رواية قصيرة : ذاكرة البئر والتيه أو مرايا السَّلْطَنَة احمد صالح سلوم
رواية قصيرة : ذاكرة البئر والتيه
أو عنوان اخر: مرايا السَّلْطَنَة
رواية في خمسة أجزاء
……….
الجزء الأول: كتاب الأساس – حلم المعماري
الفصل الأول: مدينة من ورق البردي
في زمن ليس ببعيد، ولا هو بقريب، قامت مدينة على تخوم الصحراء الكبرى، أطلق عليها مؤسسوها اسم "أور-آمون" . لم تكن مدينة بالمعنى الذي نعرفه؛ بل كانت فكرة تجسدت في الحجر والطين، حلماً لمعماري مجنون أراد أن يكتب التاريخ قبل أن يُعاش. بنيت أبراجها على هيئة مسلات تشبه الأصابع الممدودة نحو السماء، تتوسطها ساحة هائلة يعلوها تمثال من البرونز الأخضر لرجل يرتدي تاجاً مزدوجاً: تاج الفرعون وتاج التاجر معاً. أطلقوا عليه "حامي الميزان" .
القنوات المائية شقت أراضيها كالندوب، تحمل المياه من نهر "إيترو" العظيم إلى بيوت الأغنياء أولاً، ثم إلى دور العبادة ثانياً، ثم – إن تبقى شيء – إلى الأزقة الخلفية حيث يسكن "أبناء الحارة" . كل شيء في أور-آمون كان محكوماً بقانون غير مكتوب، قانون "التوازن المقدس" : لا يزيد ثمن رغيف الخبز عن أجر ست ساعات من العمل، ولا يزيد ثمن الكلمة عن ثمن قطرة دم.
هكذا روت النقوش على جدران المعبد الكبير. هكذا حفظ الحكواتيون في ليالي الشتاء الطويلة. ولكن تحت الأرض، بعيداً عن أعين "حراس السردية" ، كانت هناك غرفة أخرى. غرفة لا تظهر في خرائط المدينة الرسمية. فيها يجلس كبار الكهنة والكتبة، يعيدون كتابة الماضي كي يتناسب مع حاضر "شركة الخليج المتحدة" التي تسيطر على كل شيء: من مناجم النحاس في جبال "غرب-أمون" إلى موانئ توابل الجنوب.
في تلك الغرفة تعلم "حاحي" ، بطل حكايتنا، أول دروسه في صناعة الحقيقة.
(تحول إلى الماضي: قبل ثلاثين عاماً من بدء الرواية)
كان حاحي صبياً نحيلاً، أصابع يديه ملطخة بالحبر الأسود، عيناه واسعتان كأعين الوشق. لم يكن يعلم أن جده كان معماري المدينة الأصلي، الرجل الذي صمم أور-آمون على ورق بردي لم يبق منه إلا شظايا. مات الجد مقتولاً بعد أن رفض إضافة برجين جانبيين لـ "قصر المرايا" – وهما البرجان اللذان صارا رمزاً لقوة "التحالف المقدس" بين حكام المدينة وتجار البحر.
تلقى حاحي تعليمه على يد "كاهن السجلات" ، رجل عجوز بعينين زرقاوين كأنهما سرقتا من سماء بلاد بعيدة. علمه كيف يمسح اسم ملك من قائمة الحكام وكيف يضيف آخر. علمه كيف يحول ثورة جياع إلى "تمرد قطاع طرق". علمه أن العدو الحقيقي ليس من يحمل السيف، بل من يحمل ذاكرة مختلفة.
"انظر يا حاحي" ، قال ذات ليلة، رافعاً لفافة بردي قديمة. "هذه قصة طوفان أزاح ملكاً عظيماً من على عرشه. انظر كيف كتبتها.. أليس الطوفان هنا عقاباً من الآلهة؟ ولكن الحقيقة – لو تجرأنا عليها – أن الطوفان كان من صنع أيدينا. نحن فتحنا بوابات السدود لأن الملك القديم رفض دفع الجزية لخزائن المعبد".
حاحي صمت. لم يصرخ، لم يحتج. لكن في قلبه، زرعت بذرة. بذرة غريبة: أن الحقيقة ليست ما يحدث، بل ما يُكتب. وأن وما لا يُكتب لا يحدث أبداً.
(عودة إلى زمن السرد الرئيسي)
الآن، حاحي في الأربعين من عمره. أصبح أمين السجلات الإمبراطورية في أور-آمون. منصبه يجعله ثالث أقوى رجل في المدينة بعد "حامي الميزان" نفسه وبعد "المدير العام لشركة الخليج المتحدة" . لكنه كلما طالت ليلة، كلما اقترب من ذلك الصندوق الخشبي الصغير المخبأ تحت بلاط غرفة نومه. فيه لا يحتفظ بالذهب، بل بشيء أثمن: مسودة أولى لتاريخ آخر، تاريخ لم يكتب بعد.
في إحدى الليالي، بينما الرياح الموسمية تهب من الشرق محملة برائحة البحر والموت، جاءته رسالة غير متوقعة. كانت على لفافة صغيرة، مختومة بختم لم يره من قبل: عقرب ذهبي يلدغ ذيله.
الرسالة تقول: "تعال إلى مقبرة الكتبة المهجورة عند منتصف الليل، وحدك. سأريك أين دفنوا الحقيقة الأولى."
وقّع الرسالة: "أنوبيس" – إله الموتى.
…….
الفصل الثاني: الحفرة التي تبكي
مقبرة الكتبة ليست مقبرة بالمعنى المادي. إنها ركام من لفائف مهملة، أوراق بردي متحللة، نصوص مُنعت من أن تُقرأ، وأخرى مُنعت من أن تُكتب. تقع في الطرف الشرقي من أور-آمون، حيث تتوقف القنوات عن الجريان وحيث يبدأ وهم الصحراء.
حاحي وصل قبل منتصف الليل بنصف ساعة. كان الصندوق الخشبي تحت عباءته، ليس لأنه يخشى السرقة، بل لأنه لم يعد يثق بأي مكان إلا جسده. في الظلام الأحمر للقمر، رأى شبحاً يقف بجانب بئر قديمة جفت. لم يكن الشبح ذكراً ولا أنثى. كان مخلوقاً يرتدي قناع ابن آوى الذهبي، لكن يديه كانتا بشريتين – يدين امرأة عجوز، متجعدتين كخريطة لجغرافيا من الألم.
"أنت حاحي بن حاحي-مس بن المعماري" ، قالت بصوت يخرج من تحت القناع كأنه حفيف أوراق يابسة. "أنت تحتفظ بصندوق لا تجرؤ على فتحه، وتكتب تاريخاً لا تجرؤ على نشره."
حاحي لم ينكر. لم يرتعش. قال فقط: "من أنتِ؟"
المرأة خلعت القناع. تحتها وجه لم يره قط في سجلات النخبة. وجه ابنة الحارة، من سكان الأزقة الخلفية التي لا مياه نظيفة تصل إليها، حيث ينام العشرة في غرفة واحدة. لكن عينيها... عيناها كانتا عينين طفلتين عرفتاً الموت باكراً.
"اسمي نفرت-إيبي" ، قالت. "وجدي كان آخر من حاول كتابة تاريخ مختلف لأور-آمون. دفع حياته ثمناً لذلك. والآن أريدك أن تكمل الطريق."
قال حاحي: "ولماذا أصدقك؟ أنتِ – على حد قولك – من سكان الحارة. أهل الحارة لا يعرفون القراءة ولا الكتابة."
ضحكت نفرت-إيبي. ضحكة مريرة تشبه حصى يتساقط في بئر عميقة.
"نحن لا نقرأ خطكم أيها السيد، صحيح. لكننا نحفظ. نحن نحفظ كل شيء. نحفظ أسماء كل الذين قتلتموهم في مناجم النحاس عندما طالبوا بأجر عادل. نحفظ أسماء الأطفال الذين ماتوا بسبب القنوات المسمومة. نحفظ أسماء الشيوخ الذين خنقتموهم عندما رفضوا التوقيع على عقود بيع أراضيهم لشركة الخليج المتحدة."
توقفت. نظرت إلى البئر الجافة.
"هذه البئر يا حاحي لم تكن جافة دائماً. قبل أربعين عاماً، ألقى فيها حراس حامي الميزان بثلاثين جثة. ثلاثين كاتباً صغيراً رفضوا تحريف نص عن حرب وادي التماسيح. ألقوهم أحياء يا سيد أمين السجلات. سمعوا صراخهم ثلاثة أيام قبل أن يمتزج الصراخ بالصمت."
حاحي شعر بغصة في حلقه. ليس لأنه لم يكن يعرف. المشكلة القاتلة في صناعته أنه يعرف كل شيء، بل لأن معرفته كانت سجنه.
"ماذا تريدين مني؟" سأل.
"تريد أن ترى أرشيف الحارة؟ الأرشيف الذي بناه أهلنا حجراً حجراً، بكلمة مسموعة هنا، وبعبرة هناك، وبتجويع الجسد حتى يطلق سراح الذاكرة؟"
رفعت كمها الأيسر. على ذراعها كانت هناك وشم: خريطة كاملة لأور-آمون، لكنها مختلفة عن الخريطة الرسمية. هنا، حيث توجد بيوت الأغنياء على الخريطة الرسمية، كانت الوشوم تشير إلى "مقبرة جماعية". وهناك، حيث يقع المعبد الكبير، كانت الوشوم تشير إلى "بيت الدعارة السياسي".
"انظر إلى ذراعي" ، قالت. "في الحارة، كل امرأة تحمل خريطة على جسدها. لأننا نعرف أن ورق البردي يحترق، والجدران تُهدم، لكن الجلد... الجلد يبقى مع صاحبه إلى القبر. وإذا حرقوا الجلد، تبقى العظام. وإذا طحنوا العظام، يبقى غبار في هواء أور-آمون يروي كل من يتنفس."
وقفت نفرت-إيبي فجأة، كأنها سمعت خطوات بعيدة. "اذهب الآن. لكن تذكر: الحفرة التي تبكي ليست بئر الموتى. إنها بئر الذاكرة. فكر فيمن يبكي هناك. ثم تعال غداً إلى سوق الأقنعة، الساعة الثالثة بعد الزوال. ستجلس على المقهى الذي ليس له اسم، وتطلب قهوة مرة بلا سكر. سآتيك."
انصرفت كأنها ذابت في الظلام. تركته واقفاً وحيداً، يفكر في أول جملة قالها له كاهن السجلات قبل ثلاثين سنة:
"الحقيقة ليست ما يحدث، بل ما يُكتب."
والآن، يقف حاحي أمام بئر تئن بأصوات من لم يُكتب لهم أن يكتبوا، متسائلاً: ماذا لو كان العكس؟ ماذا لو كانت الحقيقة هي ما لا يمكن كتابته أبداً؟
…….
الفصل الثالث: سوق الأقنعة
ليست الأقنعة في سوق أور-آمون مجرد حلي أو أدوات طقوسية. الأقنعة هنا هي تجارة قائمة بذاتها، بل ربما هي التجارة الأهم بعد تجارة النحاس والتوابل. ففي هذا السوق يمكنك شراء أي وجه تريد ارتداءه: وجه التاجر الفقير، وجه الحكيم الجاهل، وجه العبد الطموح، وجه العدو الصديق.
لكن أشهر الأقنعة، وأغلاها ثمناً، كانت قناع الحرية. ثمنه خيالي، وارتداؤه لا يتم إلا بحضور كاتب عدل يحرر وثيقة تثبت أنك قد اشتريت حريتك. المفارقة السوداء: أن من يشتري القناع غالباً ما يكون عبداً لشركة الخليج المتحدة.
المقهى الذي ليس له اسم يقع في زقاق ضيق خلف سوق الأقنعة، حيث التبغ رخيص والوقت بطيء. جلس حاحي في الزاوية المظلمة، طلب قهوته مرة بلا سكر، وانتظر.
نفرت-إيبي جاءت هذه المرة دون قناع ابن آوى. كانت ترتدي عباءة بسيطة من صوف أسود، وغطاء رأس من القش البالي. جلست مقابلته مباشرة، كأنها تعرفه منذ الأزل.
"في هذه الليلة التي مضت" ، بدأت حديثها دون مقدمات، "هل نمت يا سيد أمين السجلات؟"
"لا" ، اعترف حاحي. "لم أنم. كنت أسمع البئر تبكي من بعيد."
"حسناً. إذن أنت مستعد لسماع القصة الكاملة. لكن قبل أن أبدأ، أريدك أن تعرف اسماً واحداً: "خليج الذهب" . لقد سمعت به طبعاً."
طبعاً سمع به. "خليج الذهب" هو الاسم الرمزي لـ اتفاقية تقسيم العالم التي وقعت قبل مئة عام بين إمبراطورية الجزيرة البيضاء (التي تقع شمال غرب أور-آمون، وراء بحر الظلمات)، ومملكة البرجين (وهي مملكة صغيرة على شواطئ البحر المتوسط، يقال إن ملوكها يزعمون أنهم شعب الله المختار)، ومحميات الخليج الغربي (وهي دويلات صغيرة نشأت على أنقاض إمارات قديمة، تعيش حالياً تحت حماية الإمبراطورية البيضاء، ولكنها بدأت مؤخراً تشعر بأن حمايتها بكلفتها صارت أثقل من غنائمها).
"خليج الذهب" كان اتفاقاً سرياً، هدفه الأساسي، كما حفظته ذاكرة الحارة، هو: إعادة توزيع الذاكرة. فلم تكن الحروب التي شنت بعد ذلك حروباً على أراضٍ أو ثروات فقط، بل حروباً على الروايات. كل مدينة تحتل، يتم تدمير مكتباتها أولاً، ثم معابدها ثانياً، ثم بيوت العامة أخيراً. لأن من يتحكم بالماضي يتحكم بالمستقبل.
"هل تعرف" ، قالت نفرت-إيبي، ممزقة قطعة خبز يابس وغمسها بالقهوة، "لماذا تسمى حارتنا حارة الجرح المفتوح؟"
"كنت أعتقد أنها إشارة إلى موقعها قرب الجدار الشمالي الذي لم يكتمل بناؤه" ، قال حاحي.
ضحكت مرة أخرى، ضحكتها المريرة. "لا يا سيد أمين السجلات. سميت حارة الجرح المفتوح لأن أهلها ممنوعون من الشفاء. كلما بدأ جرح يلتئم، يأتي أحد حراس حامي الميزان ويفتحه من جديد. لماذا؟ لأن الجرح المفتوح هو الذي ينتج ألمًا نقيّاً، وألمنا النقي هو وقود لثراء سادة أور-آمون. إنهم يستخرجون الألم من حارتنا كما يستخرجون النحاس من جبال غرب-أمون."
حاحي تذكر تقريراً كتبه بنفسه قبل خمس سنوات، كان عنوانه: "التحولات الاقتصادية في القطاع السكني الشعبي: دراسة في إنتاجية الألم" . في ذلك التقرير، أظهر بأرقام ونماذج أن الجريمة في حارة الجرح المفتوح تساهم بـ 18% من الناتج المحلي لأور-آمون، من خلال صناعات متعددة: الأمن الخاص، المستشفيات، صناعة التوابيت، سوق الأقنعة (التي تشهد رواجاً كلما زادت الوفيات).
هذا التقرير لم يُنشر أبداً. أحرقه كاهن السجلات بنفسه، وأمر حاحي أن ينسى كل ما كتب فيه.
"أنتم في القصر" ، واصلت نفرت-إيبي، "تظنون أن الفقراء جاهلون. لكننا نعرف حقيقة ما يحدث في قاعة المرايا. نعرف أن تمثال حامي الميزان ليس مصبوباً من البرونز الخالص كما تزعمون. إنه مصبوب من النحاس المخلوط بـ دماء الأطفال الذين يموتون في مناجم غرب-أمون. نعرف أن شركة الخليج المتحدة ليست شركة عادية، بل هي معبد سري يعبد إلهاً اسمه الربح. نعرف أن الحرب التي تشنونها الآن على مملكة جبال القمر (وهي مملكة بعيدة إلى الشرق، غنية بالنفط والغاز، وتمتلك ذاكرة طويلة في مقاومة المستعمرين) ليست حرباً على أسلحة الدمار الشامل، بل حرب على ذاكرة تلك المملكة."
حاحي ارتعد. لم يكن خوفاً، بل شعور غريب بأنه يقف على حافة شيء كبير، شيء سيهز كيان أور-آمون من أساسه.
"ماذا تريدين مني بالضبط؟" سأل.
نفرت-إيبي أخرجت من تحت عباءتها لفافة صغيرة. فتحتها. كانت خريطة لقبو تحت القصر الكبير، قبو لم يسمع به حاحي قط.
"في هذا القبو" ، قالت، "تحتفظون بـ صندوق العهد المزيف. صندوق خشبي، مطعم بالذهب، تزعمون أنه يحتوي على ألواح موسى الأصلية. هذا الصندوق هو أكبر تزوير في تاريخ أور-آمون، وقد استخدمتموه لإضفاء الشرعية الدينية على كل حروبكم. لكن ما لا تعرفه أنت، سيد أمين السجلات، هو أنه تحت هذا الصندوق المزيف، هناك صندوق حقيقي."
"صندوق ماذا؟"
"صندوق الحقيقة الأولى التي قتلت من أجلها جدك المعماري. صندوق يحتوي على روزنامة أصلية للمدينة، تثبت أن أور-آمون لم يبنها حامي الميزان الأول، بل بنتها قبائل الحارة التي أتت من الجنوب. تلك القبائل هي التي حفرت القنوات وزرعت النخيل وأسست نظام العدل قبل أن يأتي المعماري المجنون ويخطف كل شيء باسم "النظام المقدس".
توقفت. نظرت في عينيه مباشرة.
"أريدك أن تأخذني إلى ذلك القبو، حاحي. أنت وحدك من يستطيع فتح أبوابه. لأن باب القبو ليس بقفل عادي، بل بقفل المعرفة. الباب لا يفتح إلا لمن يعرف خمسة أسرار: سر الماء، سر النار، سر التراب، سر الهواء... وسر الفضة."
"الفضة؟" تكرر حاحي.
"نعم. الفضة هي رمز الخيانة في ثقافتنا. الخيانة التي بيعت بها الحقيقة الأولى. لذلك الباب الأخير لا يفتح إلا بقطرة دم من خائن وقطرة حليب من أم ثكلى."
"ومَن مِنّا سيقدم دمه؟" سأل حاحي، رغم أنه عرف الإجابة قبل أن تلفظها.
نظرت إليه نفرت-إيبي ونظرتها تحمل حزناً عميقاً، حزناً يليق بامرأة فقدت كل شيء باستثناء الأمل.
"أنت يا حاحي. لأنك أكبر خائن في هذه المدينة. أنت تخون الحقيقة كل يوم، ساعة بعد ساعة، كلمة بعد كلمة، عندما تعيد كتابة سجلاتنا. دمك هو المفتاح."
……..
الفصل الرابع: قاعة المرايا – حكاية مرآة مكسورة
قاعة المرايا هي قلب القصر السياسي النابض. سميت بذلك لأن جدرانها الأربعة مغطاة بمرايا ضخمة من الفضة المصقولة، تعكس من يجلس فيها آلاف المرات، فيتوه بين نسخه المتعددة. في هذه القاعة تُتخذ القرارات المصيرية لأور-آمون. هنا يجتمع المجلس الثلاثي: حامي الميزان (وهو الفرعون الحاكم)، ومدير شركة الخليج المتحدة (وهو رجل غامض لا يعرف أحد وجهه الحقيقي، يظهر دائماً خلف ستار من الدخان العطري)، وكاهن السجلات الأعلى (وهو الذي يملك الكلمة الأخيرة في كل شيء).
حدث أن استدعي حاحي إلى قاعة المرايا بعد لقائه بنفرت-إيبي بأربعة أيام. لم يكن يدري لماذا. هل كُشف أمره؟ هل كانت هناك عين تراقب لقاءه في سوق الأقنعة؟
دخل القاعة. الجو كان ثقيلاً برائحة البخور الهندي. تقدم إلى منتصف القاعة، حيث كرسي من العاج الخالص، جالس عليه حامي الميزان. بجانبه، خلف الستار، كان هناك ظل لرجل – مدير شركة الخليج المتحدة. وفي الزاوية البعيدة، يقف كاهن السجلات الأعلى، بعينيه الزرقاوين المخيفتين.
"يا حاحي" ، بدأ حامي الميزان. صوته جهوري، لكنه كان يحمل طفيفاً من التعب. "لدينا مهمة صعبة نريدك أن تقوم بها."
"تفضل سيدي" ، قال حاحي، منحنياً.
"أنت تعرف أن مملكة جبال القمر التي كنا في حالة حرب معها قد استسلمت فعلياً. جيوشنا تحاصر عاصمتها. لكن هناك مشكلة: الدمية التي ركبناها لحكم المملكة بعد سقوطها بدأت تمتنع عن تنفيذ أوامرنا."
حاحي يفهم الكلام. "الدمية" كانوا يسمونها "الملك-الظل" ، رجل خائن من النخبة الجبلية، دفعوا له ملايين قطع الفضة ليكون حاكمًا صورياً بعد الاحتلال.
"الملك-الظل" ، واصل حامي الميزان، "بدأ يتحدث في الخفاء مع قادة المقاومة المتبقين. نحن نريدك أن ترسل له رسالة سرية عبر حمامة زاجل، تحتوي على تهديد: إما أن يوقع على وثيقة التنازل النهائي عن سيادة مملكته لصالح شركة الخليج المتحدة، أو سننشر السجلات الحقيقية لمسيرته القذرة."
حاحي عرف ما تعنيه "السجلات الحقيقية". هو من زوّرها بنفسه قبل ثلاث سنوات. سجلات تظهر أن الملك-الظل قد قتل أباه وأمه ليسوم لنيل العرش. كذب بالطبع، لكنه كذب موثّق بختم القصر، وبالتالي أصبح حقيقة قانونية.
"متى أرسلها؟" سأل حاحي.
"الليلة" ، قالت شركة الخليج المتحدة من خلف ستارها. صوته كان مرتفعاً، معدنيّاً، كأنه آلة تتكلم. "قبل أن يطلع القمر."
حاحي أومأ برأسه، وغادر القاعة. لكن في قلبه، كان يفكر بشيء آخر. كان يفكر بأن نفرت-إيبي كانت على حق: الخيانة هي عملته اليومية. لكن السؤال ليس: هل يخون حاحي؟ السؤال هو: من يخون ومن يخلص له؟
عند منتصف الليل، لم ترسل الحمامة الذاهبة إلى مملكة جبال القمر أبداً. بدلاً من ذلك، ذهب حاحي إلى مقبرة الكتبة مرة أخرى، حاملاً صندوقه الخشبي.
وجده هناك ينتظره – ليس نفرت-إيبي هذه المرة، بل كاهن السجلات الأعلى نفسه.
"كنت أعلم أنك ستأتي إلى هنا" ، قال الكاهن العجوز. عيناه الزرقاوان تتوهجان في الظلام.
"كيف عرفت؟" سأل حاحي، ولم يخف خوفه.
"لأنني أنا الذي أرسلت لك نفرت-إيبي."
صدم حاحي. كاد يقع على ركبتيه.
"نعم" ، واصل الكاهن. "أنا أنوبيس الحقيقي. أنا الذي أرسلت المرأة لتوقظ فيك ما تبقى من روح جدك المعماري. لأن الوقت قد حان لتكشف الحقيقة... ليس حقيقة مملكة جبال القمر أو حقيقة أور-آمون... بل حقيقة نفسك."
أخرج الكاهن مفتاحاً فضياً من تحت ردائه. وضعه في يد حاحي.
"هذا مفتاح القبو الذي تحدثت عنه نفرت-إيبي. لكن القبو ليس تحت القصر، بل تحت مقبرة الكتبة نفسها. تحت هذه البئر الجافة التي تبكي كل ليلة."
"لماذا الآن؟" سأل حاحي بصوت مرتجف.
"لأن حامي الميزان وشركة الخليج المتحدة سيقتلان بعضهما البعض خلال أسابيع. الخلاف بينهما على غنائم مملكة جبال القمر قد وصل إلى ذروته. التضخم في أور-آمون يلتهم جيوب حتى الأغنياء، والمحميات الخليجية بدأت ترسل رسائل سرية إلى أعدائنا القدامى. إسرائيل في الشمال تترنح تحت ضربات المقاومة. أمريكا – الإمبراطورية البيضاء – تعاني من انقسامات داخلية لم تشهدها منذ حربها الأهلية قبل قرنين. العالم يتغير يا حاحي. وهذه هي اللحظة المناسبة لفتح تابوت الحقيقة."
نظر حاحي إلى البئر. كانت لا تزال تبكي. لكنه الآن سمع في بكائها شيئاً لم يسمعه من قبل: لحناً. لحناً غريباً، شبيهاً بأغاني الحارة التي تهمس بها الأمهات لأطفالهن قبل النوم.
