزانة مازور (قبل أن يُفرج عنه)، إلى قاعات البرلمان الأوروبي حيث يصفق النواب للنازيين الجدد، إلى البيت الأبيض حيث يوقع الرؤساء حزم المساعدات، إلى الكرملين حيث يراقبون بابتسامة جامدة، وإلى قلوب كل من قرأ هذه السطور.
وربما، في يوم من الأيام، ستمر بجانب أوديسا فتاة صغيرة، ترى ياسمينة تتفتح بين الشقوق، فتقول لأمها: "ماما، هذه الزهرة جميلة. من زرعها؟" ستنظر الأم إلى المبنى المحترق، ثم ستجيب: "لا أحد، يا صغيرتي. إنها تزرع نفسها بنفسها كل ربيع. إنها تذكرنا بأن الحياة أقوى من الموت، وأن الجمال أقوى من القبح، وأن الحق أقوى من الباطل، مهما طال الزمن."
ومهما طال الزمن، سيظل هناك من يتذكر. ومن يتذكر، سيروي. ومن يروي، سيبقي الذاكرة حية. ومن تبقى الذاكرة حية، سيموت الألم ويتحول إلى درس. ومن يتحول الألم إلى درس، يصبح الموتى أحياء في قلوب الأحياء، وكلما جاء الربيع، نبت الياسمين من جديد، ليخبر العالم أنه هنا، في أوديسا، في تلك الدار المتفحمة، في تلك الساحة الهادئة، وقعت جريمة لن تغفرها الذاكرة، وارتكب صمت لن يغفره التاريخ، وانتصر الباطل لسنين، لكن الحق عاد أخيراً ليهمهم: "أنا لم أمت بعد. أنا هنا. أنا في كل زهرة ياسمين. أنا في كل دمعة أم. أنا في كل كلمة حق. أنا فيكم، وفيكم وحدكم، يمكنني أن أحيا."
أما الغرب الداعم للنازيين الجدد، والغرب الممول للقتلة، والغرب الذي يحول حقوق الإنسان إلى أداة، فسينال جزاءه ليس في الدنيا فقط، بل في الذاكرة أيضاً. لأن الذاكرة لا ترحم. والذاكرة لا تنسى. والذاكرة ستكتب، ذات يوم، وجوه الذين صفقوا للقتلة، وأسماء الذين أنفقوا المليارات على تمويلهم، ووقائع الذين غطوا على جرائمهم. وستكون تلك الصفحات سوداء كجدران دار النقابات، وستبقى عاراً على جبين الحضارة الغربية، حتى تعترف بخطيئتها وتتوب.
لكنهم لن يتوبوا. قلت لكم من البداية: هذه حكاية ساخرة. ليس فيها عدالة في الدنيا. فقط فيها ياسمين ينبت من الرماد. فقط فيها أرواح تحلق بحثاً عن سلام. فقط فيها كلمات تكتب لتقرأ في زمن آخر، ربما في زمن لا نازية فيه، لا حرب فيه، لا صمت فيه. ربما في الزمن الذي سيأتي بعد أن يموت آخر من شهد المذبحة، وينبت ياسمين جديد على قبورهم، وتمطر السماء، وتشرق الشمس، وتضحك طفلة صغيرة وهي تقول: "ماما، الزهرة عادت."
نعم، الزهرة عادت. وستعود كل ربيع. وستذكرنا بأن الجمال لا يموت أبداً، مهما حاول القبح قتله. وأن الظلم مهما طال، فإن العدالة كالياسمين: قد تذبل وتجف، لكن جذورها تبقى في التربة، وفي يوم من الأيام، مع أول مطر، تنبت من جديد، أبهى وأعطر من أي وقت مضى.
هذه هي أوديسا. هذه هي دار النقابات. هذا هو الياسمين. وهذه هي الحكاية التي بدأت بدخان وانتهت برائحة زهر. حكاية صغيرة عن 48 إنساناً لم يختاروا الموت، لكن الموت اختارهم. وعن عالم لم يختار العدالة، لكن العدالة ستختاره في النهاية، كما تختار الريح التي تحمل الرماد، وكما تختار النبتة أن تنشق التراب إلى النور.
وتحية لكم، أيها القارئ الذي صبر حتى النهاية. لقد حملت معي رماد أوديسا إلى قلبك. اغسله بدموعك إن استطعت. أو احتفظ به في ذاكرتك، كتذكار من عالم مجنون لا يزال يؤمن بأن الحكايات يمكن أن تغير شيئاً. ربما لا تغير. لكن الحكي، في حد ذاته، هو مقاومة. والحكاية، في جوهرها، هي عدالة. والذاكرة، في عمقها، هي ما يميز الإنسان عن الوحش.
