: (البارون وبرميل كاتانغا)رواية أو "ظل الحامض" (Shadow of the Acid)
أحمد صالح سلوم
رواية: (البارون وبرميل كاتانغا) أو "ظل الحامض"
(Shadow of the Acid)
عن رجل أنقذ ذاكرته بأن قتل أحلام الآخرين، وقرية أفريقية لم تنسَ، ونادٍ سري لا يجتمع إلا في ظل القمر.
رابعاً: الفصل الأول – "عرين الذئب العجوز"
(1)
في صبيحة ثامن عشر من مايو، حين كانت شمس بروكسل تتثاءب خلف سحب رمادية ثقيلة، فارق البارون إتيان دي لا نوي الحياة. كان عمره ثلاثاً وتسعين سنة، ستة وستون منها قضاها يحمل في جيبه الأيمن مفتاح غرفة لا يعرف بوجودها سوى ثلاثة أحياء، وفي جيبه الأيسر سن ذهبي.
السن الذهبي ليس له. السن الذهبي لرجل مات في بلد لا يبعد ألفي كيلومتر، لكن المسافة الحقيقية بين موت ذاك الرجل وموت هذا البارون هي أن الأول ذاب في حامض الكبريتيك، والثاني سيموت في سرير من خشب الجوز، بين أغطية من كتان مصري، وتحت لوحة زيتية لصيادين بلجيكيين يذبحون فيلاً في الكونغو سنة 1920.
في غرفته الأخيرة، كانت رائحة الزيزفون والأدوية المسكنة تتصارعان. كان طباخه الشخصي يجهّز حساء الكراث، وكانت ابنته الكبرى تبحث عن إرادته الأخيرة تحت وسادته. وكان القسيس الكاثوليكي، الذي أتى ليسمعه اعتراف اللحظات الأخيرة، يقف حائراً: البارون يهمس بشيء، لكن الكلمات لا تشبه الصلاة.
"الحامض..." قالها بصوت كحّ. "الحامض كان خطأهم الكبير. كان يجب أن يتركوه يتحلل تحت الأرض ليتذكره الناس. لكن الحامض... صنع أسطورة."
ثم فتح عينيه الزرقاوين الباردتين للمرة الأخيرة، وكأنه يرى شيئاً خارج النافذة. لم ير شيئاً طبعاً. لكن من يدري؟ ربما رأى غابة إفريقية، أو فتاة صغيرة تحدق فيه من خلف موقد ترابي، أو غوريلا عجوز رافعة يدها كأنها تلقي التحية.
مات البارون.
في تلك اللحظة بالذات، وعلى بعد سبعة آلاف وثلاثمئة كيلومتر، في قرية صغيرة على ضفاف نهر الكونغو، سقطت موزة ناضجة من شجرة. سقطت ببساطة، لا أكثر. لكن حفيدة حفيدة باتريس لومومبا التقطتها وقالت لنفسها بصوت عالٍ:
"اليوم مات ذئب عجوز. اليوم سينبت العشب أكثر اخضراراً."
لم تكن تعرف من مات. لكن النساء في تلك القرية يتذكرن ما لا يتذكره المؤرخون.
(2)
دعونا نتوقف هنا لحظة.
هل الموت نهاية؟ البارون إتيان دي لا نوي، الذي قضى ستة عقود يبني اسماً لنفسه في السجلات الأوروبية، سيكتب عنه الغدَ صحفيو البلاط بمديح واجب. سيقولون: "رجل دولة كبير"، و"مهندس الوحدة الأوروبية"، و"صانع اليورو". سيتحدثون عن مفوضية الطاقة في السبعينيات، وعن رئاسته لنادي بيلدربيرغ السري، وعن ابتسامته المهذبة التي لم تفارق وجهه قط.
لن يذكروا "الحامض". لن يذكروا رحلة الطائرة DC-4 في 17 يناير 1961، لن يذكروا حظيرة الدجاج، لن يذكروا الأوامر المشفرة التي كتبها بخط يده – "انقل الأسرى الثلاثة إلى كاتانغا، لا تقيدهم بأي محكمة."
هكذا يموت العظماء: مخدرين بالمديح.
لكن في تلك الليلة، بعد أن صمتت سيارات المعزين، بعد أن طوت الابنة الكبرى الجدول الزمني لمراسم التأبين، حدث شيء لم يكن في البروتوكول. انفتحت باب غرفة النوم من تلقاء نفسها. لا، لم تكن ريحاً. كانت النوافذ مغلقة. كان الباب ثقيلاً، من خشب البلوط، يعز على الريح أن تحركه.