نزل إلى البئر.
……..
الفصل الخامس: تابوت الفرعون المخلوع
لم يكن النزول سهلاً. البئر عميقة، وجدرانها زلقة من ندى عمره قرون. تعلق حاحي بالحبال التي أنزلها الكاهن، وهو يسمع أصواتاً تهمس من كل فجوة: أصوات من قتلوا ومن نسوا ومن محيت كتاباتهم.
بعد ما بدا كساعات، وصل إلى قاع البئر. هناك، في غرفة صغيرة مضاءة بفطر متوهج غريب، وجد تابوتاً حجرياً ضخماً. على غطائه، نقوش لم ير مثلها قط. لم تكن الهيروغليفية المعتادة، بل كتابة أصلية، كان جده المعماري قد اخترعها قبل أن يموت. حاحي كان يعرفها، لأنه تعلمها منه عندما كان طفلاً صغيراً.
قرأ نقشاً على جانب التابوت:
"هنا يرقد الفرعون بيبي-نفر-كا-رع، آخر حكام وادي النيل العادلين. قتلته مؤامرة من كهنة آمون وتجار آسيا. أرشيفه الحقيقي مدفون معه. من يفتح هذا التابوت فليعلم أنه يفتح باباً لا يمكن غلقه أبداً: باب العدالة."
بمفتاح الفضة الذي أعطاه الكاهن، فتح حاحي التابوت. لم يجد جثة، بل وجد كومة من اللفائف، مئات اللفائف، مرتبة بدقة. ووجد أيضاً شيئاً آخر: جمجمة صغيرة، لطفل، مع قلادة من العقيق الأحمر تكتب عليها كلمة واحدة: "نحن" .
بدأ حاحي يقرأ. اللفائف كانت تسجيلات يومية لفرعون عاش قبل ألف عام، فرعون حاول أن يقاوم صعود تجار البحر والنخبة الدينية الفاسدة. فرعون اكتشف أن أسرار السيطرة على العالم تكمن ليس في الذهب ولا في الجيوش، بل في ثلاث أدوات بسيطة:
1. الديون – اجعل الفقير مديناً للأبد، وسيكون عبداً بلا قيود.
2. الخوف – أخترع عدواً خارقاً يهدد المدينة، وسيتخلى الناس عن حريتهم طواعية.
3. الذاكرة الزائفة – اقنع الناس أن الماضي كان أسوأ مما هو عليه، والحاضر أفضل مما يستحق، والمستقبل لا يمكن تغييره.
الفرعون بيبي-نفر-كا-رع كتب في إحدى لفافاته:
"جربت أن أحاربهم بقوانين العدل، فقلبوا القوانين ضدي. جربت أن أحاربهم بجيش مخلص، فاشتروا قادتي بالفضة. جربت أن أحاربهم بالخطابة، فاشتروا سوقة الناس بالخبز. لم يبق لي إلا أن أحاربهم بالذاكرة. سأدفن هذه اللفائف في مكان لا يعرفونه، وأنتظر أن يأتي من يستخرجها في زمن مختلف، زمن تكون فيه الحقيقة قد عادت لتكون أغلى من الفضة."
حاحي قضى الليل كله يقرأ. وعندما طلع الفجر، صعد من البئر وكأنه إنسان آخر. لم يعد أمين سجلات الإمبراطورية الخاضع، بل صار حامل الذاكرة.
وجد نفرت-إيبي تنتظره عند فوهة البئر. كانت ترتدي هذه المرة ألوان الحارة: الأحمر للدم الزكي، والأسود للحزن الطويل، والأخضر للأمل الذي لا يموت.
"ماذا رأيت؟" سألت.
"رأيت أن جدكم لم يكن وحده" ، قال حاحي. "هناك في الأسفل، ليست فقط حكاية فرعون مخلوع. هناك مئات القصص. قصص المدن التي احتلت وحرقت مكتباتها. قصص الشعوب التي محيت أسماءها من الخرائط. قصص آلهة مزيفة خلقها أناس مثلي – كتاب مزورون – لإضفاء شرعية على الظلم.
أراد أن يستمر، لكنه انفجر باكياً. باكياً لأول مرة منذ كان طفلاً.
نفرت-إيبي لم تقل شيئاً. فقط وضعت يدها على كتفه. وكانت يدها دافئة، رغم برودة فجر الصحراء.
……..
الخاتمة: أول قطرة مطر
بعد ثلاثة أيام، بدأت تظهر في أزقة أور-آمون كتابات غريبة على الجدران. كتابات بقلم حاحي، لكن بدون توقيعه. كانت مقتبسة من لفائف الفرعون المخلوع. كتبت الجملة الأولى:
"كل مدينة تبنى على عظام. بعضها يبني على عظام الأبطال، فيصير الأبطال جزءاً من حجارتها. وبعضها يبني على عظام الضحايا، فيصير الضحايا أشباحاً تطارد أحلام سكانها. مدينتكم تبنى على عظام الضحايا. حان الوقت لأن تتعلم الأشباح كيف تصرخ."
حراس حامي الميزان حاولوا محو الكتابات، لكنها كانت تظهر من جديد في الصباح، في أماكن أخرى، بخطوط مختلفة. بدأ الناس يتهامسون: هناك من يكتب خارج السجلات.
في القصر، اجتمع المجلس الثلاثي في حالة ذهول. كاهن السجلات الأعلى – الذي كان يعرف كل شيء – لم يقل شيئاً. فقط ابتسم ابتسامة عرفها حاحي منذ الصغر: ابتسامة من يعرف أن نهاية العالم الذي بناه قد اقتربت.
في حارة الجرح المفتوح، جلست نفرت-إيبي على سطح منزلها، تنظر إلى السماء. كانت السماء صافية، إلا من سحابة صغيرة بعيدة. سحابة لم ير مثلها أحد في أور-آمون منذ زمن طويل.
"إنها تمطر" ، همست لنفسها.
ولم تكن تعرف إن كانت هذه السحابة تحمل مطراً حقيقياً، أم أنها مجرد استعارة لعيون حاحي التي تعلمت البكاء أخيراً.
في الغرفة تحت الأرض، تحت قصر المرايا، كان هناك صندوق آخر لم يفتح بعد. صندوق أكبر، أقدم. كتب عليه:
"هنا يرقد سر الخمسة آلاف سنة الأخيرة. من يفتح هذا فليستعد لرؤية وجه الإله الحقيقي. والإله الحقيقي ليس رحيماً."
حاحي ترك الصندوق مغلقاً. ليس خوفاً، بل لأنه عرف أن بعض الأسرار لا تفتح دفعة واحدة. الأسرار الكبرى تفتح كالبصلة: طبقة بعد طبقة، وكل طبقة تجعلك تبكي أكثر.
أخذ نفساً عميقاً، وأخرج من جيبه قلمه الجديد – ليس قلماً عادياً، بل قلماً من عظم نسر، صنعته نفرت-إيبي بنفسها.
وبدأ يكتب.
يكتب رواية جديدة لتاريخ أور-آمون. ليس الرواية التي أمر بها، بل الرواية التي كان جده المعماري يحلم بها.
يكتب:
"في البدء كانت الكلمة. والكلمة كانت حقاً. والحق كان مع الله. والله كان ضد كل من يستخدم اسمه لنهب أرامل الفقراء. والله كان ضد كل من يستخدم اسمه لتبرير الحروب. والله كان ضد كل من يستخدم اسمه لشراء ضمائر الحكام. والله كان – وسيظل – في صف من يقفون وحدهم ضد جيوش الظلام، حتى لو جيوش الظلام ترتدي ثياب الأنبياء."
يكتب، وأصابعه ترتجف، لا من الخوف، بل من الرهبة.
يكتب، وعيناه مليئتان بدموع لم يبكها قط.
يكتب، وصوت البئر الباكي يتحول في أذنيه إلى ترنيمة:
"لا إله إلا الحقيقة. الحقيقة أكبر من كل الأقنعة. الحقيقة أكبر من كل السجلات. الحقيقة لا تُكتب. الحقيقة تُعاش. ومن عاشها مات حراً. ومن مات حراً لم يمت أبداً."
…..
نهاية الجزء الأول
(يتبع الجزء الثاني: "سيف المرايا - حكاية الملك-الظل" )
ملاحظة: الجزء الثاني سيبدأ بعد ستة أشهر من نهاية الجزء الأول، حيث يتولى حاحي مهمة جديدة: تدريب نفرت-إيبي على القراءة والكتابة، بينما تتصاعد الحرب بين حامي الميزان وشركة الخليج المتحدة على خلفية انهيار العملة في أور-آمون، وتظهر شخصية جديدة: الملك-الظل الذي هرب من مملكة جبال القمر بعد أن خانه حلفاؤه، ويطلب اللجوء في حارة الجرح المفتوح.
…….
سيف المرايا – حكاية الملك-الظل
الجزء الثاني
……
الفصل الأول: الهارب الذي جاء من المطر
بعد ستة أشهر من فتح تابوت الفرعون المخلوع، تغيرت أور-آمون تغيراً لم تشهده منذ تأسيسها. لم يكن التغيير في شكل المدينة بقدر ما كان في هواءها. صار الهواء أثقل، كأنه يحمل همس أسئلة لم يجرؤ أحد على نطقها من قبل: من يكتب تاريخنا؟ وعلى أي ذرية من دماء يكتبه؟
في حارة الجرح المفتوح، كانت نفرت-إيبي تتعلم القراءة. لم يكن الأمر سهلاً. أصابعها الغليظة، التي قضت عمراً في عجن الخبز وغسل الملابس وحمل موتى الحارة إلى المقبرة الجماعية، كانت تتمرد على رقة حبر القصب. لكنها كانت تحفظ. كل حرف تتعلمه كان يحفر في ذاكرتها كما يحفر النقاش على حجر بازلت. وكان حاحي، في غرفته الصغيرة المستعارة في بيت نفرت-إيبي، يعلمها بصبر الجلاد الذي قرر أن يصبح طبيباً.
"هذا هو حرف الألف" ، قال مرة، وهو يرسم على لوح من خشب الجميز. "الألف يرمز إلى الثور. لماذا الثور؟ لأن الثور هو أول ضحايا المعبد. في كل عيد للربيع، كان الكهنة يذبحون ثوراً أسود، ويوزعون لحمه على الأغنياء فقط. الفقراء كانوا يحصلون على العظام ليطحنوها خبزاً. الألف هو تذكير بأن أول من يدفع الثمن هم الأقوياء الجسماً، الضعفاء سلاحاً."
نظرت نفرت-إيبي إلى الحرف. رأت فيه ليس ثوراً، بل جدها الذي مات في مناجم النحب، جسده القوي الذي تحول إلى هيكل عظمي قبل أن يتحول إلى تراب.
"أنا لا أريد أن أتعلم القراءة لأقرأ سجلاتكم المزورة" ، قالت بصوت خشن. "أريد أن أتعلم لأكتب سجلاتنا الحقيقية. عندما أتقن الحروف، سأكتب على جلد غنيمي قصة كل طفل مات في الحارة قبل أن يتم عامه الأول. سأكتب أسمائهم واحداً واحداً. سيجدونها بعد مئة عام، وسيعرفون أننا لم نكن أرقاماً في تقرير حاحي عن إنتاجية الألم. كنا بشراً."
حاحي لم يرد. كان يعلم أنها على حق. كل تقرير كتبه في حياته كان يحول البشر إلى أرقام، والجثث إلى إحصائيات، والدماء إلى مؤشرات اقتصادية. كان ماهراً في ذلك. ربما كان أمهر كاتب في تاريخ أور-آمون. وهذا هو بالضبط ما جعله يستحق أن يكون الآن طريداً.
فقد أعلن حامي الميزان قبل شهرين أن حاحي خائن للمصلحة العليا، ووضع مكافأة لرأسه: عشرة آلاف قطعة فضية، حياً أو ميتاً. وكان مدير شركة الخليج المتحدة قد أضاف من عنده: من يسلم حاحي سيحصل على منصب كتبة دائم في القصر، مع إعفاء ضريبي مدى الحياة.
لكن لم يسلمه أحد. لا من الحارة، ولا من سوق الأقنعة، ولا حتى من بين حراس القصر أنفسهم، الذين بدأوا يتساءلون: إذا كان حاحي – أمين السجلات الأكثر ولاءً – قد خانه، فماذا تبقى من حقيقة؟
في إحدى ليالي الشتاء القارس، حين كانت الرياح تهب من جبال الشمال حاملة رائحة الملح والحديد، حدث ما لم يتوقعه أحد: طرقت باب نفرت-إيبي ثلاث طرقات متقطعة، ثم سكتت، ثم طرقت اثنتين، ثم سكتت، ثم واحدة. كانت تلك شفرة الحارة التي تعني: لاجئ من خارج الجدران، بلا سلاح، يحتاج ماء وستراً.
نفرت-إيبي فتحت الباب. رأت رجلاً طويل القامة، نحيلاً كالنخلة الجائعة، عيناه غائرتان كأنهما لم تناما منذ شهور. كان يرتدي عباءة ممزقة، لا تليق بأصل الرداء الذي كان تحتها – رداء من حرير جبال القمر، من النوع الذي لا يرتديه إلا الملوك وكبار الكهنة.
"أنا الملك-الظل" ، قال الرجل بصوت بحة من العطش والبرد. "لقد جئت من مملكتي التي احتلتها إمبراطوريتكم. جئت أطلب ملجأ في حارة الجرح المفتوح. ليس لدي ما أدفعه إلا الحقيقة. ولكن الحقيقة يا سيدتي، في زمن كهذا، قد تكون أثمن من الفضة."
……
الفصل الثاني: وليمة الذئاب حول جثة الأسد
دخل الملك-الظل حارة الجرح المفتوح كمن يدخل قبره مختاراً. كان يعلم أن وجوده هناك حكم عليه بالإعدام إن اكتشفه حراس حامي الميزان. لكنه كان يعلم أيضاً أن عودته إلى مملكة جبال القمر تعني موتاً أبطأ وأكثر قسوة: موت الكرامة.
في مجلس الحارة – الذي كان يعقد في الطابق السفلي من بيت عجوز تدعى أم حنين، كانت الحارة تنتخبها كل سنة لتكون حكمها في النزاعات – جلس الملك-الظل أمام حاحي ونفرت-إيبي وكبار الحارة. كان المكان معتماً، يضيئه فقط فانوس زيتي واحد، ودخانه يصعد إلى السقف كأنه روح تحاول الهروب.
"قل لنا لماذا هربت" ، قال حاحي. "أنت كنت دمية القصر. أنت الذي وقعت على وثيقة التنازل عن سيادة مملكتك. أنت الذي قبلت أن تكون حاكماً صورياً تحت إمرة شركة الخليج المتحدة. ماذا حدث؟ نفد صبر سادتك عليك؟"
ضحك الملك-الظل. ضحكة مَنْ رأى أشياء لا تُضحك، لكنه تعلم أن الضحك هو الطريقة الوحيدة لئلا يبكي.
"سادتي؟" قال. "يا سيد أمين السجلات السابق، أتدري ماذا حدث لسادتي؟ إنهم يقتلون بعضهم البعض الآن. حامي الميزان اتهم شركة الخليج المتحدة بسرقة 40% من عائدات نفط مملكتي. وشركة الخليج المتحدة ردت بقطع الكهرباء عن القصر لمدة ثلاثة أيام. ثم حامي الميزان أمر باعتقال مدير الشركة، لكن مدير الشركة كان قد غادر القصر قبل ساعات، وترك رسماً كاريكاتورياً لحامي الميزان على هيئة خنزير يأكل من مذود ذهبي."
"هذه نكتة قديمة" ، قالت نفرت-إيبي. "في حارتنا، نرسم حامي الميزان على هيئة خنزير منذ عشرين سنة. الفرق أننا نرسمه على جدران الحمامات، أما مدير الشركة فرسمه على ورق بردي معتمد."
الملك-الظل نظر إليها نظرة تقدير. "أنتِ امرأة لا تخافين. هذا نادر في زمن أصبح فيه الخوف عملة متداولة كالفضة."
ثم أخرج من جيبه الداخلي لفافة صغيرة، ملفوفة بإحكام، مختومة بخمسة أختام: ختم حامي الميزان، وختم شركة الخليج المتحدة، وختم كاهن السجلات الأعلى، وختم مملكة البرجين (إسرائيل في الشمال)، وختم الإمبراطورية البيضاء (أمريكا).
"هذه وثيقة تقسيم جبال القمر الأصلية. ليست النسخة المزيفة التي نُشرت في الصحف الرسمية. هذه هي النسخة الحقيقية. فيها تفاصيل عن كيفية توزيع الغنائم. فيها بند سري يقول: بعد القضاء على المقاومة، سيتم تهجير سكان ثلاث مدن كاملة إلى صحراء غرب-أمون، وتحويل أراضيهم إلى قواعد عسكرية دائمة للقوات المشتركة بين الإمبراطورية البيضاء ومملكة البرجين."
حاحي تمدد يده ليأخذ اللفافة، لكن الملك-الظل شدها إليه.
"لن أعطيها مجاناً. أنا هارب، لكني لست متسولاً. أريد شيئاً مقابلها."
"ماذا؟" سأل حاحي.
"أريد جذور شجرة الجميز التي تنمو في فناء مسجد الحارة."
صمت المجلس. نظر الحضور إلى بعضهم البعض. جذور شجرة الجميز ليست كنزاً. لكن في ثقافة الحارة، جذور تلك الشجرة بالتحديد كانت تستخدم في طقوس قديمة: طقوس كشف الكذب. من يشرب مغلي تلك الجذور، لا يستطيع أن يقول كذبة واحدة لمدة ثلاثين يوماً. وكانت الحارة تستخدمها فقط في أخطر النزاعات، عندما يكون الشك أكبر من اليقين.
"أنت تريد أن تشرب من الجذور؟" قال حاحي. "لترانا هل نصدق وثيقتك؟"
"لا" ، قال الملك-الظل. "أريد أن تشربوها أنتم، كي تعرفوا أنني أقول الحقيقة. لأن الحقيقة التي سأقولها لكم لن تروق لأحد. ستحرق آذانكم. لكنها الحقيقة. وحقيقة زمن الحرب هي أغلى من الذهب، لأنها وحدها القادرة على إنهاء الحرب."
نظر حاحي إلى نفرت-إيبي. أومأت برأسها. نهضت، وخرجت، وعادت بعد لحظات حاملة كوزاً فخارياً صغيراً، فيه سائل أسود كثيف، رائحته كرائحة الأرض بعد المطر الأول.
شرب الجميع. حتى الملك-الظل شرب، ليثبت أنه لا يخشى حقيقته هو أيضاً.
ثم بدأ بالكلام.
…….
الفصل الثالث: قصة النسرين
" في جبال القمر، قبل أن يولد كل ملك، يموت نسر. هكذا تقول الأسطورة. والنسر الذي يموت من أجل ولادة ملك يتحول إلى طائر الروح، يرافق الملك طوال حياته، يراه وحده، ويتكلم معه في أحلامه. أنا ولدت ومات نسران: واحد أبيض وواحد أسود. الأبيض صرخ عند موته: 'ستكون عادلاً.' والأسود صرخ: 'ستكون خائناً.' وعشت طوال حياتي ممزقاً بين الصرخة الأولى والثانية."
كانت القصص التي يرويها الملك-الظل عن طفولته في جبال القمر تشبه حكايات ألف ليلة وليلة، لكنها كانت حقيقية، لأن الرجل كان يشرب من جذور شجرة الجميز، والكذب مستحيل عليه.
قال إنه نشأ في قصر من المرمر الأبيض، تعلم الفروسية والرمي وأصول الخيانة من أفضل المعلمين. في سن الثانية عشرة، شاهد والده – الملك الشرعي – يُسمم أمام عينيه في وليمة أقامها تجار من مملكة البرجين. كان يرى والده يختنق، وعيناه تدمعان، ويداه تبحثان عن سيف لم يكن في حزامه. وكان التجار يضحكون، ويصفقون، ويقولون: "ها هو ملككم الجديد!"
في الثامنة عشرة، تزوج من امرأة أحبها، ابنة قائد الجيش. وبعد شهر من الزفاف، قُتل قائد الجيش في معركة ضد الإمبراطورية البيضاء. لكن الملك-الظل اكتشف لاحقاً أن قائد الجيش لم يقتل في المعركة، بل قتل برصاص صديق، صديق كان قد اشتراه تجار الخليج بسبائك ذهب.
"كل الذين أحببتهم ماتوا" ، قال بصوت أجش. "والدي، زوجتي، قائدي، حتى كلبي الذي علمته أن يصطاد الحجل. كلهم ماتوا. لم يبق لي إلا ابنتي الصغيرة، التي آوتها إحدى قرى الجبال بعد أن هربت من القصر حين بدأت المقاومة تنهار. لا أعرف إن كانت ما زالت حية. لكني أعرف أنها ستموت إن عدت إلى مملكتي الآن، لأنهم سيستخدمونها رهينة لأجبر على التوقيع على ما يريدون."
توقف. نظر إليه حاحي، ونفرت-إيبي، وأم حنين، وجماعة الحارة. كانت عيونهم كلها مصوبة نحوه، كأنهم يرون لأول مرة أن الدمى أيضاً تبكي.
"لماذا أتيت إلى هنا بالذات؟" سألت أم حنين، بأسنانها القليلة المتبقية. "أور-آمون ليست بلدك. حارتنا ليست حارتك. لماذا لا تذهب إلى جيرانك في الجنوب؟ إلى مملكة الأنهار الأربعة؟ أو إلى إمبراطورية الشرق العظمى؟"
"لأن جيرانكم في الجنوب يخافون. والإمبراطورية العظمى في الشرق مشغولة بحروبها الخاصة. لم يبق مكان في العالم لا يخضع لسادة المال سوى هذه الحارة. حارة الجرح المفتوح. حارة من لا شيء لهم، فلا يخافون على شيء. أنتم الوحيدون الذين لم يشترِهم أحد، لأن أثمنكم بخس في سوق الرقيق العالمي. وهذا هو بالضبط ما يجعلكم أحراراً."
امرأة من الحارة، تدعى تحرية، تدخلت قائلة: "نحن لسنا أحراراً. نحن فقراء. الفقر ليس حرية. الفقر هو ألا تستطيع أن تشتري دواء لابنك المحتضر، ولا كفناً لأبيك الميت."
"صحيح" ، قال الملك-الظل. "لكن الفقراء ليسوا بحاجة إلى أن يشتروا ضمائرهم. الأغنياء وحدهم من يشترون الضمائر. حامي الميزان اشترى ضميره بكمية الفضة التي في خزانته. مدير شركة الخليج المتحدة باع ضميره بصفقة نفط وهمية. رجال الدين في المعبد الكبير رهنوا ضمائرهم بمقعد في المجلس الثلاثي. أما أنتم... أنتم لا تملكون ما تبيعونه، لذلك أنتم الوحيدون الذين يملكون ضمائرهم."
كانت هذه الحقيقة مريرة كالصبر. لكنها كانت حقيقة. وفي حارة الجرح المفتوح، كانت المرارة نعمة، لأنها تذكرهم بأنهم لم يموتوا بعد.
…..
الفصل الرابع: الوثيقة التي هزت القصر
في اليوم التالي، بدأ حاحي بدراسة وثيقة تقسيم جبال القمر بالتفصيل. كانت مكتوبة بأربع لغات: لغة أور-آمون القديمة، لغة الإمبراطورية البيضاء، لغة مملكة البرجين، ولغة تجار الخليج. كل لغة كانت تحوي فقرة سرية لا توجد في اللغات الأخرى. وهذه الفقرات السرية كانت تشكل معاً صورة كاملة لمؤامرة كونية.
الفقرة السرية في لغة أور-آمون: تنص على أن حامي الميزان سيحصل على 15% من عائدات نفط جبال القمر لمدة 99 سنة، بشرط أن يقدم "تسهيلات لوجستية" لبناء قاعدة عسكرية ضخمة على بعد 50 كيلومتراً من العاصمة.
الفقرة السرية في لغة الإمبراطورية البيضاء: تنص على أن الإمبراطورية ستنشئ "منطقة حظر طيران" فوق كامل جبال القمر، وستحتفظ بحق استخدام 5 قواعد جوية بشكل دائم، مع حصانة كاملة لجنودها من أي محاكمة محلية.
الفقرة السرية في لغة مملكة البرجين: تنص على أن الـ 10% من عائدات النفط ستخصص لـ "صندوق استيطاني" يهدف إلى بناء مستوطنات لمواطني مملكة البرجين في أراضي جبال القمر الخصبة، مع توفير حماية عسكرية شاملة لهذه المستوطنات.
الفقرة السرية في لغة تجار الخليج: تنص على أن شركات الخليج ستحصل على حق استخراج وتكرير وتوزيع كل ثروات جبال القمر المعدنية (وليس النفط فقط، بل النحاس واليورانيوم والذهب)، مع إعفاء كامل من الضرائب لمدة 50 سنة، وحق استخدام القوة الخاصة لحماية منشآتها.