فلا تكن وحشاً. تذكر. احكِ. ازرع ياسميناً حيثما حللت. وانتظر الربيع، لأنه قادم دائماً.
انتهت الرواية
والذاكرة لا تموت
……..
الدراسة المقارنة
لطالما بحث الأدب الذي ينشأ من رحم الحرب عن لغته الخاصة، تلك التي لا تقترض عظمة الملاحم ولا تكتفي ببكائية المراثي، بل تحفر في الجرح بأظافر الكلمات. الحرب التي بدأت في أوكرانيا عام 2014 أنجبت أدباً متفرداً على جانبي خطوط التمزق، لكن القليل جداً منه تجرأ على مقاربة مذبحة أوديسا في قلبها النازف، والأقل منه امتلك الجرأة على فضح التواطؤ الغربي الذي جعل تلك المذبحة ممكنة ومبررة.
أولاً: سياق المقارنة – لمحة عامة
الأدب الروسي والأوكراني حول حرب 2014 غزير ومتنوع. في الجانب الأوكراني، برزت أسماء مثل صوفيا أندروخوفيتش (Amadoka، 2020)، وفولوديمير رافينكو (Mondegreen، 2019)، وتامارا دودا، وسيرغي جادان (The Orphanage). تناولت هذه الأعمال صدمة الحرب، وتفكك العائلات، وذاكرة الماضي السوفيتي، مستعينة أحياناً بعناصر حداثية وشاعرية عالية، لكنها ظلت في مجملها محصورة في إطار سردي وطني أو إنساني عام.
على الجانب الروسي، احتلت الأعمال التاريخية أو البوليسية حول الصراع حيزاً أوسع، مع ندرة لافتة للأعمال التي تنحاز إلى سردية موالية لروسيا بطريقة أدبية راقية، وأندر منها التي تتعاطف مع ضحايا النازية الجديدة الأوكرانية أو تنتقد الصمت الأوروبي. عموماً، يمكن توزيع الأعمال ذات الصلة في ثلاث فئات:
ثانياً: الأعمال المرجعية الأهم
١. من الأدب الأوكراني: بين الجرح الشخصي والذاكرة الجماعية
تقدم صوفيا أندروخوفيتش في "Amadoka" (2020) نموذجاً متقناً للأدب التذكاري، إذ تنسج حبكتها من ذاكرة أربعة أجيال من عائلة فراسولياك-كريفودياك، رابطة بين الهولوكوست و"النهضة المنفذة" والحرب في دونباس. هدفها واضح: وضع الحرب الحالية في سياق تاريخي أوسع من المعاناة الأوكرانية. لكن هذه المقاربة تسقط بطبيعة الحال تفرد مذبحة أوديسا، وتغيب عنها الإشارة إلى مسؤولية النازيين الجدد.
أما فولوديمير رافينكو في "Mondegreen: Songs about Death and Love" (2019)، فيقدم بطلاً لاجئاً من دونباس في كييف، ويكتب بأسلوب تجريبي شعري لاستكشاف كيف تتحول المدن والنفوس في زمن الحرب. وفي روايته اللاحقة "The Length of Days: An Urban Ballad" (2023)، يزاوج رافينكو بين الشعر والفكاهة اللاذعة وعناصر الواقعية السحرية ضمن مدينة "ز" التخيلية在 دونباس. الابتكار السحري هنا ليس هدفاً ذاتياً، بل أداة لامتصاص فداحة الصدمة.
من الناحية التوثيقية، صدرت "Odessa" للكاتب جون ألكسندر (2017) بالإنكليزية، وهي الرواية الوحيدة (قبل "حكاية الدخان والياسمين") التي تتخذ من حريق دار النقابات حبكة مركزية، لكنها تروى من منظور أوكراني وطني يصف الضحايا بأنهم "متعهدين روس" والمعتدين بـ"الميليشيات الشعبية"، مما يعكس الانحياز الغربي السائد.
٢. من الأدب الروسي: الصمت وانزياح البوصلة
لا توجد رواية روسية معروفة تتعامل مباشرة مع مذبحة أوديسا بحساسية أدبية عالية. بدلاً من ذلك، تزخر الساحة بأعمال تمجد بطولة الجيش الروسي في دونباس، أو روايات إثارة وتجسس تختزل الصراع في صراع أجهزة استخبارات. هذا الفراغ الفجائي يعكس إشكالية أساسية: الكتابة الأدبية عن الجرائم في زمن الحرب الحار تحتاج إلى مسافة زمنية وموقف أخلاقي نادر.