دخلت رائحة – ليست رائحة زيزفون، ولا رائحة موت. رائحة مطر إفريقي. رائحة تراب أحمر يبتل لأول مرة بعد ستة أشهر من الجفاف. رائحة شيء كان يجب أن يموت لكنه لم يمت.
على الرف المقابل للسرير، كان هناك إطار فضي لصورة: البارون شاباً في الثالثة والعشرين، يرتدي بزة دبلوماسية رمادية، يقف أمام مبنى البرلمان البلجيكي. في الصورة، خلف كتفه الأيمن، كان هناك ضباب خفيف. بعد أن فتح الباب، بدأ الضباب يتحرك. خرج من الإطار، وتجمع في زاوية الغرفة، ثم تشكل على هيئة رجل أسمر البشرة، طويل القامة، يرتدي بذلة بيضاء مهما تكن عليه رقع البلى.
جلس الرجل على كرسي بجوار السرير الفارغ، أخرج سيجارة من جيب وهمي، وأشعلها بيد شفافة. قال بصوت عميق:
"حسناً يا إتيان. بعد كل هذا الوقت. هل أنت مستعد لترى ما فعلته بنا؟"
لم يجب أحد. لكن الكرسي صرّ قليلاً.
ثم اختفى الضباب، وأغلقت الباب، وعاد الإطار الفضي إلى صورته الأولى: شاب، بدلة رمادية، سماء بروكسل الرمادية. لا ضباب. لا رجل.
في تلك الليلة نفسها، تذكرت فلاحة عجوز في قرية مبومبا ليل 17 يناير 1961. تذكرت طائرة حطت في مطار إليزابيثفيل عكس الريح. تذكرت ثلاثة رجال مقيدي الأيدي ينزلون على سلم حديدي، واحد منهم كان يضحك.
وتذكرت الحامض.
(3)
السؤال الذي يطرحه هذا الكتاب ليس "من قتل لومومبا؟" فهذا معروف: قتله بلجيكيون، وأمريكيون وافقوا، وكونغوليون خونة نفذوا. السؤال الأعمق: لماذا لا يزال الرجل الذي ساعد في قتله يعيش ثلاثة وتسعين عاماً، ويُدفن بمرتبة الشرف، بينما جسد لومومبا يذوب في برميل صدئ؟
الجواب ليس قانونياً، بل نفسياً. النخبة الأوروبية لا تعاقب مجرميها إذا كانت جرائمهم قد خدمت "المصلحة العليا". بل على العكس، تكرّمهم. تمنحهم ألقاب النبالة، ومقاعد في مجالس الإدارة، ودعوات إلى حفلات القصر الملكي.
إنها ليست مجرد أخلاق فاسدة، بل هي عبادة للقوة. في هذه العبادة، قاتل لومومبا ليس "قاتلاً"، بل "بطل إدارة الأزمات". إنه الرجل الذي لم يتردد عندما كان "الوضع صعباً". وهذا هو بالضبط ما تبحث عنه النخبة: حيوانات أليفة لا تعض اليد التي تطعمها، ولكنها تعض كل من يهدد الحديقة.
هكذا أصبح إتيان دي لا نوي من أشرف رجال بلجيكا، وهكذا سيبقى اسمه في قاعات التاريخ الأوروبي، بينما سيبقى لومومبا هامشاً صغيراً في فصل "حروب الاستقلال" في الكتب المدرسية التي لا يقرؤها أحد.
لكن، كما سنرى في الصفحات التالية، هناك دائماً من يتذكر. في قرية مبومبا، في غزة، في حلب، في سجن ميتشيغان، في غابة رواندا، هناك شهود لا يشيخون. بعضهم غوريلات.
(4)
لننتقل الآن إلى 17 يناير 1961. بعد ساعات من موت البارون، وقبل أن يكتشف الناس موته، دعنا نزور حظيرة الدجاج.
على الطريق الترابي المؤدي إلى معسكر كاتانغا الانفصالي، كانت سيارة جيب خضراء تقطع الليل بضوئين خافتين. في المقعد الخلفي، ثلاثة رجال مكبلي الأيدي، أقدامهم مقيدة بسلاسل حديدية صدئة. كانوا منهكين، جائعين، قد قضوا ليلتين في مستودع مهجور في ليوبولدفيل دون طعام. لكن عيونهم كانت لا تزال مضاءة. عيون الرجال الذين رأوا حلماً ولم يريدوا أن يستيقظوا.