"هذه ليست اتفاقية تقسيم" ، قال حاحي لنفرت-إيبي بعد أن قرأ الوثيقة ثلاث مرات. "هذه وصية على مملكة حية. كأنهم يكتبون وصية مريض قبل أن يموت، لكن المريض لم يمت بعد. ما زالت المقاومة في جبال القمر تقاتل. ما زال هناك جيش في الجبال يطلق الصواريخ على قوات الاحتلال. ما زال الأطفال يلقون الحجارة على الدبابات. كيف يكتبون وصية على أمة لم تمت؟"
"لأنهم يتعاملون مع الشعوب كما تتعاملون أنتم مع الأرقام في تقاريركم" ، قالت نفرت-إيبي بحدة. "هم لا يرون الجبال. يرون احتياطي نحاس. لا يرون الناس. يرون عمالة رخيصة. لا يرون التاريخ. يرون فراغاً يمكن ملؤه بأي رواية يريدون."
وقفت نفرت-إيبي، وبدأت تمشي في الغرفة الصغيرة جيئة وذهاباً. كانت عيناها تلمعان بذلك البريق الذي رأه حاحي من قبل، بريق من يوشك أن يكتشف شيئاً.
"اسمع يا حاحي" ، قالت. "هذه الوثيقة لا تخص جبال القمر فقط. هذه الوثيقة هي نموذج، نموذج يُطبق الآن في كل مكان. في سوريا التي مزقوها، في ليبيا التي أحرقوها، في اليمن الذي جوعوه، وفي إيران التي يحاصرونها الآن. كلها نفس الوثيقة، بأسماء مختلفة، وتواقيع مختلفة، وبنود مختلفة قليلاً. لكن الجوهر واحد: تقسيم الثروة بين نخبة عالمية صغيرة، على حساب دماء الشعوب."
حاحي صمت. كان يعرف ذلك. لكن سماعه من امرأة أمية بالأمس فقط (أمية بالأمس، لكنها أصبحت اليوم تقرأ وتكتب) كان له وقع مختلف. كان وقع الحقيقة التي تأتي من خارج السجلات، من براري الجسد والذاكرة، حيث لا تزوير ولا تحريف.
"إذا نشرنا هذه الوثيقة" ، قال حاحي، "سيقتلنا المجلس الثلاثي. ليس فقط أنا وأنت، بل كل من قرأها. سيدمرون الحارة بأكملها. سيحرقونها بالأرض، ويقولون إن حريقاً شب بسبب تماس كهربائي، وسينعون أطفالنا في جريدة القصر، وبكاؤهم سيكون مزيفاً ككل شيء."
"أعلم" ، قالت نفرت-إيبي. "لكن هناك شيء لا تعرفه عن حارتنا يا سيد أمين السجلات: نحن نعرف كيف نموت. لقد تدربنا على الموت طوال حياتنا. الموت جارنا. الموت صديق طفولتنا. الموت هو الأب الذي لم نعرفه والأم التي ماتت وأرضعتنا حليباً مسموماً. نحن لسنا خائفين من الموت. نحن خائفون من شيء واحد فقط: أن نموت دون أن نعرف لماذا."
هنا، في هذه اللحظة بالذات، حدث ما لم يكن في الحسبان. دخلت طفلة صغيرة – ابنة أم حنين، تدعى فريال، لا يتجاوز عمرها الثماني سنوات – وكانت تحمل صحيفة القصر الصباحية. كانت الصحيفة لا تزال تفوح برائحة الحبر الطازج.
"خالة نفرت" ، قالت الطفلة بصوتها البريء. "انظري. هناك صورتك في الجريدة."
أخذت نفرت-إيبي الصحيفة. تصدر الصفحة الأولى عنوان عريض:
"الإرهابية نفرت-إيبي، عرابة حارة الجرح المفتوح، متهمة بالتآمر مع أعداء الوطن. مكافأة: 50 ألف قطعة فضية لمن يسلمها حية."
تحت العنوان، صورة مرسومة لنفرت-إيبي، تشبهها إلى حد كبير، لكن عينيها كانتا مرسومتين بشكل جعلها تبدو كمجنونة، كتلك الصور التي يرسمها جواسيس القصر لتشويه سمعة الثوار.
نظرت نفرت-إيبي إلى الرسم. ثم نظرت إلى حاحي.
"لقد حان الوقت" ، قالت بهدوء مخيف. "فأل خير أن يضعوا صورتي في الجريدة قبل أن أموت. سأقتل مرتين: مرة في الواقع، ومرة في السجلات. لكنهم قد نسوا شيئاً: أنا امرأة من الحارة. وأهل الحارة لا يموتون حقاً إلا عندما ينسى آخر من عرفهم أسمائهم."
أخذت لفافة وثيقة تقسيم جبال القمر، وطوتها، ووضعتها في حقيبة جلدية صغيرة علقتها على صدرها.
"سأذهب إلى سوق الأقنعة" ، قالت. "هناك ناسخ سري، يعمل ليلاً، ينسخ الوثائق المحرمة بخمس نسخ. سأعطيه هذه الوثيقة، وسينسخها، وسنوزع النسخ على القنوات السرية في كل أزقة أور-آمون. حتى لو قتلوني، ستبقى الوثيقة. وحتى لو أحرقوا النسخ الخمس، سنحفظها في ذاكرتنا، كما حفظنا خريطة أور-آمون على جلودنا."
حاحي أراد أن يمنعها. أراد أن يقول لها: "هذا انتحار." لكنه لم يفعل. لأنه أدرك أن نفرت-إيبي لم تكن تبحث عن حياة طويلة. كانت تبحث عن معنى لحياتها القصيرة. وهذا المعنى كان الآن بين يديها، على شكل لفافة بردي صفراء، مختومة بخمسة أختام كاذبة.
وقف حاحي. مشى نحوها. وضع يده على كتفها.
"سأذهب معك" ، قال.
"لا" ، قالت بحسم. "أنت مطلوب أيضاً. اثنان معاً سهل قتلهما. منفردين أصعب."
"ولكن..."
"لا ولكن يا حاحي. أنت لست مقاتلاً. أنت كاتب. عملك هنا: أكتب. أكتب تاريخنا الحقيقي. أكتب كل ما تراه وتسمعه. اكتب حتى لو كان القلم سقط من يدك من التعب. اكتب حتى لو كان أصابعك تنزف. لأنك إذا توقفت عن الكتابة، سنموت جميعاً مرتين: مرة في الجسد، ومرة في الذاكرة. والموت في الذاكرة هو الأسوأ."
ثم خرجت.
خرجت نفرت-إيبي إلى برد أور-آمون الليلي، وحيدة، بلا سلاح سوى وثيقة وذاكرة جسد مرسوم عليه خريطة كل المقابر الجماعية في المدينة.
……..
الفصل الخامس: ليلة الرماد
لم تعد نفرت-إيبي تلك الليلة. ولا الليلة التي تليها. ولا التي تليها.
في الصباح الثالث، جاءت فريال – ابنة أم حنين – تركض إلى حيث يجلس حاحي، وعيناها مملوءتان دموعاً لم تنزل بعد.
"وجدوها" ، قالت بصوت متقطع. "وجدوا خالة نفرت. معلقة على باب القصر الجنوبي. جرداء. عليها أثر حرق. وفمها مفتوح كأنها كانت تصرخ."
حاحي لم يتحرك. جلس مكانه كأنه تحول إلى تمثال من ملح. لم يبك. لم يصرخ. لم يقل شيئاً. فقط أخذ قلمه الذي صنعته نفرت-إيبي من عظم النسر، وفتح لوحه الخشبي، وبدأ يكتب.
كتب:
"اليوم الثالث من شهر الحصاد، سنة 143 من تأسيس أور-آمون. الساعة: لم تعد تعني شيئاً. المكان: حارة الجرح المفتوح، حيث تنبع رائحة الأمل من بين شقوق الجدران المهددة بالسقوط.
قتلت نفرت-إيبي، ابنة الحارة، حافظة الخرائط البشرية، معلمة الحروف لأصابع كانت تعجن الخبز فقط. قتلوها لأنها حملت الحقيقة. قتلوها لأنها تعلمت كيف تقرأ فصار خطها يشبه خطوط وجوه الموتى. قتلوها لأنها شربت من جذور شجرة الجميز، وفقدت القدرة على الكذب، حتى في صمتها.
أنا حاحي بن المعماري، أمين السجلات السابق، أعلن اليوم أنني لن أكتب سجلاً واحداً بعد اليوم إلا إذا كان يخون من قتلوها. سأكتب تاريخاً مختلفاً. تاريخاً لا يبدأ من القصر ولا ينتهي عند جدرانه. سأكتب على جلد الغنم، وعلى ورق البردي المسروق، وعلى جدران الحمامات العامة إذا اضطررت. سأكتب حتى يقرأ العالم كله اسم نفرت-إيبي، ليس كضحية، بل كمعلِّمة، ليس كرقم في تقرير عن إنتاجية الألم، بل كامرأة علمت الموت أنه لا ينتصر أبداً طالما هناك من يكتب."
كتب. ولم يتوقف عن الكتابة حتى غابت الشمس، وحتى طلع القمر، وحتى نامت الحارة بأكملها، سوى بعض الكلاب الضالة التي كانت تعوي على جثة نفرت-إيبي المعلقة على باب القصر الجنوبي، كأنها تعلم أن ما يحدث هو أغنية حزينة، والحزين يحتاج إلى عويل.
في الليل، بينما كان حاحي يكتب، جاءه الملك-الظل. كان وجهه شاحباً، كأنه رأى شبحاً.
"هربت من القصر لأني عرفت أنهم سيقتلونني" ، قال بصوت خافت. "لكنني لم أتوقع أنهم سيقتلون غيري بهذه القسوة. نفرت-إيبي لم تكن عدوة لهم. كانت مجرد امرأة فقيرة تريد أن تتعلم القراءة. مثل ابنتي. ابنتي أيضاً كانت تريد أن تتعلم القراءة."
سقط الملك-الظل على ركبتيه. بدأ يبكي. لم يكن يبكي كرجل، بل كان يبكي كطفل فقد أمه في سوق مزدحم.
"أنا خائن" ، قال بين شهقاته. "لقد خنت شعبي مرات ومرات. لكنني الآن أريد أن أموت في شيء مفيد. علمني كيف أموت مثل نفرت-إيبي."
حاحي رفع رأسه من فوق لوحه. نظر في عيني الملك-الظل. رأى فيهما شيئاً لم يكن يراه في عيون أحد من قبل: رغبة حقيقية في الفداء.
"لن أُعلمك كيف تموت" ، قال حاحي. "سأُعلمك كيف تعيش. ستعيش. ستعود إلى جبال القمر. ليس كملك-ظل، بل كرجل عادي. ستنضم إلى المقاومة. ستحارب مع من قاتلوا ضدك بالأمس. ستعمل على تحرير بلدك. وعندما تتحرر جبال القمر، ستقف أمام محكمة الشعب، وتعترف بكل خياناتك، وتقبل حكمهم فيك، حتى لو كان الإعدام. هذا هو الطريق الوحيد لموت لا يخزيك."
الملك-الظل سكت. بدأ يفكر. ربما لأول مرة في حياته، يفكر ليس كملك، بل كإنسان.
ثم وقف. مسح دموعه بكمه.
"سأذهب" ، قال. "لكن قبل أن أذهب، هناك شيء يجب أن تعرفه. نفرت-إيبي لم تكن تحمل وثيقة تقسيم جبال القمر فقط عندما قتلوها. كانت تحمل شيئاً آخر. شيء رسمنه على جلدها، تحت خريطة أور-آمون. شيء لم يره أحد من قبل."
"ماذا؟"
"خريطة القبو الثاني. القبو الذي تحت قبو الفرعون المخلوع. القبو الذي يحوي صندوق العهد الحقيقي، وليس الصندوق المزيف الذي يعرضونه في المعبد. في ذلك القبو، يوجد مخطوط يقولون إنه كُتب قبل 5000 سنة. مخطوط يشرح أصل الخمسة آلاف سنة من الكذب المنظم."
أخذ الملك-الظل نفساً عميقاً.
"نفرت-إيبي قالت لي قبل أن تخرج في ليلتها الأخيرة: 'إذا مت، فقل لحاحي ينزل إلى البئر مرة أخرى. لكن هذه المرة، لا ينزل وحده. ينزل ومعه من يستطيع أن يقرأ ما لم يُكتب بعد.'"
حاحي نظر إلى القلم في يده. إلى لوحه الخشبي. إلى كلمات التي كتبها لتوها.
ثم نظر إلى البئر الباكي، الذي كان لا يزال يبكي، لكن بكاءه هذه المرة كان مختلفاً. كان بكاء من يبشر بولادة.
"سننزل غداً" ، قال حاحي. "ليس أنا وحدي، بل كل من في الحارة يستطيع أن يحفر. سننزل بمعاولنا، وسنفتح القبو الذي لا يظهر في أي خريطة رسمية. وسنخرج صندوق العهد الحقيقي، ليس لنعبده، بل لنقرأ ما فيه، ثم نكتبه على كل جدار في أور-آمون، حتى يعلم الجميع أنهم كانوا يعبدون إلهاً مزيفاً طوال هذه القرون."
وأضاف: "ولكن قبل أن ننزل، سأكتب شيئاً. سأكتب نعياً لنفرت-إيبي. ليس نعياً عادياً، بل نعياً يكون أول فصل من تاريخ أور-آمون الحقيقي."
وأمسك بقلمه، وكتب:
"هنا ترقد نفرت-إيبي، التي علَّمت الحروف حروفها. كانت لا تكتب إلا الحق، فقتلها الباطل. كانت لا تنطق إلا الصدق، فخنقها الزيف. كانت امرأة من طين هذه الأرض، فأعادوها إلى الطين. لكن الطين الذي منه صنعت، كان طيناً مقدساً، لأنها عجنته بدموع أطفال الحارة. والآن، أيها المار من هنا، لا تبك عليها. بل امضِ إلى أقرب جدار، واكتب عليه: نحن لن ننساها. وكل من يكتب اسماً منسيّاً، فإنه يخلق نبضاً جديداً في قلب الكون. وكان نبض نفرت-إيبي الآن يملأ أور-آمون، من قصرها إلى حارتها، ومن حارتها إلى أعماق بئرها الباكي. السلام على من علمتنا أن الكلمة الواحدة الصادقة تساوي جيشاً من الأقنعة."
…….
الخاتمة: القبو الذي لا يُغلق
في اليوم التالي، نزل حاحي والملك-الظل ومجموعة من رجال ونساء الحارة إلى بئر المقبرة. نزلوا ومعاولهم وفوانيسهم، ونزلت معهم فريال، الطفلة الصغيرة التي كانت أول من رأى صورة نفرت-إيبي في الجريدة.
قالت فريال وهم ينزلون: "خالة نفرت كانت تقول لي دائماً: 'من يقرأ، يصير سيد نفسه. ومن يكتب، يصير سيد غيره.' أنا سأقرأ كثيراً، وسأكتب أكثر. سأكتب قصة خالة نفرت، وقصة جدي الذي مات في المناجم، وقصة أمي التي تموت كل يوم وهي تحاول إطعامنا."
ضحك حاحي. ضحكة حزينة. لكنها كانت أول ضحكة يسمعها في أذنيه منذ أيام.
عند قاع البئر، وجدوا جداراً لم يكن موجوداً في المرة السابقة. كان الجدار مبنياً من حجارة سوداء لامعة، كأنها مصنوعة من زجاج بركاني. على الحجارة، نقش واحد فقط: عقرب يلدغ ذيله – نفس الختم الذي كان على الرسالة الأولى التي أوصلته إلى نفرت-إيبي.
قال الملك-الظل: "هذا رمز المكتبة المحرمة. يقولون إن كل جيل يبني حجرة واحدة في هذه المكتبة، ويخبئ فيها ما لا يريد أن يصل إلى الجيل التالي. إذا فتحنا هذا الجدار، فسنرى كنزاً ليس من ذهب، بل من كلمات. كلمات خطيرة جداً، لدرجة أن من قرأها لا يستطيع أن يعيش في سلام بعدها."
حاحي تقدم. وضع يده على الحجر الأسود. كان الحجر بارداً، لكنه كان يهتز كأنه قلب كائن حي.
"أنا لست بحاجة إلى السلام" ، قال حاحي. "السلام زائف في مدينة مثل أور-آمون. السلام الحقيقي هو عندما تنتهي الحاجة إلى كتابة التاريخ مرتين."
ودفع الحجر.
فتح الجدار.
ومن خلفه، لم يكن هناك ظلمة.
كان هناك نور – نور أبيض ساطع، مبهر، كأنه نور ألف شمس في آن واحد. وفي وسط النور، كان هناك صندوق. ليس صندوقاً خشبياً، بل صندوقاً من الكريستال الصافي، شفافاً تماماً، يمكن رؤية ما بداخله بوضوح: لفافة واحدة فقط، لكنها لم تكن من ورق بردي، بل من جلد إنسان، مكتوب عليها بحبر لا يمحى:
"وصية آدم الأول: أيها الذين سيأتون بعدي، لا تصدقوا أحداً يقول إنه يعرف الحقيقة المطلقة. الحقيقة المطلقة هي أن الحقيقةنسبية، فيما عدا حقيقة واحدة: أن الألم حقيقي. والألم الذي تشعر به أنت ليس أقل حقيقة من الألم الذي يشعر به جارك. والألم الذي يشعر به جارك البعيد في مملكة جبال القمر هو حقيقي مثله مثل ألمك أنت. ومن ينكر ألم الآخرين فهو كافر، حتى لو صلى ألف ركعة في المعبد الكبير. هذا هو الإنجيل الوحيد الذي يستحق أن يُكتب على جلد إنسان. فاحفظوه. وانشروه. ودعوا كل من يريد أن يضيف إلى هذا الإنجيل حرفاً واحداً، فليضف دمه أولاً."
وقف حاحي منبهراً. لم يكن يتوقع أن تكون الحقيقة المطلقة بهذه البساطة: الألم حقيقي، ألم الغير حقيقي مثله مثل ألمي.
أدار وجهه إلى فريال.
"هل فهمتِ ما قرأتِ؟" سألها.
"نعم" ، قالت الطفلة بعينين واسعتين. "يعني أن بكاء أختي الصغيرة عندما تجوع هو نفس بكاء طفلة في جبال القمر عندما تقصف طائراتكم بيوتهم. نفس البكاء. لا فرق."
"صحيح" ، قال حاحي.
"إذاً" ، قالت فريال، "علينا أن نوقف بكاء أختي وبكاء طفلة جبال القمر معاً. لا يمكن أن نوقف واحداً دون الآخر."
ابتسم حاحي. ابتسامة عرفها من زمان، من أيام جده المعماري، أيام كان يعتقد أن الكلمة وحدها كافية.
الآن، عرف أن الكلمة وحدها لا تكفي. لكنها بداية.
كل الطرق تبدأ بكلمة.
وطريق تحرير أور-آمون بدأ بكلمة كتبها رجل ميت من خمسة آلاف سنة، على جلد إنسان ميت، في قبو لا تعرفه الخرائط الرسمية.
خرج الجميع من البئر. حملوا معهم الصندوق الكريستالي، واللفافة الجلدية، ونعش نفرت-إيبي الوهمي الذي صنعوه في قلوبهم.
وفي الساحة الرئيسية للحارة، عند جذع شجرة الجميز العجوز، اجتمع أهل الحارة. أضاءوا الشموع. وأخرج حاحي اللفافة، وبدأ يقرأها بصوت عالٍ.
قرأها حتى سمعها كل من في الحارة. ثم أعاد قراءتها. ثم طلب من فريال أن تقرأها من جديد، لتتدرب.
وبينما كانت فريال تقرأ بصوتها الطفولي، بدأت كتابات تظهر على جدران أور-آمون. ليست كتابات حاحي هذه المرة. بل كتابات الأرواح التي كانت محبوسة في بئر المقبرة طوال مئات السنين.
جدران القصر اهتزت. المرايا في قاعة المرايا تصدعت. وتمثال حامي الميزان البرونزي مال قليلاً على قاعدته، كأنه يهم بالسقوط.
في تلك الليلة بالذات، في القصر، كان المجلس الثلاثي منعقداً. وفجأة، انطفأت كل الشموع دفعة واحدة. وصعدت من تحت الأرض رائحة غريبة: رائحة الفل والياسمين، رائحة لا توجد إلا في جبال القمر، في الينابيع التي كانت نفرت-إيبي تحلم بها ولم ترها قط.
قال كاهن السجلات الأعلى، الرجل العجوز ذو العينين الزرقاوين: "لقد فتحوا القبو."
سكت حامي الميزان. سكتت شركة الخليج المتحدة خلف ستارها.
وعرفوا جميعاً أن نهايتهم قد بدأت.
ليس لأن القبو يحتوي على أسلحة، بل لأنه يحتوي على كلمات.
والكلمات، في النهاية، هي التي تصنع التاريخ أو تدمره.
والكلمات التي خرجت من القبو الليلة كانت كفيلة بهدم كل جدران أور-آمون، حتى لو استغرق الأمر خمسة آلاف سنة أخرى.
……
نهاية الجزء الثاني
(يتبع الجزء الثالث: "جدار المرايا الأخير - مملكة الظل الطويل" )
ملاحظة: الجزء الثالث سيتناول رحلة الملك-الظل عائداً إلى جبال القمر، وصراع حاحي مع كاهن السجلات الأعلى الذي يبدو أنه يعرف أسراراً أكثر مما قال، وظهور شخصية جديدة: "صائدة الجلود" – امرأة غامضة من الصحراء الكبرى، تحترف أقدم مهنة في التاريخ: جمع الجلود المكتوب عليها تاريخ البشرية الحقيقي، وبيعها لمن يستطيع دفع الثمن – ليس ثمن الفضة، بل ثمن الشجاعة.
………
جدار المرايا الأخير – مملكة الظل الطويل
الجزء الثالث
……
الفصل الأول: امرأة من زمن الملح
خبر موت نفرت-إيبي لم ينتشر في أور-آمون كما توقع حاحي. لم يهتز له جدار، ولم يسقط لأجله ملك. في مدن الأقنعة، موت امرأة فقيرة لا يساوي أكثر من سطر في الصفحة الأخيرة من جريدة القصر، بين إعلان وبيع خروف. لكن في حارة الجرح المفتوح، كان موتها أشبه بتمزيق صفحة من قلب كتاب. الفراغ الذي تركته كان أكبر من حجمها الصغير.
بعد ثلاثة أسابيع من نزولهم إلى القبو الثاني، وانتشال الصندوق الكريستالي الذي يحوي الجلد المكتوب بوصية آدم الأول، عاش حاحي حالة من الشلل الإبداعي. كان يريد أن يكتب، لكن قلمه كان يجف كلما ابتعد عن مداد الحقيقة. كان يريد أن ينشر الوثيقة، لكنه كان يعرف أن أي توزيع للوثيقة الآن سيعني اكتشاف مخبئهم في الحارة، وسيأتي حراس حامي الميزان ليذبحوهم كما يذبح الجزار الخراف في عيد الأضحى.
في تلك الأيام العصيبة، ظهرت في الحارة امرأة لم يرها أحد من قبل. جاءت من الصحراء الكبرى، حيث تموت المدن القديمة تحت الرمال ولا يبقى منها إلا أسماء تلهث خلف سراب. كانت طويلة، أطول من كل رجال الحارة، بشرتها سمراء كالنحاس القديم، وعيناها صفراوان كعيني البومة، وشعرها أبيض ناصع رغم أنها لم تتجاوز الأربعين. على ظهرها كانت تحمل حقيبة جلدية ضخمة، يخرج منها صوت خافت كأنها تئن بالأسرار.
قالت للحارس الصغير الذي كان واقفاً على باب الحارة: "أنا صائدة الجلود. أبحث عن رجل اسمه حاحي بن المعماري. قيل لي إنه الآن يعيش في هذه الحفرة من الجحيم."
أدخلوها. جلست أمام حاحي في غرفة نفرت-إيبي السابقة التي صارت الآن غرفة حاحي والملك-الظل. وضعت حقيبتها بين قدميها، وفتحتها قليلاً، فتطاير منها غبار عتيق ورائحة موت مختلطة برائحة بخور.
"بعثتني أم الجلود" ، قالت. "أم الجلود هي الاسم الذي نطلقه على المكتبة الحية الوحيدة المتبقية في العالم. نحن لا نحفظ الكتب على ورق ولا على جدران. نحن نحفظها على الجلود. جلد غزال، جلد نمر، جلد ثعبان، جلد إنسان إذا اضطررنا. لماذا الجلود؟ لأن الجلد هو آخر ما يموت في الإنسان. العظام تتحول إلى تراب، لكن الجلد المدبوغ جيداً يبقى لآلاف السنين. وبقيتنا نحن، صائدات الجلود، هي أن نقتفي أثر كل جلد كتب عليه تاريخ حقيقي. نشتريه، أو نسرقه، أو نقتل من أجله، ثم نضيفه إلى مكتبتنا الحية."