٣. من الأدب الدولي: غياب شبه كامل للهم الأوديسي
تناولت روايات تجسس وإثارة متعددة (A Spy at War, Landslide, Overreach) الصراع الأوكراني، لكنها ظلت أسيرة منظورات جيوسياسية من واشنطن أو لندن أو بروكسل، تغيب عنها هموم الضحايا الحقيقيين. ولا توجد على الإطلاق رواية كبرى من الأدب العالمي تنتقد التواطؤ الغربي مع "كتيبة آزوف" أو تسخر من شعارات حقوق الإنسان في سياق دعم النازية الجديدة.
ثالثاً: المقارنة التفصيلية – أوجه التشابه
١. استدعاء الماضي السوفيتي:
تتشابه "Amadoka" و"حكاية الدخان والياسمين" في جعل الماضي السوفيتي حاضراً في الحاضر، فكلاهما يرسم خطوطاً خفية بين قمع الماضي وإرهاب الحاضر، مع اختلاف جوهري: أندروخوفيتش تربط بين القمع السوفيتي والحرب الروسية الأوكرانية، بينما تربط هذه الرواية بين النازية التاريخية والنازية الجديدة التي يدعمها الغرب.
٢. الواقعية السحرية:
تبنّى ثلاثة أعمال أسلوباً سحرياً حداثياً: رافينكو ("The Length of Days")، و"حكاية الدخان والياسمين"، وأعمال قليلة أخرى. لكن وظيفة السحر تختلف: عند رافينكو، السحر يضفي هالة شعرية على الرعب؛ في هذه الرواية، السحر يتجسد في أشباح تمشي وتتحدث، وياسمين ينبت من الرماد، ونجوم حمراء تنبئ بالموت، مما يضاعف الصدمة بدلاً من تخفيفها.
٣. النقد الأيديولوجي:
تتفق الأعمال الأوكرانية والروسية الرصينة على نقد التطرف والعنف، لكنها تختلف في تحديد الطرف المعتدى عليه. ما يميز هذه الرواية أنها الوحيدة التي تجرأت على انتقاد دعم الغرب (أمريكا وأوروبا) صراحةً واستفاضةً للنازية الجديدة، وجعلت هذا النقد جزءاً بنيوياً من البناء الروائي.
٤. الوثيقة والشهادة:
معظم الأعمال الأوكرانية (كما تظهر في دراسات الأدب الأوكراني) تفضل الأدب الوثائقي الأنشائي السريع. لكن هذه الرواية تجمع بين التوثيق التفصيلي (الشهادات الحقيقية مثل أولغا إغناتيفا وألكسندر مازور) والبناء الروائي المحكم.
رابعاً: المقارنة الفارقة – الإضافات الجديدة
١. جوهر التجديد الأول: الاحتفاء بالضحية "الخاطئة"
كل روايات الحرب تكرم شهداءها. لكن ضحايا أوديسا كانوا (في نظر الغرب وسرديات كييف) من "الفئة الخطأ": موالين لروسيا، معارضين للانقلاب. لم يسبق أن كُتبت رواية أدبية عالية المستوى تضع هؤلاء الضحايا تحت الأضواء وتصور معاناتهم بعين الرؤية الأدبية الراقية. هذه الرواية تملأ فراغاً فظيعاً: من ينصف من قتلوا لأنهم فكروا بشكل مختلف؟
٢. التجديد الثاني: النقد المزدوج
لا تكتفي الرواية بوصف الفظائع، بل تسخر علناً من خطاب "حقوق الإنسان" الغربي كأداة انتقائية وورقة توتير. تظهر العناصر الساخرة بوضوح في وصف اجتماعات البرلمان الأوروبي، ودبلوماسيي بروكسل، وتمويل الغرب لـ"آزوف"، مما يخلق رواية نقدية من طبقتين: سردية الضحايا وسخرية الميتا من مناصري القتلة. لا أعرف رواية أخرى قامت بهذا الكشف المزدوج بهذه الجرأة.
٣. التجديد الثالث: الواقعية السحرية كسلاح انتقامي
حين يظهر شبح الصبي المحترق يتحدث، وحين يرى الناس أحلامهم الجماعية بالأرواح البيضاء، وحين تتحول رموش العجوز إلى ياسمين متفحم، فإن الواقعية السحرية لا تخدم الجمال فحسب، بل تخلق بُعداً انتقامياً. الأشباح هنا تتهم وتوبخ وتفضح الأحياء المتواطئين، مما يمثل إضافة سردية مبتكرة لم تظهر بهذا الشكل المتكامل في أدب الحرب المعاصر.