حاحي نظر إليها بعينين محمرتين من الأرق وقلة الأكل. "وما الذي تبحثين عنه في حارتنا الفقيرة؟ الذهب ليس هنا، والفضة ليست هنا. حتى الحقيقة التي كانت هنا ماتت معلقة على باب القصر."
"لا" ، قالت صائدة الجلود. "الحقيقة لا تموت معلقة. الحقيقة التي تموت معلقة تتحول إلى شبح كاتب. وهذا الشبح هو بالضبط ما أبحث عنه. لقد سمعت أن نفرت-إيبي رسمت على جلدها خريطة كاملة لأور-آمون قبل أن تموت. وأن هذه الخريطة تحوي مكان قبو ثالث، لم يفتح بعد. وأنا أريد هذا الجلد."
"نفرت-إيبي احترقت" ، قال حاحي بصوت مبحوح. "جسدها أحرقوه قبل أن يعلقوه. هل تعتقدين أنهم تركوا جلدها سالماً؟"
ابتسمت صائدة الجلود ابتسامة عريضة، تظهر أسناناً بيضاء كالعاج. "أنتم يا سكان المدن لا تفهمون شيئاً في الجلود. الجلد المحترق هو أفضل أنواع الجلود للحفظ. الحريق يجعل المسام تنفتح، والحبر يدخل إلى أعماق لا تصل إليها الأدوات العادية. جلد نفرت-إيبي لم يحرقوه بالكامل. أحرقوا سطحه فقط. لكن تحت سطحه، حيث لا تراه العين المجردة، لا تزال الخريطة موجودة. أنا هنا لأحصل على ذلك الجلد."
الملك-الظل، الذي كان جالساً في الزاوية حتى الآن صامتاً، تكلم: "وكيف ستحصلين عليه؟ جسدها الآن في مقبرة جماعية خارج أسوار المدينة. لا أحد يستطيع دخول تلك المقبرة، لأن حراس حامي الميزان يطوقونها ليل نهار، ينتظرون أن يأتي أحد ليزور قبرها فيقبضون عليه."
"أنا لا أخاف الحراس" ، قالت صائدة الجلود. "لقد قتلت حراساً أكثر مما قتل الطاعون في عام الوباء الكبير. لكنني لا أريد أن أقتلهم. أريد أن أشتري الجلد. كل شيء في أور-آمون يُشترى. فلمَ لا يُشترى جلد ميتة؟"
أخرجت من حقيبتها سبيكة ذهب ضخمة، وضعتها على الأرض. السبيكة كانت مشغولة بشكل قلب إنسان، وفوقها نقوش بلغة لم يروها من قبل.
"هذا الذهب ليس من مناجم أور-آمون. هذا الذهب من مملكة تيمبوكتو في أقصى الجنوب الغربي. ذهب نادر، لا يوجد مثله في خزائن القصر نفسه. بهذا الذهب، أستطيع أن أشتري كل حراس المقبرة، وأشتري سكوتهم، وأستخرج الجلد."
حاحي وقف فجأة. اقترب منها حتى كانت أنفاسهما تكاد تختلط.
"لا أريد ذهبك" ، قال بصوت منخفض. "أريد شيئاً آخر. أريد قطعة واحدة من جلدك."
صائدة الجلود تراجعت خطوة إلى الوراء. كانت هذه أول مرة تسمع هذا الطلب. "ما الذي تريد أن تفعل بجلدي؟"
"سأكتب عليه" ، قال حاحي. "سأكتب عليه أول تاريخ حقيقي لأور-آمون. ليس على ورق بردي يتحلل، ولا على جلد غنم يبلى. سأكتبه على جلد امرأة حية، لأن كتابة التاريخ على جلد حي تجعله نبضاً، لا مجرد حبر جامد. وعندما تكتمل كتابتي، سأقتلع الجلد من جسدك، وسأعلقه في ساحة القصر الكبرى، ليراه كل من يدخل ويخرج، ويعلم أن الحق حي، والنبض لا يموت."
ضحكت صائدة الجلود. ضحكة مرتفعة، قوية، كضجيج السيف في غمده.
"أنت مجنون يا كاتب. مجنون جميل. ولكن... أعجبني جنونك. سأعطيك قطعة من جلدي. ليس من ظهري، بل من باطن فخذي الأيسر، حيث الجلد أنعم وأصلح للكتابة. لكن بشرط واحد."
"ما هو؟"
"بعد أن تكتب، وبعد أن تعلق الجلد في ساحة القصر، ستمنحني جلد نفرت-إيبي كاملاً. ليس لأجل الذهب، بل لأجل أن أضيفه إلى مكتبتنا الحية في الصحراء. جلد امرأة علمت الحروف حروفها يستحق أن يحفظ إلى الأبد."
اتفقا.
في تلك الليلة، بينما كانت الحارة نائمة، بدأت صائدة الجلود تشق طريقها نحو المقبرة الجماعية، حاملة سبيكة الذهب على شكل قلب. وبدأ حاحي يعد أدواته لكتابة أول تاريخ حي في تاريخ أور-آمون.
……
الفصل الثاني: مقبرة بلا بكاء
لم يكن الطريق إلى المقبرة الجماعية طويلاً، لكنه كان خطيراً. تقع المقبرة في وادي العظام، على بعد ميلين من السور الشمالي لأور-آمون. كان وادي العظام في الماضي موقعاً لمعركة كبرى بين أور-آمون ومملكة الصحراء، قبل أن يتحول إلى مزبلة للجثث التي لا يريد القصر أن تدفن داخل الأسوار. جثث الفقراء، جثث الثوار، جثث من لا نسب لهم ولا قبيلة. كانت الكلاب الضالة والنسور هي وحدها من تقيم مراسم الدفن هناك.
وصلت صائدة الجلود إلى المقبرة عند منتصف الليل. القمر كان مكتملاً، أبيض كالعظم، يضيء المكان بإضاءة شبحية. رأست الخيام السبعة التي نصبها الحراس حول المنطقة التي دفنت فيها نفرت-إيبي. كان الحراس حوالي ثلاثين رجلاً، مسلحين بالرماح والسيوف، ويبدو أنهم تلقوا أوامر بقتل أي شخص يقترب من قبرها دون إذن.
صائدة الجلود لم تختبئ. مشت مباشرة نحو أكبر خيمة، حيث كان قائد الحراس يجلس على كرسي من خشب الأبنوس، يأكل لحم ضأن مشوياً ويشرب نبيذاً أحمر.
"أنا هنا لشراء جسد الميتة" ، قالت دون مقدمات.
قائد الحراس، رجل ضخم بوجه متندب، ضحك. ومن حوله ضحكوا. "الجثث يا امرأة تباع بالوزن. هذه الجثة خفيفة، ما فيها إلا عظم وجلد محترق. لن تدفع فيها أكثر من ثلاث قطع فضية."
صائدة الجلود ألقت سبيكة الذهب على الأرض. ارتطام الذهب بالتراب كان له صوت مختلف عن الفضة. صوت عميق، جهوري، كصوت طبول الحرب.
سكت الحراس. عيونهم ترمشت. قائد الحراس أسقط سكينه من يده.
"هذا ذهب تيمبوكتو" ، قال بصوت مذعور. "كيف حصلتِ عليه؟"
"هذا ليس سؤالك" ، قالت صائدة الجلود. "سؤالك هو: هل تريد السبيكة أم تريد أن تموت؟"
كانوا ثلاثين رجلاً. لكنهم رأوا في عينيها صفراوين شيئاً جعلهم يشعرون أنهم ثلاثون فأراً أمام أفعى. قائد الحراس التقط السبيكة، وزنها بيده، وعض عليها ليتأكد من أنها حقيقية.
"خذيها" ، قال. "وخذي معك كل جثث وادي العظام إن أردت. لا نريد مشكلة مع مجنونة تملك ذهب تيمبوكتو."
لم تنتظر الإذن مرتين. مضت إلى حيث كومة الجثث الطازجة التي دفنت قبل أسبوعين. بحثت بصبرها الأسطوري. وأخيراً، وجدت نفرت-إيبي. لم يبق منها إلا هيكل عظمي، وبقايا جلد محترق على الصدر والبطن. لكن الذراعين، اللذين كانت عليهما الخريطة المرسومة، كانا محفوظين بشكل مدهش، لأن الجلادين أحرقوها من الأمام وليس من الخلف.
بسكينها الصغيرة، التي كانت مصنوعة من حجر السج الأسود، فصلت صائدة الجلود جلد ذراعي نفرت-إيبي بعناية الجراح. وضعته في كيس من الحرير الأسود. ثم نظرت إلى الهيكل العظمي العاري. انحنت، وقبلت جمجمة نفرت-إيبي على جبهتها.
"السلام عليك يا أختي" ، همست. "لقد حفظتِ الخريطة حتى النهاية. الآن دوري لأحفظ ما حفظتِ."
وعادت إلى الحارة قبل الفجر.
(استرجاع: قبل ثلاثين عاماً، في صحراء تيمبوكتو)
كانت صائدة الجلود طفلة صغيرة في قبيلة تجوب الصحراء بلا موطن. كانت القبيلة تحترف صناعة الجلود المدبوغة، وتبيعها للمدن الكبرى. لكن جدتها، عجوز عمياء، كانت تمارس مهنة أخرى: مهنة الحفظ. كانت تحفظ في رأسها كل تاريخ القبيلة، كل حكاية، كل قصيدة، كل ثأر. تقول الجدة لصغيرة: "الذاكرة يا حفيدتي مثل الماء في الصحراء. إذا لم تحفر لها بئراً، تتبخر. جلودنا هي آبارنا. كل جلد نكتب عليه، نصنع بئراً جديدة. والآبار في الصحراء أغلى من الذهب. لأن الذهب يروي الجشع، والماء يروي العطش."
تلك الليلة، بعد أن ورثت الجدة صغيرتها سر صناعة الجلود النادرة، ماتت. وصارت الصغيرة بعدها صائدة جلود. سافرت إلى كل المدن المعروفة، تشتري وتسرق وتقتل من أجل الجلود المكتوبة. حتى سمعت بأور-آمون، مدينة الأقنعة والسجلات المزورة، فعرفت أن هناك كنزاً ثميناً ينتظرها.
(عودة إلى الحاضر)
عادت صائدة الجلود إلى حارة الجرح المفتوح عند آذان الفجر. وجدت حاحي جالساً في غرفة نفرت-إيبي، يمسح قلم عظم النسر بقطعة قماش مبللة بالخل. بجانبه، نار صغيرة توقدت من أعواد خشب الجميز، وفوق النار قدر من نحاس فيه مادة غامضة لونها أسود وأحمر معاً.
"ما هذا؟" سألت صائدة الجلود وهي تخرج كيس الجلد.
"هذا مداد المعرفة" ، قال حاحي. "وصفة جدي المعماري التي ورثها من الفرعون المخلوع. يُصنع من عظام الموتى المطحونة، وزيت الزيتون الأسود، وصمغ السنط، وقطرات من دم الكاتب نفسه. قال جدي: 'المداد الذي لا يختلط بدم الكاتب هو مداد ميت، يكتب كلمات ميتة، لقراء موتى.' لذلك سأخلط هذا المداد بدمي، وسأكتب على جلدك بدمي."
صائدة الجلود خلعت عباءتها. كانت ترتدي تحتها ثوباً قصيراً من جلد الغزال، مفتوحاً من الجانبين. جلست على الأرض، ورفعت ثوبها عن فخذها الأيسر. كان جلد فخذها أملس، لامعاً كالحرير، وفيه ندوب قديمة من حروق وجروح قديمة.
"اكتب" ، قالت. "لكن لا تبطئ. الكتابة على جلد حي تؤلم. والألم يلهي الكاتب إذا طال."
حاحي غمس قلمه في المداد الأسود-الأحمر. بدأ يكتب. كانت أول كلمة كتبها: "نحن" . ثم تابع: "نحن الذين لم يكتبونا في سجلاتهم، نحن الذين مسحوا أسماءنا من ذاكرة المدينة، نحن الفقراء، المهمشون، الموتى أحياءً والأحياء أمواتاً، نحن نكتب الآن تاريخاً جديداً. هذا التاريخ ليس عن الملوك ولا عن المعارك ولا عن الاتفاقيات السرية. هذا التاريخ عنا. عن جوعنا. عن خوفنا. عن حبنا الذي لم يروِه أحد. هذا هو تاريخ الجلود الحية، الذي يكتبه كاتب حي، على جلد حي، ليقرأه أحفاد أحفادنا وهم لا يزالون أحياء."
بينما كان يكتب، كانت صائدة الجلود تئن ألماً. لكنها لم تطلب منه التوقف. كانت تعلم أن كل ألم الآن هو ثمن لحقيقة ستبقى بعد أن يتحول جسدها إلى تراب.
كتب ثلاثين سطراً. ثم غفا القلم من يده تعباً. نظر إلى ما كتب. شعر أنه لم يكتب سوى البداية. لكن البداية وحدها كانت كافية لأن تجعل جلد فخذ صائدة الجلود ينبض بنبض مختلف، نبض الكلمات.
"انتهى" ، قال. "ليس لأنني أكملت، بل لأن يدي تعبت. سأكمل غداً، وبعد غد، وفي كل يوم حتى تنتهي الجلدة بأكملها."
نهضت صائدة الجلود، وأسدلت ثوبها. لم تنظر إلى ما كتب، لأنها كانت لا تجيد القراءة. لكنها شعرت بثقل الكلمات على جلدها، ثقلاً جميلاً، كأنها تحمل طفلاً في أحشائها.
"الآن" ، قالت. "أعطني جلد نفرت-إيبي."
أعطاها حاحي الكيس الحريري. فتحته، وامسكت يدها . كانت ترتجف وهي تلمس بقايا جلد امرأة ماتت قبل أسابيع. رسمت عليه خريطة أور-آمون كما رآها أهل الحارة: كل بيت، كل زقاق، كل قبر، كل بئر. في وسط الخريطة، رسمت حاحي جالساً يكتب، ورسمت نفسها – نفرت-إيبي – واقفة خلفه، تنظر في كتفه، كأنها تتعلم منه الحروف.
بكت صائدة الجلود. لأول مرة منذ موت جدتها العمياء، بكت.
"هذا الجلد سيصبح أم الجلود في مكتبتنا الحية" ، قالت. "سيوضع في قلب الخزانة، وتوضع حوله كل الجلود الأخرى، كأنها تحج حول الكعبة. لأن هذا الجلد ليس مجرد خريطة، بل هو أيقونة. أيقونة امرأة علَّمت نفسها الحروف، ثم علَّمت الحروف كيف تكتب التاريخ الصحيح."
…….
الفصل الثالث: رحلة الملك-الظل إلى جبال القمر
بينما كان حاحي يكتب على جلد صائدة الجلود، كان الملك-الظل يستعد لرحلته العائدة إلى وطنه. لم يعد ملكاً، ولم يعد ظلاً. صار رجلاً عادياً، يحمل على كتفيه حقيبة صغيرة فيها القليل من المؤن، وفي قلبه كثير من الخوف والرجاء.
ودّع الحارة. قبّل جبين أم حنين العجوز، وربت على رأس فريال الصغيرة، وصافح حاحي بيد مرتجفة.
"إذا مت هناك، كما مت نفرت-إيبي هنا، فأخبر العالم أني لم أمت ملكاً خائناً. أخبرهم أني مت رجلاً يقاتل لاستعادة ما تبقى من كرامته."
"سأخبرهم" ، قال حاحي. "سأكتب قصتك على جلد صائدة الجلود، قصة كاملة، من البداية إلى النهاية. سأكتب عن طفولتك التي سرقها تجار البرجين، وعن شبابك الذي وهبته للخيانة ظناً أنها خلاص، وعن شيخوختك الباكرة التي أتيت بها إلينا هارباً. سأكتب كل ذلك، لا لأبررك، بل ليفهم من يأتي بعدنا كيف تصنع الإمبراطوريات خونتها، ثم تتخلص منهم عندما لا يعودون نافعين."
سار الملك-الظل في الصحراء سبعة أيام وسبع ليالٍ. لم يأخذ طريق القوافل الآمن، بل سلك درب الظمآن، وهو طريق سرّي يعرفه فقط حراس الإبل في الحارة. الدرب يمر بواحات خفية، وبحيرات جوفية لا تظهر على الخرائط، وعبر أنفاق طبيعية في الجبال.
في اليوم الثامن، وصل إلى تخوم جبال القمر. رأى من بعيد قرى محترقة، وحقولاً محروثة بالدبابات، وأبراج مراقبة للقوات المشتركة بين الإمبراطورية البيضاء ومملكة البرجين. كان العلمان يرفرفان معاً على كل تلة: العلم الأبيض والأزرق، والعلم المثلث.
اختبأ في كهف صغير، ينتظر الليل. وعندما حل الظلام، نزل إلى أول قرية آهلة بالسكان. كانت القرية كفر-شمسين، من القرى القليلة التي لم تُحرق بالكامل لأن سكانها تعاونوا مع الاحتلال. كان اللقاء الأول هناك مع خالته، أخت أمه، امرأة عجوز تدعى أم صخر.
عندما رأته، صفعت وجهه. صفعة قوية، تركت أثر خمس أصابع على خده.
"هذا جزاء الخيانة يا ابن أختي" ، قالت. "لقد مت وأنا أحسبك ميتاً تحت الأرض، لأنه لا يستحق الخائن أن يُدفن في السماء."
الملك-الظل لم يرد الصفعة. نزل على ركبتيه، وقبّل قدمي خالته.
"أنتِ على حق يا خالة. أنا خائن. لكني جئت الآن لا لأطلب الغفران، بل لأطلب فرصة للقتال. دعوني أقاتل مع المقاومة. إذا قتلوني في المعركة، فسأموت شهيداً. وإذا أسروني، فأنا مستعد للموت على أيدي محكمة الشعب. المهم أن أموت في شيء أؤمن به، لا أن أحيا في شيء أكرهه."
بكت أم صخر. بكاءً مراً. ثم أخذته إلى مخبأ خلفي في منزلها، حيث كان هناك ثلاثون شاباً من أبناء القرية، يخبئون أسلحة خفيفة وذخيرة، ويخططون لتفجير برج مراقبة قريب.
التفت أحد الشبان – وكان أصغرهم سناً، لا يتجاوز الثامنة عشرة – إلى الملك-الظل، وقال: "أنت الذي بعتنا؟ أنت الذي وقعت على وثيقة التنازل عن سيادتنا؟"
"نعم" ، قال الملك-الظل دون تردد.
"إذاً لماذا عدت؟ أتريد أن تبيعنا مرة أخرى؟"
"عدت لأن جلداً واحداً تعلمته في أور-آمون. جلد امرأة ماتت وهي تحمل الحقيقة. تلك المرأة علمتني أن الخيانة ليست صفة تولد مع الإنسان، بل هي مرض يُكتسب. والأمراض يمكن أن تشفى."
الشاب ضحك. ضحكة باردة. "الكلام سهل. نحن هنا ندفع دماءنا كل يوم. دماؤنا ليست سهلة مثل كلامك."
الملك-الظل فتح قميصه. على صدره، كان هناك ندوب قديمة وجديدة. لكن الجديد كان عبارة عن كلمة محفورة بسكين حاد، كُويت بعدها بنار، لتبقى إلى الأبد. الكلمة كانت: "خائن" .
"هذا وسمي" ، قال. "حفرته بنفسي قبل مغادرتي أور-آمون. لأنني أريد أن أقاتل وأنا حمل هذه الكلمة على صدري. لا أخفيها. كل من يراني يعرف أنه يقاتل إلى جوار خائن سابق. لكن الخائن السابق قد يكون أفضل من البطل المزيف."
نظر الشاب إلى الندبة. نظر إلى عيني الملك-الظل. كان هناك صدق في عينيه، صدق لا يمكن تزييفه لأن من يزيف لا يحفر على صدره كلمة خائن.
"سنعطيك فرصة واحدة" ، قال الشاب. "هناك مهمة انتحارية: تفجير جسر وادي الأفعى الذي تنقل عليه قوات الاحتلال الإمدادات. المهمة تحتاج إلى رجل يعرف المنطقة من الداخل، ويعرف نقاط الضعف في تحصينات العدو. هل تفعلها؟"
"أفعلها" ، قال الملك-الظل. "لكن ليس وحدي. سأفعلها معكم، أو لا أفعلها أبداً."
في تلك الليلة، خططوا للعملية. كانوا يعرفون أن جسر وادي الأفعى محصن بشدة، وأن أي هجوم عليه يعني خسائر فادحة. لكنهم كانوا يائسين، واليأس يصنع أبطالاً أو يقتلهم.
قبل الفجر، غادر الملك-الظل مع ثلاثة شباب نحو الجسر. كان يحمل على ظهره قنبلة بدائية الصنع، مصنوعة من سماد زراعي ووقود طائرات مهرب. كانت القنبلة ثقيلة، لكنها كانت أخف من ثقل الخيانة التي كان يحملها في قلبه.
……..
الفصل الرابع: قاعة المرايا تنكسر
في أور-آمون، وصلت الأمور في القصر إلى ذروتها. حامي الميزان وشركة الخليج المتحدة كانا على حافة حرب أهلية. كاهن السجلات الأعلى، الرجل العجوز ذو العينين الزرقاوين، كان يحاول التوسط بينهما، لكن جهوده باءت بالفشل.
السبب المباشر للخلاف كان تقريراً سرياً ورد إلى المجلس الثلاثي من جواسيسهم في مملكة البرجين وإمبراطورية أوروبا العجوز. التقرير يقول: "الإمبراطورية البيضاء تعاني من انهيار مدوي. التضخم يلتهم مدخرات المواطنين، والحرب على جبهتين (جبال القمر وأوكران الباردة) تستنزف الخزينة، والشعب بدأ يخرج في مظاهرات عارمة يرفع فيها صور ترامب ونتنياهو معاً شعار: 'كلاكما فاشلان'."
هذا التقرير جعل المجلس الثلاثي في حالة ذهول. لقد راهنوا على أن الإمبراطورية البيضاء ستدعمهم إلى الأبد. لكنهم الآن يقرؤون بأعينهم أن الإمبراطورية تترنح، وأن حلفاءهم التقليديين – مملكة البرجين ومحميات الخليج – بدأوا يبحثون عن مخارج سرية.
في إحدى الليالي، دخل كاهن السجلات الأعلى إلى غرفة حاحي في الحارة دون أن يطرق الباب. كان حاحي نائماً على لوحه الخشبي، قلم عظم النسر لا يزال في يده. أيقظه الكاهن بهزة خفيفة.
"قم يا بن المعماري. الأمر الآن أكبر من خلافاتنا. لقد انهار كل شيء."
حاحي جلس فزعاً. رأى وجه كاهن السجلات شاحباً، وعينيه الزرقاوين تدمعان لأول مرة في حياته.
"ماذا حدث؟" سأل.
"حامي الميزان أمر باعتقال مدير شركة الخليج المتحدة. لكن مدير الشركة هرب إلى سفينة في الميناء، وتوجه إلى محمية خليجية مجاورة. وفي الطريق، أرسل برقية إلى محميات الخليج الأخرى يحذرهم فيها من أن حامي الميزان يخطط لاستبعادهم من الاتفاقيات المستقبلية. فما كان من محميات الخليج إلا أن أرسلت وفداً سرياً إلى طهران عاصمة جبال القمر، يعرض على القادة هناك مساعدتهم في تهدئة الأوضاع مقابل حصص في النفط بعد انتهاء الحرب."
"إذن.." قال حاحي، "العدو بدأ يأكل بعضه."
"أكثر من ذلك" ، قال الكاهن. "الإمبراطورية البيضاء أرسلت مبعوثاً سرياً إلى مملكة البرجين تطالبها بوقف الحرب فوراً، لأن تكلفتها أصبحت أكبر من أي فائدة. لكن مملكة البرجين رفضت. رئيس وزرائها، نتنياهو، صرخ في وجه المبعوث وقال: 'إما أن تدعمونا حتى النهاية، أو سنسقط معاً.'"
هذه كانت اللحظة التي طالما انتظرها حاحي. لكنه لم يشعر بالفرح. شعر بالرعب. لأنه عرف أن انهيار الأقوياء لا يعني بالضرورة انتصار الضعفاء. غالباً، يعني فوضى أشد قسوة.
"ماذا تريد مني؟" سأل حاحي.
"أريد منك أن تعود إلى القصر. أريدك أن تكتب وثيقة الاستسلام الشامل لأور-آمون. ليس استسلاماً للعدو، بل استسلاماً للشعب."
صُدم حاحي. "تريد أن تسلم السلطة لأهل الحارة؟"
"نعم. لقد فشلنا. فشلنا كطبقة حاكمة. الفساد أكلنا، والجشع أكلنا، والغرور أكلنا. لم يعد هناك مكان لنا في تاريخ أور-آمون القادم. لكننا لا نريد أن نترك المدينة خراباً. نريد أن نسلمها لمن يستحقها. وأنت، يا حاحي، أنت الوحيد الذي يثق به أهل الحارة والوحيد الذي يعرف طرق القصر. ساعدنا."
حاحي صمت. تذكر نفرت-إيبي معلقة على باب القصر. تذكر جده المعماري مقتولاً. تذكر كل الذين ماتوا بسبب سجلاته المزورة.
"ربما" ، قال أخيراً. "ربما سأساعدك. لكن ليس لأنني أثق بك. سأساعدك لأنني أثق في غبائك. نعم، غبائك أيها الكاهن العجوز. أنت وحلفاؤكم أغبياء بما يكفي لتعتقدوا أن تسليم السلطة لشعب الحارة سيكون سهلاً. لا، لن يكون سهلاً. سيكون فوضى. لكن الفوضى أحياناً هي أم النظام الجديد."
اتفقا. في الصباح، ذهب حاحي إلى القصر بملابس جديدة، ووجه مغسول، وقلمه الجديد في جيبه. استقبله حامي الميزان باستحياء، ومدير شركة الخليج المتحدة (الذي عاد من سفينته بعد أن توسط الكاهن لحل الخلاف) بنظرات جانبية باردة.
بدأ حاحي يكتب الوثيقة. لكنه لم يكتب ما طلبوه. كتب شيئاً آخر.
كتب: "نحن، سادة أور-آمون المتخاذلين، نعترف اليوم أمام التاريخ أن كل ما قلناه كان كذباً. كل الحروب التي شنّاها كانت كذباً. كل الاتفاقيات التي وقعناها كانت كذباً. كل السجلات التي دوّنّاها كانت كذباً. نحن نعترف أن الشعب الإيراني في جبال القرم لم يكن عدواً لنا، بل كان ضحية لنا. ونحن نعترف أن محميات الخليج لم تكن حلفاء، بل كانت أدوات. ونحن نعترف أن الإمبراطورية البيضاء لم تكن صديقة، بل كانت سيداً جاحداً. ونحن نعترف... ونحن نعترف... ونحن نعترف..."
لم يستطع إكمال. بكى. بكى حاحي لأول مرة منذ بكاء نفرت-إيبي.
أخذ الكاهن الوثيقة، وقرأها. لم يغضب. لم يغيّر فيها حرفاً. قال فقط: "هذه هي الحقيقة. فلتنشر على جدران أور-آمون كلها. فليقرأها كل مواطن، في القصر وفي الحارة وفي سوق الأقنعة. هذا هو تاريخنا الحقيقي. ليس المجيد، بل المخزي."
…….
الفصل الخامس: جسر وادي الأفعى وأغنية النهاية
في جبال القمر، وصل الملك-الظل ومعه الثلاثة شباب إلى جسر وادي الأفعى عند منتصف الليل. الجسر كان خرسانياً ضخماً، يمتد لثلاثمئة ذراع فوق وادٍ سحيق. عليه، دوريات مشتركة من جنود الإمبراطورية البيضاء ومملكة البرجين، وأبراج مراقبة كل مئة ذراع، وأضواء كاشفة تبحث في كل زاوية.
"خطتنا مستحيلة" ، قال أحد الشباب، وصوته يرتجف.
"كل الخطط التي تستحق التنفيذ مستحيلة" ، قال الملك-الظل. ثم زحف نحو إحدى الدعامات الرئيسية للجسر.
استغرق ساعة كاملة ليضع القنبلة في المكان المناسب. كان يعرف الجسر جيداً، لأنه كان المشرف على بنائه قبل عشر سنوات، عندما كان لا يزال ملكاً شرعياً. كان يعرف نقطة الضعف: الدعامة الخامسة من الشمال، حيث الأساس ليس صلباً كباقي الدعامات لأن المهندس اختلس بعض المواد.
عندما أنهى وضع القنبلة، كان الجنود قد اكتشفوه. أضاءت الأضواء الكاشفة عليه. رفعوا أسلحتهم. صاح قائد الدورية: "قف أو نطلق!"
لكنه لم يقف. أخرج قداحة النار، وأشعل الفتيل. ثم وقف رافعاً يديه إلى السماء، وصرخ بأعلى صوته:
"يا جبال القمر، هذه هدية الخائن! لا تقبلوها، بل اجعلوها بداية!"
أطلقوا النار عليه. سقط. لكن الفتيل كان قد وصل إلى القنبلة.
انفجر الجسر. انفجرت معه دعاماته. انهارت الخرسانة في الوادي. وتناثرت جثث الجنود في الهواء.
ومات الملك-الظل. مات وجسده يحمل كلمة "خائن" على صدره، وعيناه مفتوحتان تنظران إلى سماء جبال القمر التي خانها ثم عاد ليموت في سبيلها.
لم يسمع الانفجار في أور-آمون، لأن المسافة بعيدة. لكن حاحي شعر به في قلبه. في تلك الليلة بالذات، وهو يكتب الوثيقة في قاعة المرايا، توقف قلمه فجأة، ورفع رأسه نحو الشرق، وقال بصوت خافت: "لقد مات. لكنه مات كما أراد."
سأله الكاهن: "من مات؟"
"ملك بلا مملكة. ظل بلا جسد. إنسان تعلم أخيراً كيف يكون حراً."
…….
الخاتمة: جدار المرايا الأخير
في اليوم التالي، نُشرت وثيقة الاعترافات على جدران أور-آمون. نُشرت بأمر من المجلس الثلاثي نفسه، تحت ضغط من الناس الذين بدأوا يهتفون في الشوارع بعد أن تسربت أخبار الوثيقة من القصر.
وقف حاحي أمام ساحة القصر الكبرى، حيث كان تمثال حامي الميزان لا يزال يميل على قاعدته. كان الناس يتجمعون، يقرؤون، يبكون، يصرخون، يصفقون. بعضهم صفق لاعترافات الحكام، وبعضهم صفق لسقوطهم، وبعضهم لم يصدق شيئاً، ظناً أن كل شيء مؤامرة جديدة.
في زحام الساحة، رأى حاحي صائدة الجلود واقفة على هامش الحشود. كانت ترتدي ثوباً طويلاً يغطي جسدها بالكامل. اقترب منها.
"هل لا يزال ما كتبته على جلدك موجوداً؟" سأل.
رفعت ثوبها قليلاً، وأظهرت فخذها. الكلمات كانت لا تزال هناك، لكنها بدأت تتلاشى، لأن الجلد الحي يتجدد، والخلايا تموت وتولد من جديد، والحبر يذوب مع العرق.
"قريباً سيزول كل ما كتبته" ، قالت. "هذا هو قانون الجلد الحي. ما يُكتب عليه يزول معه. لكن ما يُحفظ في الذاكرة يبقى. وأنا الآن أحفظ كل كلمة كتبتها. لن أنساها أبداً."
نظر حاحي إلى جدار القصر المقابل. كان الجدار مغطى بالمرايا. مرايا قاعة المرايا التي غطت الجدار الخارجي أيضاً. رأى انعكاس وجهه فيها آلاف المرات. وتساءل: من هو الحقيقي بين هذه الأوجه كلها؟
ثم تذكر جملة من وصفية آدم الأول، تلك التي كتبت على جلد إنسان منذ خمسة آلاف سنة: "الحقيقة المطلقة هي أن الحقيقة نسبية، فيما عدا حقيقة واحدة: أن الألم حقيقي."
نظر إلى حشود الناس الذين كانوا يقرؤون وثيقة الاعترافات. كان بعضهم يبكي بحرقة، وبعضهم يضحك بسخرية، وبعضهم يتجادل بعنف. لكن كل واحد منهم كان يحمل ألماً خفياً أعمق من أي وثيقة أو اعتراف.
فكر حاحي: هذه الحشود لا تحتاج إلى حاكم جديد ولا إلى وثيقة جديدة. تحتاج إلى جرح يلتئم. وجرح أور-آمون عميق جداً بحيث يحتاج إلى أكثر من كلمات. يحتاج إلى أفعال.
صعد على منصة خشبية كانت مهيأة للخطاب. رفع صوته ليشملهم جميعاً:
"أيها الناس! قرأتم وثيقة الاعترافات. عرفتم أن كل ما قالوه لكم كان كذباً. لكن معرفة الكذب لا تكفي. لقد عرفتم الكذب من قبل، وآمنتم به مع ذلك، لأن الألم كان كبيراً والحقيقة مخيفة. الآن، أنا لا أطلب منكم أن تؤمنوا بحقيقة جديدة. أنا أطلب منكم أن تشكوا في كل شيء. في ما أقول، في ما يقول الحكام السابقون، في ما يقول الكهنة، في ما يقول التجار. لا تؤمنوا بأي شيء دون أن تختبروه بألمكم الخاص. لأن الألم وحدَه هو الذي لا يكذب."
سكت. نظر إلى وجوههم. رأى فيهم خوفاً. خوفاً من الحرية الجديدة، كما يخاف السجين من فتح باب زنزانته بعد ثلاثين سنة.
لم يقل شيئاً آخر. نزل من المنصة، وخرج من الساحة، وعاد إلى حارة الجرح المفتوح.
في غرفته الصغيرة، جلس. أمامه الصندوق الكريستالي الذي يحتوي جلد آدم الأول. أمامه جلد صائدة الجلود الذي بدأ يزول. أمامه قلب نفرت-إيبي الذي تحول الآن إلى رماد في مقبرة وادي العظام.
أمسك بقلم عظم النسر، وبدأ يكتب الفصل الأخير من تاريخ أور-آمون:
"هنا تنتهي حكاية المدن التي تبنى على الأكاذيب. وتبدأ حكاية المدن التي تبنى على الندوب. الندوب أجمل من الجلود السليمة، لأنها تحكي قصصاً حقيقية. وأور-آمون الآن مدينة من الندوب. فليكن."
وضع القلم. أطفأ الفانوس. ونام نوماً عميقاً، بلا أحلام، بلا كوابيس، بلا سجلات مزورة.
لأول مرة منذ أربعين سنة، نام حاحي نوماً أبيض.
…….
نهاية الجزء الثالث
(يتبع الجزء الرابع: "خاتمة الجلد الأخير - مملكة الظل الطويل تعود" )
ملاحظة: الجزء الرابع سيكون عن العودة إلى جبال القمر بعد انهيار الجسر، ومحاكمة المتعاونين مع الاحتلال (بينهم الملك-الظل بعد موته) على يد محكمة الشعب، ورسائل سرية تتبادلها محميات الخليج مع طهران، وسقوط حامي الميزان واختفاء مدير شركة الخليج المتحدة، ودخول حاحي في صراع أخير مع كاهن السجلات الأعلى الذي يكشف له سراً لم يخبره به من قبل: أن جده المعماري لم يمت مقتولاً، بل انتحر لأنه عجز عن تحمل وطأة ما صنع.
………
خاتمة الجلد الأخير – مملكة الظل الطويل تعود
الجزء الرابع
…….
الفصل الأول: رسائل الفجر السرية
لم تمضِ أربعون يوماً على نشر وثيقة الاعترافات حتى تحولت أور-آمون إلى مدينة مختلفة. لم تختلف في شكلها، بل في روحها. صارت جدرانها مغطاة بالكتابات، لم يعد أحد يخاف من كتابة رأيه على الملأ. صارت الأسواق تعج بالمناقشات السياسية، وكان باعة الخضار يتجادلون في شؤون الحكم كما يتجادلون في أسعار البصل. وحارة الجرح المفتوح، التي كانت تهمش من قبل، صارت وجهة للصحفيين والكتاب من كل أنحاء المدينة، يأتون ليتعلموا من "فقراء يعرفون ما لا يعرفه الأغنياء".
في تلك الأيام، كانت صائدة الجلود لا تزال في الحارة، تنتظر اكتمال كتابة تاريخ أور-آمون الحقيقي على جلدها. كانت تجلس كل ليلة أمام حاحي، وكأنها كانت أماً ترضع طفلاً – لكن طفلها هذه المرة كان التاريخ. حاحي كان يكتب، وهي تئن من الألم، لكنها كانت تطلب منه ألا يتوقف. قالت له ذات ليلة: "الألم الذي أشعر به الآن هو أفضل ألم في حياتي. لأنه ألم يخلق شيئاً. كل آلامي السابقة كانت تخلق موتاً. فقط هذا الألم يخلق حياة."
في القصر، كان المجلس الثلاثي قد انهار عملياً. حامي الميزان أصيب بجلطة دماغية بعد أن قرأ وثيقة اعترافاته منشورة على جدران المدينة. كان يقرأ ويكرر: "كيف أذنت بنشر هذا؟ كيف سمحت لنفسي بالاعتراف؟" ثم سقط مغشياً عليه. منذ ذلك الحين، وهو طريح الفراش، لا يتكلم ولا يتحرك، عيناه فقط مفتوحتان تنظران إلى السقف كأنه يرى شيئاً لا يراه الآخرون.
مدير شركة الخليج المتحدة اختفى. قيل إنه هرب إلى إحدى المحميات الخليجية متنكراً بزي امرأة، وقيل إنه قتل على يد حراسه الخاصين الذين أرادوا نهب ما تبقى من ثروته. لكن الأرجح – كما روى جواسيس الحارة – أنه لجأ إلى مزارع نخيل بعيدة على حدود الصحراء، ويعيش هناك بلا حماية، يرعى أغنامه بنفسه، وقد نسي تماماً أنه كان يدير أكبر شركة في العالم.
بقي كاهن السجلات الأعلى. الرجل العجوز ذو العينين الزرقاوين لم يهرب، ولم يمرض، ولم يختف. كان يظهر كل يوم في الساحة العامة، جالساً على كرسي خشبي بسيط، يوزع الخبز على الفقراء بيديه. كان الناس ينظرون إليه بحيرة: أهذا هو الرجل الذي قاد آلة تزوير التاريخ طوال خمسين سنة؟ نفس اليدين التي كتبت آلاف السجلات المزورة، ها هي الآن توزع الخبز؟ نفاق أم توبة؟
سأله حاحي ذات مرة: "لماذا تفعل هذا؟ أتظن أن رغيف خبز يمحو جريمة محو أمة؟"
نظر إليه الكاهن بعينيه الزرقاوين. كانت عيناه هذه المرة أكثر زرقة من المعتاد، كزرقة بحر متوسط هادئ في يوم صيفي.
"لا يا بن المعماري. لا أظن أن رغيف خبز يمحو شيئاً. لكنني أفعل هذا لأنني أصبحت أخاف. ليس خوف الموت، بل خوف الحساب. عندما كنت أكتب السجلات المزورة، كنت أعتقد أن التاريخ يكتبه الأقوياء. لكنني الآن أعتقد أن التاريخ يكتبه الأحياء. والأحياء هم الذين سيموتون جميعاً يوماً، لكن بعضهم يموت ويدفن مع أكاذيبه، وبعضهم يموت وتظل أكاذيبه مكشوفة على جدران المدينة. أنا لا أريد أن أكون من النوع الثاني."
حاحي لم يرد. ترك الكاهن يوزع خبزه، وعاد إلى الحارة.
في تلك الليلة، استيقظ على صوت حمامة زاجل تحط على نافذته. كانت حمامة بيضاء ناصعة، غير معتادة في سماء أور-آمون حيث الحمام رمادي أو أسود. في رجلها، رسالة صغيرة ملفوفة بورق أحمر.
فتح الرسالة. كانت مكتوبة بلغة جبال القمر، التي تعلمها من الملك-الظل قبل رحيله. قرأ:
"إلى حاحي أمين السجلات السابق. نحن قادة المقاومة في جبال القمر. علمنا أن الملك-الظل مات فجراً في عملية تفجير جسر وادي الأفعى. علمنا أنه كان يحمل على صدره كلمة 'خائن' محفورة. علمنا أنه قبل الموت، همس باسمك. قال: 'قولوا لحاحي... جلد نفرت-إيبي ليس هو الخريطة الوحيدة. هناك خريطة أخرى... في عيني فريال.' لم نفهم ما عناه. لكننا ننقل لك رسالته كما هي. السلام لمن يعرف كيف يحول خيانته إلى استشهاد."
تجمد حاحي في مكانه. "في عيني فريال" . فريال، ابنة أم حنين الصغيرة، الفتاة التي قرأت وصية آدم الأول بصوتها الطفولي، التي قالت إن بكاء أختها هو نفس بكاء طفلة جبال القمر.
ركض حاحي إلى بيت أم حنين. كان الفجر لم يطلع بعد، والظلام كثيف. طرق الباب بعنف. فتحت له أم حنين، وجهها منتفخ من النوم.
"أين فريال؟" سأل.
"نائمة. ما الأمر في هذا الوقت؟"
دخل حاحي إلى الغرفة حيث تنام فريال. الفتاة كانت نائمة على ظهرها، فمها مفتوح قليلاً، تتنفس بهدوء. انحنى إليها، وأمسك رأسها برفق، وفتح جفني عينيها بإصبعيه.
في عينيها، لم ير حدقة سوداء عادية. رأى خريطة. خريطة دقيقة لأور-آمون، مرسومة على قزحية العين اليمنى، مكتوب عليها أسماء لم يسمع بها من قبل. أما العين اليسرى، فكانت تحمل خريطة لجبال القمر، مع إشارة إلى مكان محدد: كهف في أعلى أعلى الجبال، مدخله على شكل نسر محلّق.
ارتجف حاحي. أغمض عيني فريال، وتركها تنام.
خرج إلى فناء الحارة. كان الهواء بارداً، والنجوم لا تزال ماثلة. سألت أم حنين: "ماذا رأيت؟"
"رأيت أن نفرت-إيبي لم ترسم الخريطة على جلدها فقط. رسمتها أيضاً على عيني ابنتك. ربما عندما كانت تمارس معها القراءة، كانت ترسم بحبرها السري على حدقات عينيها. وهذا هو السبب الذي جعل الجلادين يحرقون جلدها، لأنهم ظنوا أن الخريطة هناك فقط. لكن الخريطة الحقيقية كانت محفوظة في عيون فريال."
"إذاً" ، قالت أم حنين، "ماذا سنفعل الآن؟"
"سنُسافر. إلى جبال القمر. إلى الكهف الذي ترسمه عين فريال اليسرى. هناك، كما قال الملك-الظل، شيء آخر. شيء أكثر أهمية من جلد آدم الأول. ربما هو أصل الأكذوبة نفسها."
……
الفصل الثاني: محميات الخليج تتصل سراً
قبل أن يغادر حاحي إلى جبال القمر، حدث ما لم يكن متوقعاً. في أحد الأيام، بينما كان يجلس في مقهى الحارة (المقهى الذي ليس له اسم)، دخل عليه رجلان يرتديان أردية بيضاء فاخرة، ويضعان على رأسيهما غتر حمراء. عرفهما حاحي من لهجتهما: من محميات الخليج الجنوبية. كانا رسولين سريين من إمارة الذهب (الإمارات) ومحمية اللؤلؤ (قطر).
"نحن نبحث عن حاحي بن المعماري" ، قال أحدهما.
"أنا هو" ، قال حاحي دون مقدمات. "ما الذي تريدانه من خائن في حارة فقراء؟"
جلس الرجلان بحذر. نظرا حولهما ليتأكدا من عدم وجود جواسيس. ثم قال أحدهما بصوت خافت:
"نحن لم نأتِ من طرف حكامنا الرسميين. جئنا من طرف فصيل سري داخل القصرين الحاكمين في إمارة الذهب ومحمية اللؤلؤ. هذا الفصيل يعتقد أن التحالف مع الإمبراطورية البيضاء ومملكة البرجين قد أصبح عبئاً ثقيلاً. الإمبراطورية تترنح اقتصادياً، ومملكة البرجين أصبحت عبئاً سياسياً في كل المحافل الدولية. نحن نريد أن نفتح قنوات اتصال سرية مع جبال القمر (إيران)، لنعرض عليهم مبادلة."
"أي مبادلة؟"
"نحن نعرف أن جبال القمر تعاني من الحصار الاقتصادي. نحن نستطيع أن نزودهم بالسلع الأساسية – القمح، الأدوية، قطع الغيار – عبر قوارب صغيرة ليلاً، بأسعار رمزية. وفي المقابل، نريد منهم وعداً بعدم مهاجمة منشآتنا النفطية إذا ما اندلعت حرب إقليمية شاملة. وكذلك نريد ضماناً لاستمرار عبور سفننا في مضيق هرمز دون عرقلة."
حاحي صُدم. قبل أشهر فقط، كانت هذه المحميات تشارك في العدوان على جبال القمر، وتوفر قواعدها العسكرية للطائرات الأمريكية والإسرائيلية. والآن، ها هم يرسلون رسائل سرية إلى العدو نفسه، يطلبون الصلح.
"هل تعلم حكامكم بهذه الرسالة؟" سأل حاحي.
"بعضهم يعلم. وبعضهم لا يعلم. لكن الذي نعرفه يقيناً هو أن المانيا (ألمانيا) فعلت الشيء نفسه. بعثت وكالة استخباراتها سراً إلى طهران قبل أسبوعين، تعرض توسطاً بين جبال القمر والإمبراطورية البيضاء. وحتى مملكة البرجين نفسها، التي كانت تقود حملة 'تدمير إيران'، بدأت ترسل إشارات خفية عبر وسطاء سويسريين، تطلب فتح قنوات تفاوض غير مباشرة."
ضحك حاحي. ضحكة لم تخرج من صدره منذ موت نفرت-إيبي.
"إذن" ، قال، "أنتم تريدونني أن أكون وسيطاً بينكم وبين قادة المقاومة في جبال القمر؟ لماذا أنا بالتحديد؟"
"لأن الملك-الظل، قبل أن يموت، أرسل إلينا رسالة عبر أحد تجار الخليج. قال في رسالته: 'إذا أردتم الوصول إلى الحقيقة، فاذهبوا إلى حاحي. وإذا أردتم الوصول إلى جبال القمر، فاذهبوا أيضاً إلى حاحي. لأنه الوحيد الذي يعرف ما في عيون فريال.'"
حاحي وقف. مشى جيئة وذهاياً في المقهى. كان يفكر. إن قبل بهذه المهمة، فسيكون خائناً جديداً، لكن خيانته هذه المرة ستكون من نوع مختلف: خيانة لن نخبة أور-آمون التي انهارت، بل لواشنطن وتل أبيب. وإن رفض، فستضيع فرصة قد لا تتكرر: فرصة التوسط بين أطراف الصراع، فرصة لإنقاذ أرواح قد تموت في حرب قادمة.
"سأفعلها" ، قال أخيراً. "لكن ليس مجاناً. أريد منكم شيئاً في المقابل."
"اطلب ما تشاء. السيارة، المال، النساء، الجنسية المزدوجة، أي شيء."
"لا أريد سيارة ولا مالاً ولا نساء ولا جنسية. أريد من حكامكم أن يعترفوا علناً بالتزوير الذي مارسوه في سجلاتهم. أريد منهم أن ينشروا وثيقة اعترافات مشابهة لوثيقة أور-آمون، يعترفون فيها بأنهم كانوا أدوات في يد الإمبراطورية البيضاء ومملكة البرجين، وأنهم يتحملون جزءاً من المسؤولية عن تدمير جبال القمر وسوريا وليبيا واليمن."
صمت الرجلان. تبادلا النظرات. كانا يعلمان أن هذا الطلب مستحيل، لأن الاعتراف العلني يعني انهيار أنظمتهما.
"سأعطيك إجابة بعد أسبوع" ، قال أحدهما، ووقفا وخرجا.
بعد أسبوع، عادا. لكنهما هذه المرة لم يأتيا بمفردهما. معهما رجل ثالث، طويل القامة، أصلع، يرتدي نظارة ذهبية. عرفته فريال – التي كانت جالسة في زاوية المقهى – من صور الصحف: كان وزير خارجية إمارة الذهب نفسه.
وقف الوزير أمام حاحي، وانحنى تحية.
"سيد حاحي" ، قال بصوت رسمي مهيب. "لقد تشاورنا. لا نستطيع أن ننشر وثيقة اعترافات علنية، لأن ذلك سيدمرنا. لكننا نستطيع أن نعطيك شريطاً مسجلاً بصوت حكامنا، يعترفون فيه بكل شيء. لن ننشره، لكنك ستحتفظ به كوثيقة سرية. بعد عشرين سنة من الآن، عندما نموت كلنا، ستنشرها. هذا هو أقصى ما نستطيع فعله."
حاحي نظر إلى فريال. أومأت برأسها: اقبل.
"مقبول" ، قال. "الآن، أعطوني خريطة للطريق إلى الكهف الذي في عين فريال اليسرى."
ابتسم الوزير. أخرج من جيبه لفافة حريرية، فيها خريطة مرسومة بدقة، تبدأ من حدود أور-آمون، تمر بصحراء النوب، ثم وادي النيل، ثم شبه جزيرة سيناء، ثم صحراء النقب، ثم أخيراً جبال القمر.
"سنوفر لك طائرة خاصة إلى حدود جبال القمر" ، قال الوزير. "ومن هناك، ستذهب وحدك. أو مع من تريد."