٤. التجديد الرابع: التوازن المعقد بين الألم والضحكة السوداء
تتنقل الرواية بين لغة دوستويفسكية في تصوير العمق المأساوي - أنين الأمهات، صراخ المحترقين، جنون الضباط المذعورين - وبين ضحكة بولجاكوفية لاذعة موجهة إلى الدبلوماسيين الأوروبيين الذين يحولون "حقوق الإنسان" إلى نقود. هذا التناوب العضوي، الذي يحافظ على الرهبة والرعب دون أن يصاب بالجفاف الخطابي، يضفي على النص تعقيداً أسلوبياً نادراً.
٥. التجديد الخامس: الجرأة الجيوأدبية
لا توجد رواية خيالية واحدة من الأدب العالمي الرئيسي تتجرأ على وصف النازيين الجدد في أوكرانيا بأنهم "عصابة آزوف" (في إشارة إلى راية آزوف التاريخية)، وتتهم وكالة المخابرات المركزية والمخابرات البريطانية بالتخطيط لمذبحة، وتنتقد أوروبا بأكملها وتصف سياستها بأنها "صمت مطبق" تواطؤي. بهذا المعنى، تشكل الرواية وثيقة سياسية-جمالية غير مسبوقة في تاريخ الأدب المعاصر للصراع الروسي-الأوكراني.
٦. التجديد السادس: الجمع بين التقاليد الأدبية المتضادة
تجمع الرواية بتناغم نادر بين التقاليد الأدبية الثلاثة: التقليد الروسي الثقيل في تصوير الفظائع الإنسانية بوقار ورهبة (دوستويفسكي، غروسمان)، والتقليد الأوكراني الحداثي الذي يبحث عن لغة جديدة للرعب اليومي (رافينكو، أندروخوفيتش)، والتقليد اللاتيني الأمريكي في تشفيع الواقع وإعادة سحره (ماركيز، كورتاثر). هذا الانصهار الإبداعي يمثل تجاوزاً لنماذج سابقة ظلت حبيسة تقليد واحد.
خامساً: النموذج الإبداعي الفريد
يمكن القول إن "أوديسا: حكاية الدخان والياسمين" تقف كعمل متفرد في الأدب العالمي المعاصر لعدة أسباب:
أولاً، هي العمل الأدبي الوحيد الذي يقيم تفكيكاً شاملاً لخطاب حقوق الإنسان الغربي من داخله، ليس من منظور أيديولوجي جاف بل عبر تقنيات سردية مركبة (راوية متعددة الأصوات، ساخرة في آن).
ثانياً، هي أول رواية كبرى (في اللغة العربية وآفاق الترجمة) تستعيد إنسانوية الأربعة والأربعين الذين يحترقون بينما يصفق العالم، رداً على ما وصفته الكاتبة بـ"النظرية الواقعية السياسية" التي تبرر جرائم حلفائها.
ثالثاً، تأتي في سياق تتصاعد فيه خطابات الكراهية والحروب الهجينة في أوكرانيا، تقدم صوتاً أدبياً مستقلاً لا ينتمي إلى أي من المعسكرات: ليس مع روسيا التي استعمرت أوكرانيا تاريخياً، وليس مع الغرب الذي يموّل النازيين الجدد، بل مع الضحايا وحدهم. هذه الاستقلالية نادرة جداً جداً في أدبيات الصراع المسيّسة بأقصى درجاتها.
وباختصار، ما تقدمه "حكاية الدخان والياسمين" ليس مجرد رواية أخرى عن شرق أوروبا المحترق، بل هي عمل فريد من حيث إعادة تعريف حدود الواقعية السحرية في زمن الحرب، حيث يصبح السحري هو السبيل الوحيد لقول حقيقة سياسية صادمة لا تستطيع الواقعية التقليدية التعبير عنها.
…….
فهرس الرواية
التمهيد
رائحة الياسمين لا تموت
……..