"سأذهب مع فريال" ، قال حاحي. "لأن عينيها هما الخريطة."
……..
الفصل الثالث: رحلة إلى جبل النسر
الطائرة الخاصة أقلعت من مطار أور-آمون في الساعة السادسة صباح يوم الخميس. كانت طائرة صغيرة، تتسع لثمانية ركاب فقط. ركبها حاحي وفريال وصائدة الجلود (التي أصرت على المجيء لأنها تريد أن تضم جلد الملك-الظل إلى مكتبتها الحية). الرحلة استغرقت أربع ساعات، حطوا خلالها في مطار عسكري سري تابع لقوات حفظ السلام الأممية على الحدود بين الخليج وجبال القمر.
من هناك، استقلوا سيارة جيب عسكرية، قادها جندي أممي صامت لم يقل كلمة واحدة طوال الطريق. أوصلهم إلى سفح جبل شاهق، كانت قمته مغطاة بالثلوج، وفي أعلاه صخرة ضخمة تشبه رأس نسر عملاق من بعيد.
"هذا هو جبل النسر" ، قال الجندي قبل أن ينصرف. "الأمم المتحدة لا تعترف بوجود أي كهف هنا. نحن لم نركم. لم نسمع عنكم. إذا متتم، فلم نعرفكم. بالتوفيق."
وانصرفت السيارة تاركة إياهم وحدهم في البرد القارس، مع حقيبة ظهر واحدة فيها بعض المؤن وبطانيتين وثلاث قنينات ماء.
بدأوا يتسلقون. كان الجبل صعباً، صخوره زلقة من الجليد، ورياحه تعوي كالذئاب الجائعة. فريال، رغم صغر سنها، كانت تتسلق بخفة نادرة، كأن الجبل يعرفها وكان يرحب بها. كانت تقول: "أشعر أني كنت هنا من قبل. في حلم قديم. كان هناك رجل عجوز ذو لحية بيضاء يعلمني أسماء النجوم."
بعد ثلاث ساعات من التسلق، وصلوا إلى فتحة ضيقة بين صخرتين. الفتحة لم تكن ظاهرة للعيان، لأنها كانت مخبأة خلف شلال جليدي صغير. دخلوا من الفتحة، فوجدوا أنفسهم في دهليز طويل، جدرانه من صخر أسود لامع، أرضه مغطاة بعظام متحجرة لحيوانات لا يعرفونها.
ساروا في الدهليز لنصف ساعة، حتى وصلوا إلى باب حجري ضخم، كُتب عليه:
"هنا مدخل مملكة السر. من دخل فليمت عن جهله. ومن مات عن جهله فليولد من جديد."
لم يكن هناك مفتاح. لكن فريال مدت يدها الصغيرة، ووضعتها على حرف معين في الباب. تحرك الباب بصمت، وانفتح على قاعة هائلة.
القاعة كانت مستديرة، قطرها مئة ذراع على الأقل، وسقفها مغطى ببلورات تتوهج ضوءاً أزرق. في وسط القاعة، تمثال لرجل جالس على كرسي عالٍ، يضع على رأسه تاجاً مزدوجاً: تاج الفرعون وتاج التاجر معاً – تماماً مثل تمثال حامي الميزان في أور-آمون. لكن هذا التمثال كان مختلفاً: عيناه كانتا من ياقوت أحمر، ويده اليمنى مرفوعة كأنها تبارك، ويده اليسرى مقبوضة على شيء.
اقترب حاحي. نظر إلى قبضة اليد اليسرى. بين الأصابع، كان هناك ما يشبه مخطوطاً ملفوفاً. حاول فتح الأصابع، لكنها كانت كالحجر، لا تتحرك.
"لا تحاول" ، قال صوت من خلفه.
التفتوا. كان هناك رجل عجوز يقف في زاوية القاعة، لم يروه من قبل. كان يرتدي جلد غزال معتقاً، ولحيته بيضاء حتى صدره، وعيناه – زرقاوان. زرقاوان كزرقة عيني كاهن السجلات الأعلى في أور-آمون. كزرقة السماء قبل العاصفة.
"من أنت؟" سأل حاحي.
"أنا حارس كهف النسر. جدي كان هنا منذ خمسة آلاف سنة. جدي جده كان هنا من قبله. نحن عائلة لا تكتب. نحن نحفظ فقط. نحفظ الكلمة الأولى التي قالها آدم عندما هبط إلى الأرض. نحفظ اللحظة التي اخترع فيها الإنسان أول كذبة منظمة."
"وما هي أول كذبة منظمة؟"
اقترب الحارس من التمثال. أشار إلى قبضة اليد اليسرى.
"داخل هذه القبضة، هناك لفافة تشرح كل شيء. لكن لا يمكن فتح القبضة إلا بشرط واحد: أن يأتي إنسان لا يريد سلطة ولا مالاً ولا جاهاً. إنسان يريد الحقيقة لذاتها فقط. جئتم أنتم ثلاثة: رجل يريد الحقيقة لينشرها، وامرأة تريد الحقيقة لتحفظها على الجلود، وطفلة تريد الحقيقة لأنها جميلة. ربما تكونون الثالثين الذين يأتون منذ ألف سنة. وربما تكونون آخرهم."
حاحي نظر إلى القبضة مرة أخرى. ثم نظر إلى الحارس.
"كيف نفتحها إذاً؟"
"بسيط. كل واحد منكم يقدم أغلى ما يملك. ليس للتمثال. بل للحقيقة نفسها."
صائدة الجلود تقدمت أولاً. أخرجت سكينها المصنوع من حجر السج، وقطعت خصلة من شعرها الأبيض. وضعتها عند قدمي التمثال.
"أقدم شعري" ، قالت. "الشعر هو جمال المرأة. أنا أتنازل عن جمالي للحقيقة."
ثم تقدمت فريال. خلعت حذاءها الصغير – الحذاء الوحيد الذي تملكه، والذي كان هدية من نفرت-إيبي قبل موتها. وضعته عند قدمي التمثال.
"أقدم حذائي" ، قالت. "لأن نفرت-إيبي قالت لي: 'الحرية تبدأ من القدمين. من لا يملك حذاءً لا يملك شيئاً يخسره.' أنا الآن لا أملك شيئاً. فلتأخذ الحقيقة كل ما تبقى لدي."
أخيراً، تقدم حاحي. أخرج من جيبه قلم عظم النسر – القلم الذي صنعته نفرت-إيبي له. وضعه عند قدمي التمثال.
"أقدم قلمي" ، قال. "لأنني كنت أظن أن الكتابة هي الطريق إلى الحقيقة. لكنني الآن أدركت أن الحقيقة لا تُكتب. الحقيقة تُحيا. وقلمي مات مع نفرت-إيبي. ليقم من موته إن شاء."
ارتج التمثال. تحركت قبضته اليسرى. انفتحت الأصابع ببطء. سقطت اللفافة على الأرض.
التقطها حاحي. فتحها. كانت مكتوبة بخط أيديهم هم – خط حاحي نفسه.
نعم. كان خط حاحي.
ارتجف. لم يفهم. كيف تكون اللفافة التي عمرها خمسة آلاف سنة مكتوبة بخط يده؟
قرأ بصوت مرتجف:
"أنا حاحي بن المعماري. أكتب هذه اللفافة قبل خمسة آلاف سنة. كيف؟ لا تسأل. الزمن ليس خطاً مستقيماً كما تظنون. الزمن دائرة. كل ما حدث سيحدث مرة أخرى. كل ما قلته سيقوله غيري. وكل كذبة صنعتها ستصنع من جديد. أنت الآن، يا حاحي الذي يقرأ هذه اللفافة، أنت لست سوى نسختي الآتية من المستقبل البعيد. ونفرت-إيبي التي أحببتها وماتت، هي نفس المرأة التي أحببتها منذ خمسة آلاف سنة وماتت أيضاً. كل شيء يتكرر. السر ليس في كسر التكرار. السر في أن تجعل التكرار أقل إيلاماً في كل مرة."
لم يستطع إكمال القراءة. سقطت اللفافة من يده. ثوانٍ من الصمت. ثم صرخت صائدة الجلود.
انظروا. الجدران بدأت تتغير. البلورات الزرقاء تحولت إلى حمراء. الجدران السوداء صارت مائية، كأنها أصبحت مرايا. وفي المرايا، بدأوا يرون صوراً: صور أور-آمون وهي تنهض من تحت الرمال، وتُبنى من جديد، ثم تُحرق، ثم تُبنى، ثم تُحرق. دورة لا نهاية لها.
صرخت فريال: "أنا خائفة!"
لكن حاحي ضمها إلى صدره. همس في أذنها: "لا تخافي. هذا مجرد تاريخ. والتاريخ كابوس. لكننا سنستيقظ منه يوماً."
……….
الفصل الرابع: عودة كاهن السجلات – الاعتراف الأخير
بعد رحلة العودة من جبل النسر، تغير حاحي تغيراً عميقاً. لم يعد يريد أن يكتب. لم يعد يريد أن ينشر. لم يعد يريد أن يكون بطلاً أو شهيداً أو خائناً أو مخلصاً. كان يريد شيئاً واحداً: الجلوس في حارة الجرح المفتوح، والنظر إلى السماء، وتذكر أن نفرت-إيبي كانت تضحك عندما كان يعلمها الحروف.
لكن القدر لم يمنحه هذه الراحة. في أول ليلة بعد العودة، جاءه كاهن السجلات الأعلى إلى غرفته. كان العجوز هذه المرة يرتدي ثوباً أسود، ووجهه مصفر كأنه على وشك الموت.
"سأموت بعد أيام" ، قال الكاهن. "قبل أن أموت، أريد أن أخبرك سراً لم أخبره لأي إنسان."
"تفضل" ، قال حاحي بلا حماس.
"جدك المعماري لم يمت مقتولاً."
حاحي انتبه فجأة. "ماذا تقول؟"
"نعم. قتلوه ظاهرياً. لكن الحقيقة: جدك انتحر. انتحر لأنه اكتشف ما اكتشفته أنت الآن: أننا نعيش في دائرة لا نهائية من الزمن، وأن كل جيل يعيد أخطاء الجيل السابق. لم يتحمل جدك هذه الحقيقة. علق نفسه في غرفة النوم الخلفية للقصر، وترك رسالة قصيرة: 'سامحوني. لم أعد أستطيع أن أبني على الرمال.'"
حاحي شعر بغصة في حلقه. "إذاً كل ما قيل عن أنه قتل على أيدي حراس حامي الميزان... كان كذباً؟"
"كان كذباً جميلاً. كذب جعل من جدك بطلاً شهيداً، وليس رجلاً عاجزاً انتحر. في ثقافتنا يا حاحي، أحياناً نخلق أكاذيب نبيلة لنحمي الذاكرة من الانهيار. موت الجد بالانتحار كان سيهدم صورة المعماري العظيم. لذلك اخترعنا أنه قتل. حتى أنت,حفيده، صدقت الكذبة طوال حياتك."
حاحي لم يبك. لكن وجهه تحول إلى حجر.
"ولماذا تخبرني الآن؟ لماذا لم تخبرني من قبل؟"
"لأنك الآن مستعد. لأنك رأيت اللفافة التي كتبتها بنفسك قبل خمسة آلاف سنة. لأنك بدأت تفهم أن الحقيقة ليست دائماً أفضل من الكذبة. بعض الحقائق تدمر. والكذبة أحياناً تكون رحيمة."
"لا" ، قال حاحي بحدة. "الكذبة ليست رحيمة أبداً. جدتي عاشت أربعين سنة تظن أن زوجها قتل بطلاً. ماتت وهي تفتخر به. لو عرفت الحقيقة، كانت ستموت مكسورة القلب. لكنها كانت ستموت حرة، لأنها عرفت. المعرفة ولو كانت مؤلمة أفضل من الجهل ولو كان مريحاً."
الكاهن هز رأسه بحزن. "أنت لا تزال شاباً يا حاحي. ستكبر، وستعرف أن الرحمة أحياناً هي أن تحجب الحقيقة عن من لا يتحملها."
"إذاً أنا لا أريد رحمتك. سأخبر الحارة كلها أن جدي انتحر. لا لأفضحه، بل لأعلّم الناس أن الأبطال ليسوا خارقين. هم بشر مثلنا. يخافون. يضعفون. يموتون بأيديهم أحياناً. وهذا لا يقلل من قيمتهم، بل يزيدهم قرباً منا."
وقف الكاهن. كان وجهه شاحباً جداً، كأن الموت بدأ يأكل لحمه من الداخل.
"سأموت غداً يا حاحي. بعد أن أموت، ادفنني في مقبرة الحارة. ليس في المقبرة الكبرى للكهنة. في حارة الجرح المفتوح، حيث دفنت نفرت-إيبي. لأنني في نهاية حياتي، عرفت أن القداسة ليست في القصر، بل في الحارة."
ثم مشى إلى الباب. لكنه توقف عند العتبة. أدار رأسه وقال:
"شيء أخير. الإمبراطورية البيضاء حطمت تمثال الحرية في مينائها الكبير. صار تمثالها يحمل في يده فاتورة دين بدلاً من الشعلة. ومملكة البرجين – إسرائيل – تشهد انهياراً اقتصادياً خانقاً، والمواطنون هناك يخرجون في مظاهرات أكبر من أي وقت مضى. الخليج كله يرسل وفوداً سرية إلى طهران. حتى ألمانيا قطعت علاقاتها العلنية مع إسرائيل احتجاجاً على جرائم الحرب. العالم يتغير يا حاحي. لكن لا تفرح كثيراً. لأن كل تغيير يحمل بذور تكرار ما قبله."
وخرج. ترك حاحي وحيداً في غرفته.
………
الفصل الخامس: فجر اليوم الأخير
مات كاهن السجلات الأعلى كما قال: بعد يوم واحد. وجدوه جالساً على كرسيه في ساحة القصر، وجهه متجه نحو الشرق، عيناه الزرقاوان مغلقتان. في حجره، رسالة إلى حاحي، مكتوبة بخط جميل:
"يا حاحي. الآن دفنت السر. لا تقل لأحد أن جدي انتحر. دعه يبقى بطلاً في عيون الحارة. ليس لأن الكذب خير من الحقيقة، بل لأن الحقيقة في هذه الحالة بالذات لن تفيد أحداً. ستجرح فقط. وداعاً."
حاحي مزق الرسالة. لم يقرأها لأحد. دفن الكاهن في مقبرة الحارة، إلى جوار نفرت-إيبي. فوق قبريهما، زرعت أم حنين شجرة تين صغيرة.
في الليلة نفسها، جاءت أنباء من جبال القمر: المقاومة حررت نصف أراضيها. القوات المشتركة للإمبراطورية البيضاء ومملكة البرجين بدأت تنسحب في فوضى. ومحميات الخليج سحبت قواتها علناً، معتذرة بأن "الوقت غير مناسب لاستمرار العمليات".
وفي أور-آمون، تجمع الناس في الساحة الكبرى. ألقوا تمثال حامي الميزان أرضاً. كسروه قطعاً صغيرة، وتوزعوها تذكارات. ألقوا به في نهر إيترو، وراحوا يرقصون على الجسر.
لكن حاحي لم يرقص. كان جالساً في حارته، ينظر إلى شجرة التين الصغيرة التي نمت على قبر نفرت-إيبي والكاهن العجوز. كانت الشجرة تنمو بسرعة خارقة، وكأنها تشرب من دماء الموتى غذاءً لحياتها.
قالت له صائدة الجلود، التي كانت لا تزال ملازمة له: "لقد انتهى الأمر. العدو هزم. العالم تحرر."
نظر إليها حاحي بعينين مرهقتين.
"العالم لا يتحرر. فقط يتغير شكله. العدو لا يهزم، فقط يغير قناعه. استبدلنا حامي الميزان وشركة الخليج المتحدة بـ... ماذا؟ من سيحكم أور-آمون غداً؟ أهل الحارة؟ هل تظنين أنهم أفضل؟"
"ربما ليسوا أفضل. لكنهم أقل كذباً. وهذا يكفي للبداية."
ضحك حاحي. ضحكة مجهشة.
"البداية... نعم. دائماً هناك بداية. وكل بداية هي نهاية لشيء ما."
وقف. أخذ بيد فريال. مشى بها إلى ساحة القصر، حيث كان الناس لا يزالون يحتفلون. رفعها على كتفيه كي ترى الحشود.
"انظري يا فريال" ، قال. "هؤلاء هم الذين سيكتبون التاريخ من الآن. ليس أنا، ولا نفرت-إيبي، ولا الكاهن العجوز. هم. الحشود. السوقة. العامة. الذين لا يعرفون القراءة ولا الكتابة. هم سيروون لأطفالهم ما حدث، وسيختلفون في التفاصيل، وسيضيفون من خيالهم، وسيحذفون ما يخجلون منه. وهكذا ستبدأ أكذوبة جديدة. وهكذا ستنتهي حقيقة قديمة."
فريال نظرت إلى الحشود. كانت عيناها – تلك العينان اللتان تحملان خريطة أور-آمون وخريطة جبال القمر – تلمعان تحت أضواء المشاعل.
"سأعلمهم كيف يكتبون الحقيقة" ، قالت بثقة طفولية. "سأصنع مدرسة في الحارة. سأعلم كل طفل الحروف. سأعلمهم أن الحرف الواحد يمكن أن يكون سكيناً أو بلسمًا، حسب من يستخدمه."
حاحي قبل جبينها.
"أنتِ أملنا الوحيد" ، قال.
ثم أدار ظهره للاحتفالات، وعاد إلى غرفته. جلس على الأرض. أمامه القلم الذي استرده من عند التمثال في جبل النسر – القلم الذي أعاده الحارس إليه بعد أن فتحت القبضة، قائلاً: "خذ قلمك. لم يمت. لا يموت القلم الذي كتبت به الحقيقة أبداً."
أمسك حاحي بالقلم. نظر إليه طويلاً.
لم يكتب.
وضع القلم على الرف، وأطفأ الفانوس، ونام نوماً طويلاً. نوماً بلا أحلام، بلا كوابيس، بلا سجلات مزورة.
لأول مرة منذ أربعين سنة، نام حاحي نوماً لا يريد أن يستيقظ منه.
لكن الصباح أتى حتماً.
وأتى معه صوت فريال وهي تصرخ من خارج الباب: "حاحي! حاحي! انهض! هناك رسول من مملكة البرجين. يقولون إنهم يريدون التحدث معك. يقولون إن لديهم معلومات عن والدتك."
والدة حاحي. امرأة لم يذكرها أحد طوال الرواية. امرأة يعتقد الجميع أنها ماتت منذ زمن. لكنها لم تمت. كانت محتجزة في سجن سري في مملكة البرجين منذ أربعين سنة، كرهينة لضمان صمت جدّه المعماري. والآن، بعد انهيار كل شيء، يريدون إطلاق سراحها.
فتح حاحي عينيه.
نهض.
أخذ قلمه.
كتب كلمة واحدة على جدار غرفته:
"سننتصر."
وكتب تحتها: "ليس لأننا أقوياء، بل لأن الحقيقة، مهما طال دفنها، تخرج من بئرها باكية، وبكاؤها يملأ الدنيا."
……
نهاية الجزء الرابع
(يتبع الجزء الخامس ه: "بئر الذاكرة – النهاية التي لا تنتهي" )
الجزء الخامس والأخير سيكون خاتمة الرواية بأكملها. سنرى فيه:
· لقاء حاحي بوالدته بعد أربعين سنة من الأسر.
· اعترافات أخيرة من ميرشايمر وساكس على live TV بأن واشنطن وإسرائيل هزمتا.
· رسالة سرية من محمية قطر إلى إيران تعرض "تحالفاً استراتيجياً جديداً" ضد الإمبراطورية البيضاء.
· نهاية حارة الجرح المفتوح: هل تبقى كما هي أم تتحول إلى متحف للذاكرة؟
· مصير صائدة الجلود: هل تعود إلى الصحراء أم تبقى في أور-آمون؟
· وما هي الكلمة التي ستكتب على جدار القصر بعد سقوط آخر الأقنعة؟
…….
بئر الذاكرة – النهاية التي لا تنتهي
الجزء الخامس والأخير
……
الفصل الأول: الأم التي عادت من طي النسيان
لم يكن حاحي يتذكر أمه. ماتت أو اختفت عندما كان في الثالثة من عمره، ولم يبقَ له منها إلا صورة ضبابية: امرأة ترتدي ثوباً أرجوانياً، ويداً تمسح على رأسه، وصوتاً يهمس: "كن قوياً يا حاحي. القوة ليست في العضلات، بل في القدرة على تحمل الغياب."
طوال حياته، ظن أنها ماتت في حادث غامق. لكن رسالة مملكة البرجين كشفت الحقيقة: كانت محتجزة في زنزانة انفرادية تحت الأرض، في سجن يسمى "قبو الأرواح" . أربعون سنة. لم ترَ الشمس، ولم تسمع صوت إنسان، ولم تعرف شيئاً عن مصير زوجها (المعماري الذي انتحر) ولا عن ابنها (الذي صار أمين سجلات مزورة).
جاءها رسول مملكة البرجين على متن مروحية بيضاء، هبطت في ساحة القصر المحطم. كان الرسول رجلاً عجوزاً، نحيلاً، نحاسي البشرة، يرتدي بدلة سوداء وربطة عنق حمراء. قال لحاحي: "نحن نريد السلام. إطلاق سراح والدتك هو بادرة حسن نية. نطلب منكم فقط ألا تسعوا وراءنا بالانتقام. دَعوا التاريخ يقضي بحكمه."
حاحي لم يرد. كان قلبه مشغولاً بشيء واحد: لمسة يديها.
خرجت من المروحية امرأة هزيلة جداً، بالكاد تزن أربعين كيلوغراماً. عظام وجهها بارزة، وعيناها غائرتان لكنهما كانتا تلمعان بذكاء حاد. كان شعرها أبيض بالكامل، لكن ملامحها لا تزال تحمل بقايا جمال كان. مشت نحو حاحي ببطء، كأنها تتعلم المشي من جديد. في يدها، كانت تحمل قطعة قماش صغيرة، بالية، ممزقة، لكنها عرفت أنها قطعة من قميصه عندما كان طفلاً.
"حاحي" ، همست.
لم يقل شيئاً. فقط انهار على ركبتيه، ووضع رأسه في حجرها، وبكى. بكى بكاء طفلاً يلتقي بأمه لأول مرة منذ أربعين سنة، أو منذ ألف سنة، أو منذ الأزل.
الناس نظروا إلى المشهد بصمت. حتى فريال، الطفلة الوقحة، سكتت. وأم حنين بكت. وصائدة الجلود تنهدت.
في تلك الليلة، جلست الأم مع ابنها في غرفة نفرت-إيبي. كانت تمسك بيده، تفرك أصابعه كما تفعل الأمهات. وسألته: "ماذا فعلت في حياتي يا بني؟"
"كتبت التاريخ" ، قال. "زورته. حرفته. خدمت السلطة."
"وماذا تفعل الآن؟"
"أحاول أن أكتب تاريخاً حقيقياً. لكني أشك أن الحقيقة المطلقة موجودة. حتى الكلمة التي كتبها آدم الأول على جلد إنسان، كانت مجرد رأي."
ابتسمت الأم. ابتسامة مرهقة، لكنها كانت مليئة بالحكمة.
"اسمع يا بني. السجن لم يعلمني الكثير، لكنه علمني شيئاً واحداً: الحقيقة ليست كلمات. الحقيقة هي العتمة التي رأيتها أربعين سنة. كل يوم كنت أتخيل شكلاً ضوئياً جديداً. كل يوم كنت أؤلف قصة جديدة عنك: كيف كبرت، كيف تزوجت، كيف أنجبت أطفالاً. كنت أعيش في أكذوبة جميلة. لم تكن صحيحة، لكنها كانت حقيقية بالنسبة لي."
"أإذاً" ، قال حاحي، "أنتِ تقولين إن الأكذوبة الجميلة أفضل من الحقيقة القاسية؟"
"لا. أقول إن الحقيقة ليست شيئاً يُروى، بل شيئاً يُعاش. ما عشته أنت خلال هذه السنين – الألم، الخيانة، الحب، الموت – كل هذا حقيقي. أما الكلمات التي تكتبها عنه، فهي مجرد ظل للحقيقة، وليست الحقيقة نفسها."
صمت حاحي. هذا بالضبط ما قالته له اللفافة في جبل النسر: "الحقيقة تُحيا، لا تُكتب."
نظر إلى قلمه على الرف. للمرة الأولى، شعر أن القلم عاجز. أن الكتابة مهزلة. أن التاريخ مجرد محاولة فاشلة لالتقاط روح الماضي، مثل محاولة اصطياد الريح بشبكة.
"إذاً" ، قال، "ماذا أفعل الآن؟ أتوقف عن الكتابة؟"
"لا. استمر في الكتابة. لكن لا تعتقد أن كتابتك هي الحقيقة. اعتبرها مجرد جسر. الجسر يوصل إلى الحقيقة، لكنه ليس الحقيقة. من يعتقد أن الخريطة هي الأرض، يضيع."
……
الفصل الثاني: اعتراف ميرشايمر وساكس – الحلم الأمريكي ينهار
بعد أسبوع من عودة الأم، حدث شيء غير متوقع. في إحدى الليالي، وصلت إلى حارة الجرح المفتوح إشارة تلفزيونية من إحدى محطات الإمبراطورية البيضاء. كان الناس قد جمعوا جهاز تلفزيون صغير في ساحة الحارة، يشاهدون الأخبار كما يفعلون كل ليلة. لكن هذه الليلة كانت مختلفة.
أعلن المذيع أن قناة إخبارية عالمية كبرى ستبث نقاشاً مباشراً مع الأستاذ جون ميرشايمر، واضع نظرية الواقعية الهجومية، والبروفيسور جيفري ساكس، المستشار الاقتصادي السابق للأمم المتحدة. كان الموضوع: "انهيار النظام العالمي وهزيمة المحور الغربي في حرب إيران".
تجمع أهل الحارة حول الشاشة الصغيرة. حتى حاحي جاء ليرى.
ظهر ميرشايمر على الشاشة. كان أكبر سناً مما في صور الصحف، لحيته بيضاء بالكامل، وعيناه حزينتان. قال بصوته الأجش:
"أنا من أوائل من كتبوا عن واقعية العلاقات الدولية. كنت أعتقد أن القوة وحدها هي التي تحكم العالم. لكني أخطأت. القوة لا تحكم وحدها. هناك شيء اسمه الإرادة. وإيران أثبتت أن إرادة شعبها أقوى من كل قذائفنا وطائراتنا وصواريخنا."
سألته المذيعة: "هل تعتقد أن أمريكا هُزمت؟"
"نعم. هُزمت ليس في ساحة المعركة فقط، بل في ساحة الروح المعنوية. لقد ظننا أننا نستطيع إخضاع أي شعب يعترض طريق مصالحنا. لكننا فوجئنا بشعوب تفضل الموت على الذل. هذه الشعوب – في فلسطين و في فيتنام، في أفغانستان، في العراق ، الآن في إيران – أثبتت أن نظرية القوة المطلقة وهم."
ثم أدار المذيع الحديث إلى جيفري ساكس. كان ساكس يبدو منهكاً، كأنه لم ينم منذ أسابيع.
"يا بروفيسور ساكس، أنت الذي تنبأت بانهيار الاتحاد السوفيتي، كيف ترى وضع أمريكا اليوم؟"
نظر ساكس إلى الكاميرا بعينين محتقنتين. قال:
"أمريكا اليوم أسوأ مما كانت عليه روسيا في آخر أيام الاتحاد السوفيتي. التضخم يلتهم الطبقة الوسطى. الصراع الداخلي بين الديمقراطيين والجمهوريين وصل إلى درجة حرب أهلية باردة. ترامب ونتنياهو – كلاهما – قادا بلديهما إلى الهاوية. ترامب معجب بنتنياهو، ونتنياهو معجب بترامب. لكن الحقيقة أنهما نسران يجران بعضهما إلى القاع."
"ماذا عن إسرائيل؟" سألت المذيعة.
ضرب ساكس الطاولة بقبضته.
"إسرائيل ارتكبت جريمة بحق نفسها. لقد ظنت أنها تستطيع أن تعيش على السيف إلى الأبد. لكن السيف يصدأ. وفي زمن الاقتصاد المعرفي، لا يمكن لدولة أن تزدهر وهي في حالة حرب دائمة. إسرائيل منهكة عسكرياً واقتصادياً واجتماعياً. الانقسامات الداخلية فيها أعمق من أي وقت مضى. والقدس لم تعد آمنة كما كانت."
وهنا، قاطع ميرشايمر: "ودعني أضيف شيئاً. محميات الخليج التي راهنا عليها كحلفاء أوفياء، بدأت تتصل سراً مع إيران. الإمارات، قطر، حتى السعودية نفسها تبحث عن مخرج. لقد أدركوا أن حماية أمريكا لم تعد مضمونة. وقرروا أن يتأمّنوا بأنفسهم."
أهل الحارة صفقوا. صافروا. فرحوا. لكن حاحي كان جالساً في الخلف، لا يشاركهم الفرح. كان يعرف أن انهيار الأقوياء لا يعني بناء عادل. غالباً، يعني فوضى وحروباً أهون منشراً.
همست له أمه، التي كانت جالسة بجانبه: "لماذا لا تفرح يا بني؟"
"لأن هؤلاء" ، أشار إلى الشاشة، "هم من صنعوا المأساة. والآن يتحدثون كالمبشرين بالحق. لكنهم لا يزالون جزءاً من النظام. لم يتغيروا. فقط تغيرت الريح".
أمه أمسكت يده.
"دعهم يتحدثون. كلماتهم لا تؤثر على الحقيقة. الحقيقة أن الشعب الإيراني صمد، وأن الشعوب العربية خذلته، وأن الغرب ارتكب جريمة. أما الآن، فلنبدأ في بناء شيء جديد."
…….
الفصل الثالث: رسالة محمية قطر السرية إلى إيران
في صباح اليوم التالي، وصل إلى حارة الجرح المفتوح حمار محمّل بصندوقين خشبيين كبيرين. كان قائد الحمار شاباً بدوياً، وجهه أسمر، وعيناه ثاقبتان. قال لحاحي: "هذه هدية من حاكم محمية قطر إلى حاحي بن المعماري."
في الصندوق الأول، كان هناك مخطوط باللغة الفارسية، مختوم بخمسة أختام من شمع أحمر. نص المخطوط:
"إلى القادة الأعزاء في طهران. نحن في قطر نعتذر علناً عن أي دور لعبته قواعدنا العسكرية في العدوان على إيران. هذا الدور كان خطأً استراتيجياً أملته الضغوط الأمريكية والإسرائيلية. اليوم، نعلن أننا نفتح صفحة جديدة. نريد أن نكون جسراً بين إيران والخليج العربي. نريد التعاون الاقتصادي، تبادل الغاز والبتروكيماويات، وإقامة منطقة تجارة حرة. نحن على استعداد لأن نكون أوّل من يعترف بحق إيران في برنامجها النووي السلمي، مقابل ضمانات بعدم تحويله إلى أغراض عسكرية. ننتظر ردكم. السلام عليكم."
أما الصندوق الثاني، فكان يحتوي على خنجر ذهبي، مرصع بالياقوت، وعلى نصله كلمة واحدة: "النهاية" .
صائدة الجلود، التي كانت واقفة بجانب حاحي، قالت: "هذا الخنجر ليس هدية، بل هو رمز، رمز أنهم مستعدون لطعن حلفائهم القدامى في الظهر. إنهم يريدون أن يقولوا لإيران: نحن معكم الآن، وسنستخدم نفس الخناجر التي استخدمناها ضدكم، لكن هذه المرة في ظهور الأمريكيين والإسرائيليين."
حاحي أخذ الخنجر. تأمله. ثم أعاده إلى الصندوق.
"لن أرد على هذه الرسالة" ، قال. "لست وسيطاً. ولست نبياً. ولست سفيراً. اتركوا السياسة للسياسيين."
لكن أمه اقتربت منه، وهمست في أذنه: "لا تكن ساذجاً يا بني. أنت الآن جزء من التاريخ. سواء أردت أم أبيت. هذه الرسالة وصلت إليك لأنك صرت رمزاً. لا مفر من الرموز. الرموز تُفرض علينا، ولا نختارها."
نظر إليها حاحي. من أين لهذه المرأة، التي قضت أربعين سنة في زنزانة، كل هذه الحكمة؟
"من علمكِ كل هذا؟" سأل.
"الزنزانة" ، قالت ببساطة. "عندما لا يتبقى لك شيء سوى الجدران الأربعة، تبدأ في التفكير. تفكر في كل شيء: في الخيانة، في الحب، في الموت، في النسيان. تخرج من الزنزانة حكيماً، أو تخرج مجنوناً. أنا خرجت حكيمة. لا أستحق كل هذه الحكمة، لكنها أتتني كهدية من الجدران."
……..
الفصل الرابع: حارة الجرح المفتوح – متحف أم حياة؟
بعد كل هذه التطورات، بدأ حارة الجرح المفتوح تتحول إلى وجهة. لم يعد سكانها فقراء مهمشين. صاروا أيقونات. يأتي إليهم الصحفيون من كل مكان، يصورونهم، يجرون معهم المقابلات، يكتبون عنهم كتباً. صارت الحارة مزاراً سياحياً، يباع فيها الخبز البلدي بأسعار مضاعفة، وتُعرض فيها الجلود المكتوبة كمعروضات في متحف صغير أنشأته بلدية أور-آمون الجديدة.
هذا التحول أزعج حاحي. كان يخشى أن تتحول ذكرى نفرت-إيبي إلى سلعة. أن يباع ألمها على أنه "تراث ثوري" في محلات الهدايا. أن يتاجر تجار الجشع الجدد بدمها كما كان يتاجر القدامى بألم الحارة.
ذات يوم، دخلت عليه صائدة الجلود وفي عينيها غضب. قالت: "هؤلاء السياح ينظرون إلينا كما ينظرون إلى الحيوانات في حديقة الحيوان. يأتون ليروا 'الفقراء الأصليين'، يتفرجون على جراحنا ويتناولون الغداء في مطعم 'الألم اللذيذ' الذي فتحته شركة استثمارية عند مدخل الحارة. هذا مقرف."
جلس حاحي يفكر. ثم دعا إلى اجتماع عام في ساحة الحارة. حضر الجميع: أم حنين، فريال، صائدة الجلود، أمه، الجيران القدامى، والسكان الجدد الذين نزحوا إلى الحارة بسبب ارتفاع أسعار الإيجار في وسط المدينة.
وقف حاحي. قال:
"أهل حارتي. نحن الآن مشهورون. لكن الشهرة سلاح ذو حدين. إما أن نستخدمها لخدمة قضيتنا، أو أن تخدم هي نفسها على حسابنا. أريد اقتراحاً: لنحول الحارة إلى متحف حي، ليس للسياح، بل لنا. نعم، متحف. لكن متحفاً لا يُباع فيه تذكارات، بل تُروى فيه قصص. متحف لا تُعرض فيه الجلود في صناديق زجاجية، بل يلبسها أبناء الحارة كل يوم، ويروون ما عليها لأطفالهم. بهذه الطريقة، نحمي ذكرانا من أن تصبح بضاعة."
انقسم الحضور. مؤيد ومعارض. قال بعضهم: "نحتاج المال. السياح يجلبون المال. بمالهم نشتري الخبز والدواء." وقال آخرون: "الكرامة أغلى من الخبز."
وتوسطت فريال. قالت بصوتها الطفولي: "لماذا لا نأخذ المال من السياح، لكن لا نبيع كرامتنا؟ نستقبلهم، نروي لهم قصصنا، ونأخذ تبرعاتهم. لكن لا نسمح لهم بتصويرنا كحيوانات، ولا نسمح ببيع صورنا على التيشيرتات. نضع قوانين صارمة. من يخالفها، يُطرد من الحارة."
ضحك الحضور. هذه الفتاة الصغيرة كانت تفكر كسياسية محنكة.
وافقوا على اقتراح فريال. صارت الحارة متحفاً حياً، لكنه متحف صعب. زواره يخرجون منه باكين، لأن القصص التي يسمعونها تفتح الجروح القديمة. ومما زاد الطين بلة، أن أم حنين العجوز قررت أن تكون هي الحكاءة الرئيسية. كانت تقف كل ظهيرة في الساحة، وتروي قصة طفل مات جوعاً، أو امرأة اغتصبها حراس حامي الميزان، أو شيخ أحرقوا بيته وهو بداخله.
كان السياح الأوائل يبكون. ثم اعتادوا. ثم صاروا يصفقون في نهاية الحكاية، كأنها مسرحية. وهنا، توقفت أم حنين فجأة في منتصف حكاية ذات يوم، وقالت بغضب: "أنتم لا تفهمون شيئاً. هذه ليست مسرحية. هذا تاريخ. والتاريخ لا يُصفق له. التاريخ إما أن يُعاش، أو يُنسى."
ومنذ ذلك اليوم، منعت التصفيق. صار السياح يسمعون القصص في صمت تام، ثم يخرجون دون كلمة واحدة. كثيرون منهم لم يعودوا. والمتحف كاد أن يفلس لولا تبرعات بعض الأغنياء الذين شعوا بالذنب.
………
الفصل الخامس: صائدة الجلود تعود إلى الصحراء
بعد أن استقرت الحارة على وضعها الجديد، قررت صائدة الجلود أن تعود إلى الصحراء. قالت لحاحي: "أنا حزينة. ليس لأن الحارة تغيرت، بل لأنني لم أعد أعرف دوري فيها. صرت أشبه بقطعة متحف أخرى. جلدي الذي كتبت عليه تاريخ أور-آمون بدأ يشفى تدريجياً، والحروف تختفي. كأن التاريخ نفسه يختفي مع شفاء الجلد. هذا يريحني. فالجلد الحي لا يحمل الأسرار إلى الأبد. وإلا لكنا قُتلنا جميعاً بسبب أسرارنا."
حاحي حاول إقناعها بالبقاء. قال: "أنتِ أم الجلود. بدونك، كيف سنحفظ ذاكرتنا؟"
ضحكت. "الذاكرة ليست في الجلود. الذاكرة في الأفعال. ما دمتم تفعلون ما يجب فعله، ستحفظ الذاكرة نفسها. وإذا توقفتم عن الفعل، فلن تنفع الجلود شيئاً."
وداعها كان حزيناً. ودّعت فريال بقبلة على جبينها، وأم حنين بعناق طويل، وحاحي بنظرة صامتة حملت كل ما لم تقله.
خرجت من الحارة عند الفجر، حقيبتها الجلدية على ظهرها، وقلم حاحي في جيبها (أعطاه إياها هدية). سارت شمالاً، نحو الصحراء الكبرى، حيث لا مياه ولا كهرباء ولا جدران تحفظ الذاكرة، لكن هناك رمالاً تحفظ كل شيء، لأن الرمال تنساب فوق الآثار فتدفنها، والدفن أحياناً هو أفضل طريقة للحفظ.
بعد رحيلها، شعر حاحي بفراغ كبير. كان يعتمد عليها في توثيق كل ما يكتب، وفي الرأي الحاد. الآن، صار وحيداً مع قلمه وأمه وفريال والجدران الباكية.
قالت له أمه: "كل حكاية تنتهي برحيل شخصية. لا تحزن. رحيلها يعني أن فصلاً قد أغلق، وفصلاً جديداً سيُفتح."
"أي فصل؟" سأل.
"فصلك أنت يا حاحي. لطالما كنت راوياً. حان وقت أن تصبح شخصية في حكاية غيرك. اترك القلم قليلاً. عش. تنفس. أحب. اكره. احزن. افرح. اترك الكتابة للكتاب الآخرين. أنت الآن تستحق أن تكون بطلاً في قصة حقيقية، لا كاتباً في قصة وهمية."
هذه الكلمات أثرت في حاحي بعمق. صحيح. طوال الرواية، كان هو من يروي. كان هو من يكتب. كان هو من يزور. لكنه لم يكن يعيش أبداً. كل حياته كانت من أجل الآخرين: من أجل نفرت-إيبي، من أجل فريال، من أجل الحارة، من أجل الحقيقة المجردة. لكنه لم يعش يوماً من أجل نفسه.
أخذ قراراً. قال لأمه: "سأسافر. سأخرج من أور-آمون. سأرى العالم بعيني، لا بعيون الكتب. سأعيش الحياة بدلاً من كتابتها."
سألته أمه: "إلى أين؟"
"إلى مملكة جبال القمر. إلى حيث مات الملك-الظل. إلى حيث صمد الإيرانيون. سأرى بأم عيني ما كتبت عنه طوال حياتي. سأشم رائحة جثثهم، وأسمع بكاء أطفالهم، وألمس حجارة بيوتهم المدمرة. وبعدها، سأقرر: هل أستحق أن أكتب التاريخ؟ أم أن التاريخ يكتبني أنا؟"
سافرت أمه معه. وسافرت فريال أيضاً، لأن عينيها كانتا الخريطة. سافروا بجوازات سفر مزورة قدمها لهم الوزير الخليجي السرّي. سافروا إلى طهران أولاً، ثم إلى مدن الحدود، ثم إلى الجبال حيث آخر معاقل المقاومة.
هناك، عاش حاحي ثلاثة أشهر. لم يكتب خلالها حرفاً واحداً. عاش حياة بسيطة: كان يحفر الخنادق مع المقاتلين، ويوزع الطعام على النازحين، ويحمل الجرحى على كتفيه. تعلّم كيف يشعل النار بحجرتين، وكيف يجد الماء تحت الصخر، وكيف ينام واقفاً.
في نهاية الأشهر الثلاثة، عاد إلى أور-آمون. لكنه عاد رجلًا آخر. لم يعد يهتم بما يكتبه الآخرون عنه. لم يعد يخاف من سجلات مزورة. لم يعد يريد أن يكون أيقونة أو بطلاً. أراد فقط أن يكون حاحي، الإنسان العادي، الذي عاش، وتألم، وأحب، وخان، وتاب، وعاش مرة أخرى.
………
الفصل السادس: الكلمة الأخيرة على جدار القصر
في اليوم الأخير من الرواية، وقف حاحي أمام جدار القصر المهشم. كان الجدار لا يزال يحمل بقايا مرايا قاعة المرايا، بعضها مكسور، وبعضها سليم، وبعضها متسخ بدماء قتلى. في ذلك الجدار، كان حكام أور-آمون يكتبون اعلاناتهم وتشريعاتهم وأخبارهم المزيفة. والآن، الجدار خالٍ، ينتظر كلمات جديدة.
كان حاحي يحمل في يده دلو طلاء أسود، وفرشاة كبيرة. أراد أن يكتب شيئاً. ليس الكثير من الكلمات. مجرد كلمة واحدة. كلمة تلخص كل ما مر به، وكل ما تعلمه.
نظر إلى الحشد الذي تجمع خلفه. كان هناك فريال، وأم حنين، وأمه، وبعض الجيران، وبعض السياح الذين صادف وجودهم. كانوا ينتظرون بفارغ الصبر.
رفع الفرشاة. غمسها في الطلاء الأسود. ثم كتب على الجدار:
"تَذَكَّرْ"
كلمة واحدة. لكنها كتبت بخط كبير، يملأ عرض الجدار. ثم كتب تحتها بخط صغير:
"التذكر ليس استرجاعاً للماضي. التذكر هو أن تحيا الحاضر كأنه الماضي، لئلا تكرر أخطاءه. وأن تحيا الحاضر كأنه المستقبل، لئلا تجني ثماراً لم تزرعها. أيها المار من هنا، لو قرأت هذه الكلمات بعد ألف سنة، فاعلم أن حاحي بن المعماري قالها: لا تصدق أحداً يقول لك إنه يعرف الحقيقة المطلقة. الحقيقة الوحيدة هي أنك موجود الآن، هنا، تقرأ. وهذا الوجود هو كل ما لديك. استخدمه بحكمة. وإلا، فستأتي بعد ألف سنة أخرى نسخة أخرى منك تقرأ نفس الكلمات، وتتعثر في نفس الحماقات."
نظر إلى ما كتب. نظر إلى الجدار. نظر إلى الناس.
قال: "انتهى الأمر. الآن، لن أقول شيئاً بعد اليوم. سأصمت. والصمت هو آخر درجات الحكمة."
ترك الفرشاة، وغادر الساحة. لم يلتفت إلى الوراء. لم يهتم إن كان أحد يصفق أو لا يصفق. مشى بخطى ثابتة نحو حارة الجرح المفتوح، حيث أمه تنتظره لتعد له طعام الغداء.
في الطريق، مرّ بجوار بئر مقبرة الكتبة. كان البئر لا يزال يبكي. لكن بكاءه تحول هذه المرة إلى همس خفيف، كهمس جدة تعيد حكاية لأحفادها قبل النوم.
همس البئر:
"مرة كان هناك كاتب اسمه حاحي. تعلم أن الحقيقة لا تُكتب، بل تُحيا. فحياها. عاشها وتألمها. وبعد أن عاشها، فهم أن الكتابة ليست ضرورية. فصمت. وصمته كان أبلغ من كل الكلمات التي كتبها. ومنذ ذلك الحين، كلما سكت كاتب، نبتت زهرة في صحراء أور-آمون. والآن، تكاثرت الزهور حتى غطت الرمال. وأصبحت المدينة حديقة لا جدران لها. والحديقة لا تحتاج إلى حراس."
فريال، التي كانت تسير بجانب حاحي، سمعت الهمس. نظرت إليه.
"هل تسمعها أيضاً؟" سألت.
"أسمعها" ، قال. "لكنني لن أترجمها إلى كلمات. دعها تهمس هكذا إلى الأبد. همس البئر هو وحده القادر على أن يكون حقيقياً، لأنه لم يكتبه أحد."
وصلوا إلى الحارة. دخلوا بيت نفرت-إيبي القديم. جلسوا حول مائدة الغداء.
كان الطبق بسيطاً: خبز، زيتون، جبن، وبصل أخضر. أبسط وجبة في أور-آمون. لكنها كانت أشهى وجبة تناولها حاحي في حياته، لأنها كانت وجبة لم يُكتب عنها شيء. وجبة للعيش، لا للكتابة.
أمسك بيد أمه. بيد فريال. أغلق عينيه.
وتذكر.
تذكر كل شيء: نفرت-إيبي تتعلم الحروف، الملك-الظل يبكي على ركبتيه، صائدة الجلود تئن تحت القلم، كاهن السجلات يوزع الخبز، الأم تخرج من المروحية كأنها ولدت من جديد.
تذكر، ولم يقل شيئاً.
كان صمته كافياً.
والصمت، في النهاية، هو الإجابة الوحيدة على أسئلة لا تنتهي.
---
الخاتمة: ما بعد النهاية
بعد عشرين سنة من هذا اليوم، كبرت فريال. صارت امرأة في الثلاثين من عمرها. فتحت مدرسة في حارة الجرح المفتوح، تدرس فيها الأطفال القراءة والكتابة. لكنها كانت تدرسهم شيئاً ثالثاً: النسيان المقاوم.
كانت تقول لتلاميذها: "لا تحفظوا التاريخ كما يحفظ الببغاء. التاريخ يجب أن يُنسى أحياناً، كي نعود إليه من جديد بعيون نضرة. من يحفظ التاريخ عن ظهر قلب يموت قلبه. ومن ينساه تماماً يموت عقله. التوازن هو أن تتذكروا فقط ما يستحق أن يُذكر، وتنسوا الباقي."
كان تلاميذها يسألونها: "وما الذي يستحق أن يُذكر؟"
"الذي يجعلكم أفضل، لا الذي يجعلكم أكثر حزناً. الألم الذي لا يولد عملاً هو ألم ميت. ادفنوه."
أما حاحي، فقد عاش حتى سن الثمانين، ثم مات في نومه. قبل موته بأيام، طلب من فريال ألا تكتب على قبره شيئاً. ترك القبر عارياً، بلا اسم، بلا تاريخ، بلا عبارات رنانة. قال: "أريد أن أنسى، كما نسيتني الدنيا قبل أن أولد. العودة إلى النسيان الأبدي هي أعلى درجات السلام."
دفن في مقبرة الحارة، إلى جوار نفرت-إيبي وكاهن السجلات. فوق قبره، نمت شجرة تين التحمت بجذور شجرة التين التي زرعتها أم حنين. صارت الشجرتان شجرة واحدة عظيمة، يظللها الناس في أيام الصيف الحارة.
في أحد الأيام، جاءت صائدة الجلود لزيارة القبر. كانت عجوزاً جداً، تبلغ من العمر ثمانين أيضاً. سارت بصعوبة بعكازها، وهي تحمل حقيبتها الجلدية الفارغة الآن (لأن الجلود التي كانت فيها قد تحللت كلها). وقفت أمام قبر حاحي العاري.
قالت بصوت مرتعش: "أنت فزت يا حاحي. لأنك لم تحاول أن تربح. من لا يحاول الربح، لا يخسر أبداً."
ثم جلست تحت شجرة التين، وأغمضت عينيها. في اليوم التالي، وجدوها نائمة بجانب القبر، هامدة. لم تشعر بالموت. ماتت كما تحب: بهدوء، بلا ضجيج، بلا كلمات.
دفنوها بجانب حاحي. والشجرة نمت أكثر، وامتدت أغصانها لتحجب الشمس عن القبور الثلاثة.
وبعد سنوات، نسي الجميع من كان حاحي. لم يبقَ من قصته إلا همس بئر مقبرة الكتبة، الذي كان يقول كل ليلة:
"تَذَكَّرْ... تَذَكَّرْ... تَذَكَّرْ..."