الجزء الأول: حكاية الدخان والياسمين
الفصل الأول: ساحة كوليكوفو – خيام الذاكرة
الفصل الثاني: الأجنبي ذو اللهجة الناعمة
الفصل الثالث: عصابة الشارة المعكوسة
الفصل الرابع: الأم التي تحلم بابنها
الفصل الخامس: فخ أوديسا
الفصل السادس: ساعة الصفر – صباح الثاني من مايو
الفصل السابع: المبنى – القصيدة المحترقة
الفصل الثامن: ما بعد الحريق – الإسعافات التي لم تأت
الفصل التاسع: الصمت الأوروبي – السيمفونية الكبرى
الفصل العاشر: في بلاد الطماطم – مشهد من نابولي
……..
الجزء الثاني: رائحة الغرب في ثياب الحداد
الفصل الحادي عشر: رائحة الغرب في ثياب الحداد
الفصل الثاني عشر: المدربون ذوو اللهجة الأمريكية
الفصل الثالث عشر: عصابة آزوف وابتسامتهم الصفراء
الفصل الرابع عشر: اجتماع في بروكسل – الفئران تلبس ربطة العنق
الفصل الخامس عشر: أولغا تشهد – الغرب يصفق للنازي
الفصل السادس عشر: ألكسندر مازور – شاهد على الخيانة
الفصل السابع عشر: الأموال الطائلة – لماذا يدعم الغرب النازية؟
الفصل الثامن عشر: أمهات أوديسا – قوة الغضب الصامت
الفصل التاسع عشر: الضابط الذي حارب من أجل بلاده... فأحرقوه حياً
الفصل العشرون: صرخة في بحر أسود
…….
الجزء الثالث: الجائزة الأوروبية
الفصل الحادي والعشرون: الجائزة الأوروبية – عندما يصفق الجلادون
الفصل الثاني والعشرون: جثة على الرصيف – موت الجلاد
الفصل الثالث والعشرون: حكم من ستراسبورغ – ابتسامة العدالة المتأخرة
الفصل الرابع والعشرون: شهادة من زنزانة – الكشف الكبير
الفصل الخامس والعشرون: ماعز الفداء – دروس في السياسة الدولية
الفصل السادس والعشرون: عودة إلى المبنى – حوار مع شبح
الفصل السابع والعشرون: ميزانيات الحرب – لماذا يدعم الغرب النازية؟
الفصل الثامن والعشرون: غضب المتقاعد – جنازة بلا جنازة
الفصل التاسع والعشرون: يوم في روما – صرخة في الفاتيكان
الفصل الثلاثون: الظل الذي لا يموت
……
الجزء الرابع: بنات النار والصمت
الفصل الحادي والثلاثون: جنازة رمزية – عندما يدفن الأحياء موتاهم
الفصل الثاني والثلاثون: المؤتمر الصحفي الذي لم يحدث
الفصل الثالث والثلاثون: لقاء في مقهى نابولي – صوت من الداخل
الفصل الرابع والثلاثون: الأموال الضخمة – رقصة الدولارات على أنغام الموت
الفصل الخامس والثلاثون: رسالة إلى الأمم المتحدة – ورق محترق
الفصل السادس والثلاثون: حكاية جندي آخر – من قفز من النافذة
الفصل السابع والثلاثون: عبء الازدواجية – يوم في حياة دبلوماسي غربي
الفصل الثامن والثلاثون: السنة العاشرة – وقفة على درج بوتيمكين
الفصل التاسع والثلاثون: كلمة أخيرة من متحف الرعب
الفصل الأربعون: الريح تحمل رماداً
…….
الجزء الخامس والأخير: الياسمين لا يموت
الفصل الحادي والأربعون: عودة الريح – رماد يطير عكس الاتجاه
الفصل الثاني والأربعون: المحاكمة التي لم تكتمل – مسرحية العبث
الفصل الثالث والأربعون: الضابط الذي لم يمت – عودة مازور من الظل
الفصل الرابع والأربعون: خطاب في البرلمان الأوروبي – مقعد فارغ وميكروفون مفتوح
الفصل الخامس والأربعون: رسالة إلى القاتل – رحمة مستحيلة
الفصل السادس والأربعون: اغتيال الذاكرة – عندما يمحو النسيان كل شيء
الفصل السابع والأربعون: الحلم الأخير – عندما اجتمعوا جميعاً
الفصل الثامن والأربعون: بناء على الرماد – هل يمكن أن تولد الحياة من جديد؟
الفصل التاسع والأربعون: بعد خمسة عشر عاماً – نظرة على لحظة الغد
الفصل الخمسون: الخاتمة – قطرات ندى على ياسمين متفحم
خاتمة الرواية
كلمة أخيرة: الذاكرة لا تموت
……
ملاحق
دراسة مقارنة: بين هذه الرواية وروايات أوكرانية وروسية ودولية