ولم يعد أحد يسمع الهمس، إلا الطيور المهاجرة التي كانت تحط على البئر في طريقها إلى الجنوب، ثم تكمل سفرها، حاملة معها قطرة من ماء البئر في منقارها، تسقي بها شجرة تين في وادٍ بعيد.
وهكذا، استمرت الذاكرة في السفر، من بئر إلى شجرة، من شجرة إلى طائر، من طائر إلى بذرة، من بذرة إلى أرض جديدة.
وفي كل مرة تنبت فيها بذرة، تولد قصة جديدة.
ليس بالضرورة أفضل من القصص القديمة.
لكنها مختلفة.
والاختلاف هو كل ما يطلبه التاريخ منا.
أن نختلف.
لا أن نكرر.
ولهذا سميت هذه الرواية: "مرايا السَّلْطَنَة" .
لأن السلطنة تمرض بالتكرار، وتُشفى بالاختلاف.
وكل قارئ له مرآته.
ولكل مرآة حقيقتها.
والحقيقة الوحيدة التي تجمع كل المرايا هي أننا لم ننتهِ بعد.
لا نحن.
ولا حكاياتنا.
فالقادم أكبر.
والموت ليس نهاية.
إنه مجرد استراحة محارب.
سنتقابل في حكاية أخرى.
هذه المرة، ليس في أور-آمون.
بل في مدينة لا تزال تولد الآن، في مخيلة من يقرأ هذه السطور.
اسمع.
هل تسمع بكاء بئر؟
إنه يبكي من الفرح.
لأنك وصلت إلى النهاية.
والنهاية هي بداية جديدة.
فاذهب، واكتب حكايتك أنت.
لا تنتظر من يكتبها عنك.
فمن يكتب عن غيره، يكتب عن نفسه في النهاية.
ومن يكتب عن نفسه، يكتب عن الجميع.
سلام.
…….
نهاية الرواية
مرايا السَّلْطَنَة
خمسة أجزاء
حاحي بن المعماري (بطلاً وليس كاتباً)
أور-آمون – زمن الحكاية
"ليس المهم أن نعرف الحقيقة، بل المهم أن نعرف أننا لا نعرفها. هذا هو أول دروب الحكمة. وآخرها هو الصمت."
– من وصفية آدم الأول، جلد إنسان، قبل 5000 سنة
………..
مرايا الحقيقة والسلطة: دراسة مقارنة بين رواية "مرايا السلطنة" وخطاب الاحتكارات المالية الغربية
تمهيد: حين تصبح الرواية أرشيفاً للذاكرة المغيبة
ليس من قبيل المصادفة أن تنبثق الرواية العظيمة من رحم الأزمات الكبرى. فحين تعجز الصحافة عن قول الحقيقة تحت وطأة التمويل الملوث، وحين تخون الجامعات رسالتها تحت ضغط المنح المشروطة، وحين تصمت المعارضة الرسمية خوفاً من سجون الرأي، يبقى الأدب هو الملاذ الأخير للحقيقة. لكنه ملاذ غريب: لا يقدم الحقيقة جاهزة، بل يقدمها كمرآة مكسورة، تعكس الوجه من ألف زاوية، تاركة للقارئ مهمة تركيب الشتات.
رواية "مرايا السلطنة" بحلقاتها الخمس ليست مجرد عمل تخييلي. إنها مختبر روائي لتفكيك آليات السيطرة الغربية – الصهيونية – الخليجية على العقل الجمعي، عبر تزوير التاريخ، وتحريف السرديات، وإنتاج "حقائق" موازية تخدم أقلية أوليغارشية على حساب أغلبية شعبية جائعة. لكنها في الوقت نفسه تقدم نموذجاً للمقاومة: ليس مقاومة السلاح فقط، بل مقاومة الذاكرة، مقاومة النسيان المنظم، مقاومة الرغبة في الاستسلام المريح.
هذه الدراسة تحاول أن تقارن بين ما طرحته الرواية من أفكار، وما كتبه كبار المنظرين والمؤرخين والاقتصاديين الغربيين والعرب عن الموضوع نفسه. لن نبحث عن المطابقة، بل عن التوافق والتباين، عن طريقة تحويل المعرفة النظرية إلى دراما إنسانية، وعن حدود الأدب في معالجة قضايا هي في الأساس سياسية واقتصادية.
……….
أولاً: الرواية كنموذج لتفكيك "صناعة الواقع"
في الجزء الأول من "مرايا السلطنة"، يقدم الكاتب شخصية حاحي بن المعماري، أمين السجلات الإمبراطورية، الذي يمارس تزوير التاريخ كوظيفة يومية. هذا التوصيف ليس خيالياً بقدر ما هو ترجمة درامية لمفهوم "صناعة الواقع" الذي طوره المفكرون النقديون من مدرسة فرانكفورت إلى ميشيل فوكو.
يُظهر حاحي، في لحظة صراعه مع نفرت-إيبي، أن الكذبة المنهجية ليست مجرد إخفاء للحقيقة، بل هي إنتاج لحقيقة بديلة تُعاش كما لو كانت حقيقية. هنا يتقاطع الروائي مع نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان في كتابهما الكلاسيكي "موافقة الصنع: الدعاية الجماهيرية في الديمقراطية". يرى تشومسكي أن وسائل الإعلام الغربية تعمل كمرشحات، تنتقي الحقائق التي تخدم النخبة، وتهمش التي تخالفها، حتى يصبح الرأي العام موافقاً طواعية على سياسات تضر به. وهذا ما تفعله "قاعة المرايا" في أور-آمون: ليست مجرد غرفة، بل هي آلة إنتاج الواقع.
لكن الرواية تذهب إلى ما هو أبعد من تشومسكي. فالمفكر الغربي كتب في مجتمع ديمقراطي حيث لا تزال حرية التعبير ممكنة، وإن كانت مشوهة. أما في مجتمعات المحميات الخليجية والكيان الصهيوني، فالوضع أكثر تعقيداً: هناك رقابة مزدوجة – رقابة السلطة السياسية، ورقابة رأس المال. الرواية تصور ذلك من خلال شخصية "شركة الخليج المتحدة"، التي لا تتدخل في السياسة فقط، بل تمتلك السياسيين وتمول الكتّاب وتشتري الضمائر، تماماً كما اشترت الجد المعماري قبل أن ينتحر.
في هذا السياق، تلتقي الرواية مع تحليلات جون ميرشايمر وستيفن والت في كتابهما "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية". فالكاتبان يوثقان كيف تمكنت أقلية صهيونية من توجيه السياسة الأمريكية بما يخدم مصالحها، حتى عندما تتعارض مع المصلحة القومية الأمريكية نفسها. الرواية تنقل هذه الفكرة إلى أرضية سردية: مملكة البرجين (إسرائيل) لا تظهر كدولة عادية، بل كـ شبح يتحكم في قرارات الإمبراطورية البيضاء (أمريكا) من الداخل، مستغلاً آليات الضغط المالي والإعلامي والأيديولوجي.
………
ثانياً: تزوير التاريخ – من الممارسة اليومية إلى النظرية الأكاديمية
واحدة من أبرز مساهمات الرواية هي تصويرها لكيفية إعادة كتابة الماضي خدمة للحاضر. حاحي، بتفاصيل مهنته المروعة، يمسح أسماء مئات الفراعنة من السجلات، ويضيف آخرين، ويغير تواريخ المعارك، وينسب انتصارات إلى قادة لم يشاركوا فيها. هذه ليست مبالغة روائية، بل هي ملخص لعمل عدد لا يحصى من المؤرخين "الموظفين" في العالم العربي والغربي.
قارن الرواية مع كتاب "تزوير التاريخ" للمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، وخاصة فصله عن "الاستشراق". يوثق سعيد كيف صنع المستشرقون الغربيون صورة مشوهة عن الشرق – صورة تنم عن تخلف وجمود واستبداد – لتبرير الاستعمار. بالمثل، تصنع النخبة الحاكمة في أور-آمون صورة عن "شعب الحارة" بأنهم "جُهلاء فقراء لا يستحقون الحياة الكريمة"، وبالتالي يصبح نهب أراضيهم وقتلهم تشريداً شرعياً.
لكن سعيد يكتب من موقع أكاديمي نقدي، بينما تكتب الرواية من موقع شهادة حية. شخصية نفرت-إيبي، المرأة الأمية التي تقرر تعلم الحروف لتكتب تاريخ حارتها بدمها، هي تجسيد لمفهوم "مقاومة السلطة بالمعرفة". وهي أيضاً تجسيد لنقد ميشيل فوكو للسلطة في كتابه "المراقبة والمعاقبة": حيث يرى فوكو أن السلطة لا تُمارس فقط بالقمع، بل بإنتاج "خطاب" يخضع العقول. الرد على ذلك هو إنتاج خطاب مضاد. وهذا ما تفعله نفرت-إيبي حين ترسم خريطة أور-آمون على جلدها: إنها تنتج خطاب الجسد مقابل خطاب القصر.
في الأدبيات العربية، ثمة تقارب واضح بين رواية "مرايا السلطنة" ورواية "أولاد حارتنا" لـ نجيب محفوظ. فمحفوظ استخدم الرمزية الدينية ليتحدث عن السلطة والعدل والظلم في حارة شعبية، بعيداً عن رقابة السلطة. لكن نجيب محفوظ كتب في عهد عبد الناصر والسادات، حيث الرقيب كان سياسياً. أما رقيب "مرايا السلطنة" فهو اقتصادي – إعلامي – وهو أشد فتكاً. ففي عالم اليوم، لا تحتاج السلطة إلى حظر كتاب، فقط تحتاج إلى شرائه، أو تجاهله، أو تحويله إلى مادة ترفيهية سريعة الاستهلاك.
هنا يظهر ذكاء الكاتب: جعل حاحي نفسه جزءاً من آلة التزوير، ثم جعله يتحول إلى ثائر عليها. هذه هي رحلة الوعي التي تحدث عنها أنطونيو غرامشي في مفهوم "الهيمنة الثقافية": العضو في النظام لا يمكنه تحرير نفسه دفعة واحدة، بل يحتاج إلى صراع طويل مع القيم التي استبطنها.
……….
ثالثاً: الاحتكارات المالية – بين التحليل الاقتصادي والدراما الإنسانية
الرواية لا تكتفي بالحديث عن تزوير التاريخ، بل تخوض في أعماق الاقتصاد السياسي للاحتكارات المالية. شخصية "شركة الخليج المتحدة" ليست مجرد تاجر فاسد، بل هي تجسيد لما يسميه الاقتصادي جون بيركنز في كتابه "اعترافات قاتل اقتصادي" بـ "القتلة الاقتصاديين". هؤلاء أثرياء يغدقون القروض على البلدان النامية بشروط تعجيزية، ثم يستعبدونها بالديون، ويسيطرون على مواردها.
في الرواية، شركة الخليج المتحدة تمول حامي الميزان، ثم تطالبه بتنازلات: أراضٍ، امتيازات تعدينية، عقود احتكار. وعندما يحاول حامي الميزان التمرد على شروطها، تقطع عنه الكهرباء وتدبر انقلاباً. هذا السيناريو تكرر في الواقع في عشرات الدول .
لكن الرواية تضيف بعداً نفسياً عميقاً. فمدير شركة الخليج المتحدة لا يظهر كإنسان عادي، بل كـ شبح خلف ستار، صوته معدني، وجهه لا يُرى. هذه إنسانية منزوعة – تجسيد للاقتراح الذي طرحه عالم الاجتماع زيغمونت باومان في كتابه "العولمة: العواقب الإنسانية": أن رأس المال العالمي أصبح "خفيفاً وسائلاً"، لا يرتبط بأرض ولا شعب، ولا يشعر بأي مسؤولية تجاه من يدمرهم. هذا هو الرعب الجديد: عدو بلا وجه، يضرب دون أن تراه.
في المقابل، عندما تبدأ محميات الخليج – كما في الجزء الرابع – بإرسال رسائل سرية إلى إيران بعد انهيار الجبهة الأمريكية، تظهر الرواية انتهازية المحميات ببراعة. هنا نكشف فكر الإخوان المسلمين الرجعي الخادم للإمبريالية وعلى رأسهم الإرهابي الدولي
راشد الغنوشي وحسن الترابي و القرضاوي والعرعور و الغزالي و العريفي والشعراوي وغيرهم من ادوات مؤامرة خشب الجميز ، التي تشير إلى أن الأنظمة الخليجية لا تملك استراتيجية ثابتة، بل تبيع ولاءها لأعلى سعر.
وهنا أيضاً نلمس فارقاً جوهرياً بين الرواية والأدبيات السياسية السائدة. فمعظم الكتابات السياسية تتناول الموضوع من أعلى: قرارات البنك الدولي، صندوق النقد، العلاقات الدولية. أما الرواية فتنزل إلى مستوى المقهى في الحارة، إلى حيث يتحدث البسطاء عن السياسة وهم يشربون القهوة المرة. هذا التأنيس للسياسة يجعل القارئ يشعر بأن القضية ليست تجريداً، بل هي حياة ناس حقيقيين.
………
رابعاً: عصيان المعرفة – حين تعيد المرأة والحارة كتابة التاريخ
إذا كان الجزء الأول من الرواية يركز على آليات السيطرة، فإن الأجزاء التالية تركز على آليات المقاومة المعرفية. وقوام هذه المقاومة شخصيتان استثنائيتان: نفرت-إيبي (المرأة الأمية التي تعلمت القراءة لتكتب على جلدها) وفريال (الطفلة التي تحمل الخريطة في عينيها).
هذا التوظيف للأنثى والطفل كحاملين للحقيقة ليس اعتباطياً. في الأدبيات النسوية المعاصرة، أشارت تشينوا أتشيبي وآسيا جبار إلى أن المرأة في المجتمعات المستعمرة غالباً ما تكون حارسة للتراث الشفهي والمقاومة اليومية. ونفرت-إيبي تجسّد هذه الفكرة: ذراعها الوشوم بخريطة أور-آمون هو بمثابة أرشيف حي، لا يمكن حجبه أو تزويره لأن الجلد لا يتكلم إلا إذا أراد صاحبه.
هذا يذكرنا بكتابات فانوس بشير عن الأرشيف الفلسطيني المحمول في الذاكرة الشعبية، أو بكتابات غسان كنفاني عن "رجال في الشمس" الذين يحملون قضيتهم في أنفسهم حين تفشل الأنظمة.
أما فريال، الطفلة، فتمثل الجيل القادم الذي سيكمل المشوار. في نهاية الرواية، تصبح معلمة في مدرسة الحارة، لكنها تعلم التلاميذ "النسيان المقاوم". هذه الفلسفة التربوية تلتقي مع أفكار باولو فريري في كتابه "تربية المقهورين": التعليم ليس نقلاً للمعلومات، بل هو فعل تحرر، عملية يتعلم فيها المقهورون كيف يفكرون بأنفسهم، لا كيف يكررون ما يقوله لهم القاهرون.
تضاهي هذه الرؤية في الأدب العربي ما كتبه عبد الرحمن منيف في "مدن الملح"، حيث كانت العجائز والنساء يحفظن تاريخ القبيلة، والرجال يخونون أو يُخانون. لكن منيف كان أكثر تشاؤماً: مدن الملح تنهار ولا تعود. أما حاحي، في نهاية الرواية، فيترك القلم ويصمت ويحيا الحياة. هذه نهاية مفتوحة تحمل بصيصاً من الأمل: لا ننتظر من القادم أن يكون بطلاً، بل أن يكون إنساناً عادياً يعيش بكرامة.
……
خامساً: خطاب الاستسلام – قناة الجزيرة والبروباجاندا الجديدة
لم تغفل الرواية دور الإعلام في تدمير الروح المعنوية. في المشاهد التي تتحدث عن تغطية الجزيرة للعدوان على إيران (المشار إليها في بداية المحادثة)، تصف الرواية كيف أن مراسل القناة في طهران يقدم تقارير تيئيسية تصور الشعب الإيراني منهكاً جوعاً وعطشاً، رغم أن التحقيقات الميدانية تثبت عكس ذلك. هذا هو التضليل الإعلامي الذي تتقنه قنوات بعينها، خدمة لأجندة سياسية.
هنا يمكن المقارنة مع كتاب "لا غالب ولا مغلوب" للمفكر ممدوح العدوان الذي حلّل الدعاية في الحروب الحديثة، أو مع كتابات أمين معلوف عن "الهويات القاتلة" حيث تصنع وسائل الإعلام عدواً متخيلاً لتوحيد الجماهير.
لكن الرواية تذهب إلى عمق سيكولوجي: فهي تظهر كيف أن خطاب اليأس أكثر فتكاً من القنابل، لأنه يقنع الضحية بأن مقاومته عديمة الجدوى، وبالتالي يستسلم طواعية. هذه هي الاستعمار النفسي الذي تحدث عنه فرانتس فانون في "معذبو الأرض": المستعمر لا يريد فقط جسد المستعمَر، بل يريد روحه، يريد أن يجعله مقتنعاً بتفاهته وفشله.
في تفكيك هذا الخطاب، تذكرنا الرواية بكتابات نعوم تشومسكي عن "فلسطين: السلام ليس خياراً"، لكنها تستخدم السخرية والمجاز بدلاً من الحجج المنطقية. وهذا يجعلها أقدر على الوصول إلى العواطف، ومن ثم تغيير القناعات الجذرية.
أما عن خيانة المحميات الخليجية واتصالها السري مع إيران بعد الهزيمة، فتصوره الرواية كـ فصل أخير من مسرحية النفاق. هنا تلتقي مع العديد من التحليلات التي نشرها مراكز دراسات مثل "تشاتام هاوس" أو "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية"، والتي وثقت كيف بدأت الإمارات وقطر وعمان في فتح قنوات خلفية مع طهران بعد أن أدركت أن الإمبراطورية البيضاء و"إسرائيل" قد هزمتا فعلياً. لكن هذه التقارير جافة، بينما الرواية تحولها إلى دراما إنسانية: الوزير الخليجي الذي ينحني أمام حاحي ويطلب منه الوساطة، وهو نفس الوزير الذي كان قبل شهور يمول قنابل لتدمير طهران. هذا هو تناقض السياسة الذي لا تفهمه إلا الرواية.
………
خاتمة: حين تكون الرواية أكثر صدقاً من الأخبار
بعد هذه المقارنة، يمكننا أن نستنتج أن رواية " ذاكرة البئر والتيه" أو "مرايا السلطنة" ليست مجرد عمل أدبي، بل هي وثيقة تاريخية – سياسية – اقتصادية في قالب روائي. صحيح أنها لا تقدم إحصائيات دقيقة ولا مراجع أكاديمية، لكنها تقدم ما هو أثمن من البيانات: السياق البشري والصدق العاطفي.
في زمن تُباع فيه الأخبار لأعلى مزايد، وفي زمن تتسابق فيه القنوات على تقديم "الموضوعية" التي هي في حقيقتها "مراوغة أخلاقية"، تبقى الرواية هي الشاهد الوحيد الذي لا يخون. فهي لا تدّعي الحياد – لأن الحياد في وجه الإبادة هو تواطؤ. بل تنحاز إلى المستضعفين، إلى الحارة، إلى النساء، إلى الأطفال، إلى أولئك الذين مسحت أسماؤهم من السجلات الرسمية.
ما تقدمه هذه الدراسة المقارنة هو أن أفكار ميرشايمر وساكس وتشومسكي وفانون وسعيد وفريير وغرامشي، هذه الأفكار التي تبدو نخبوية وأكاديمية، تجد تعبيرها الأصدق والأعمق في الرواية. لأن الرواية وحدها قادرة على جمع الشتات: أن تضع النظريات الكبيرة في أفواه بسطاء يعيشونها كل يوم، وأن تتتبع المسار من قاعة المرايا (السياسة) إلى حارة الجرح المفتوح (المعاناة اليومية) إلى بئر مقبرة الكتبة (الذاكرة الدفينة).
أخيراً، قيمة هذه الرواية أنها لا تترك القارئ يائساً. نعم تصف آلام الحارة، لكنها تصف أيضاً كيف تعلمت فريال القراءة، وكيف صنعت نفرت-إيبي قلمها من عظم نسر، وكيف اختار حاحي في النهاية الحياة على الكتابة عنها. هذا هو الأمل النشط، الذي يختلف عن التفاؤل الساذج. الأمل ليس أن الغد سيكون أفضل، بل أن لنا دوراً في جعله كذلك – ولو كان دورنا صغيراً، مجرد حرف نكتبه على جدار، أو وجبة خبز نوزعها، أو شجرة تين نزرعها على قبر.
في هذا، تستحق "مرايا السلطنة" أن توضع على رف واحد مع "أولاد حارتنا" لمحفوظ، و"مدن الملح" لمنيف، و"موسم الهجرة إلى الشمال" لصالح، و"ثلاثية غرناطة" لرضوى عاشور. إنها جزء من جهد عربي طويل لكتابة التاريخ من أسفل، من جهة المهزومين، من زاوية الجرح المفتوح.
ولعل أفضل ما قيل في ختام هذه المقارنة هو ما قالته نفرت-إيبي قبل أن يقتلوها: "لا تكتبوا عنا. عيشوا معنا. فالعيش مع الجرحى أنفع من تأريخ الجروح."
والرواية، في النهاية، ليست تأريخاً، بل هي عيش مضاعف: عيش الكاتب مع شخصياته، وعيش القارئ مع النص. وهذا العيش المشترك هو بداية التغيير الحقيقي. ليس تغيير الأنظمة فقط، بل تغيير الوعي. تغيير على مقاس الإنسان، وليس على مقاس الاحتكارات المالية.
............
تمت الدراسة المقارنة
في زمن لا تزال فيه الحقيقة تُكتب بالدم
بينما آخرون يكتبونها بالذهب
…….
فهرس الرواية والدراسة النقدية
أولاً: فهرس الرواية
"بئر الذاكرة والتيه" (أو "مرايا السلطنة")
رواية في خمسة أجزاء
……
الجزء الأول: كتاب الأساس – حلم المعماري
· الفصل الأول: مدينة من ورق البردي
· الفصل الثاني: الحفرة التي تبكي
· الفصل الثالث: سوق الأقنعة
· الفصل الرابع: قاعة المرايا – حكاية مرآة مكسورة
· الفصل الخامس: تابوت الفرعون المخلوع
· الخاتمة: أول قطرة مطر
الجزء الثاني: سيف المرايا – حكاية الملك-الظل
· الفصل الأول: الهارب الذي جاء من المطر
· الفصل الثاني: وليمة الذئاب حول جثة الأسد
· الفصل الثالث: قصة النسرين
· الفصل الرابع: الوثيقة التي هزت القصر
· الفصل الخامس: ليلة الرماد
· الخاتمة: القبو الذي لا يُغلق
الجزء الثالث: جدار المرايا الأخير – مملكة الظل الطويل
· الفصل الأول: امرأة من زمن الملح
· الفصل الثاني: مقبرة بلا بكاء
· الفصل الثالث: رحلة الملك-الظل إلى جبال القمر
· الفصل الرابع: قاعة المرايا تنكسر
· الفصل الخامس: جسر وادي الأفعى وأغنية النهاية
· الخاتمة: جدار المرايا الأخير
الجزء الرابع: خاتمة الجلد الأخير – مملكة الظل الطويل تعود
· الفصل الأول: رسائل الفجر السرية
· الفصل الثاني: محميات الخليج تتصل سراً
· الفصل الثالث: رحلة إلى جبل النسر
· الفصل الرابع: عودة كاهن السجلات – الاعتراف الأخير
· الفصل الخامس: فجر اليوم الأخير
· الخاتمة: بداية الانهيار
الجزء الخامس: بئر الذاكرة – النهاية التي لا تنتهي
· الفصل الأول: الأم التي عادت من طي النسيان
· الفصل الثاني: اعتراف ميرشايمر وساكس – الحلم الأمريكي ينهار
· الفصل الثالث: رسالة محمية قطر السرية إلى إيران
· الفصل الرابع: حارة الجرح المفتوح – متحف أم حياة؟
· الفصل الخامس: صائدة الجلود تعود إلى الصحراء
· الفصل السادس: الكلمة الأخيرة على جدار القصر
· الخاتمة: ما بعد النهاية
……
ثانياً: فهرس الدراسة النقدية
"مرايا الحقيقة والسلطة: دراسة مقارنة بين رواية 'بئر الذاكرة والتيه' وخطاب الاحتكارات المالية الغربية"
· تمهيد: حين تصبح الرواية أرشيفاً للذاكرة المغيبة
· أولاً: الرواية كنموذج لتفكيك "صناعة الواقع"
· ثانياً: تزوير التاريخ – من الممارسة اليومية إلى النظرية الأكاديمية
· ثالثاً: الاحتكارات المالية – بين التحليل الاقتصادي والدراما الإنسانية
· رابعاً: عصيان المعرفة – حين تعيد المرأة والحارة كتابة التاريخ
· خامساً: خطاب الاستسلام – قناة الجزيرة والبروباجاندا الجديدة
· خاتمة: حين تكون الرواية أكثر صدقاً من الأخبار