الرجل في الوسط كان باتريس لومومبا. كان هادئاً، وظهره متكئ على صفيحة حديدية حادة. إلى يمينه كان موريس مبولو، وزير الإعلام، الذي كان شاعراً قبل أن يصبح ثائراً. إلى يساره كان جوزيف أوكيتو، نائب رئيس مجلس الشيوخ، شيخ طاعن في السن لكنه يمتلك حكمة لا تشتري بالمال.
كان مبولو يهمس بشيء، شعر ربما. كان أوكيتو يصلي. أما لومومبا فكان يرسم في ذهنه خطاباً كان سيلقيه في الجمعية العامة للأمم المتحدة لو استطاع الوصول إلى نيويورك. لكن السائق البلجيكي، الذي كان يدعى الملازم جاك، كان يتجه إلى حظيرة الدجاج.
"أين نحن؟" سأل مبولو.
"في نهاية العالم" قال السائق ضاحكاً.
لم يضحك لومومبا. لم يضحك قط في تلك الرحلة. لكنه قال شيئاً لم يسمعه أحد بوضوح لأن الريح كانت عالية والعجلات تزمجر. لكن غوريلا كانت تقف على بعد خمسين متراً، خلف شجرة كابوك عملاقة، تحدق في الضوءين. تلك الغوريلا، التي ستموت بعد ستة وثلاثين عاماً، كان لديها ما يكفي من الوقت لتروي هذه القصة لحفيداتها. وهي التي ستعلم البشر لاحقاً معنى "الشاهد الأبدي".
"قال لومومبا: 'لا تخافوا. الأفكار لا تُقتل بالرصاص. فقط الجبناء يموتون عندما تموت أفكارهم.'"
ثم اختفت السيارة داخل البوابة الحديدية للمعسكر.
وغابت الغوريلا بين الأشجار لتتمتم بحكاية تمتد لنصف قرن.
………
الفصل الثاني: صوت الحامض
(سردية الموت والشهادة)
المشهد الأول: الطائرة
لم تكن طائرة. كانت نعشاً طائراً. DC-4 قديمة، محركاتها تئن كشيخ يبصق دماً، طلاءها يتقشر من تحت أجنحتها كما يتقشر الجلد عن جثث المحترقين. في صبيحة 17 يناير 1961، أقلعت من مطار ندجيلي في ليوبولدفيل، حاملة في بطنها ثلاثة رجال أوشكوا أن يصيروا أساطير.
جلوسهم كان مشوهاً. لومومبا في الوسط، مبولو عن يمينه، أوكيتو عن يساره. أيديهم مقيدة خلف ظهورهم بأصفاد حديدية صدئة، جلودهم أدمتها الحبال الخشنة، منابت أظافرهم تحولت إلى اللون الأزرق الأسود. لكن أعينهم... أعينهم كانت تحترق كالجمر تحت الرماد.
قال مبولو، شاعر الثورة الذي كان يهمس بالقصائد في الاستراحات بين جلسات التعذيب: "هل تعرف يا باتريس ما قاله ديوب ذات مرة؟ قال: 'قلبي ينزف، لكن صباح العالم لم يأت بعد'."
لم يجبه لومومبا. كان يرسم في الهواء المزدحم برائحة البنزين والعرق شكل خريطة إفريقيا. خريطة لم تكتمل. إصبع سبابته المغلولة تحركت كأفعى مقطوعة الذيل، رسمت بحيرة تنجانيقا، ثم نهر الكونغو، ثم توقفت فوق كاتانغا – حيث كانوا يتجهون.
"كاتانغا يا موريس" قال بصوت هامس. "إنها ليست مجرد إقليم. إنها الجرح الذي لن يلتئم."
أوكيتو، الشيخ الذي جرب الاستعمار الهولندي والبلجيكي والفرنسي، تنحنح وقال: "أيها الرفاق، لا تهتموا كثيراً بالجغرافيا. الموت له جغرافيته الخاصة."
ضحك مبولو. كانت ضحكة مبحوحة، كمن يبصق زجاجاً مكسوراً. "جوزيف... أنت دائماً فيلسوف. حتى عندما نركب طائرتنا الأخيرة."
"ليست طائرتنا الأخيرة" قطع لومومبا. لم يرفع صوته، لكن الغرفة الصغيرة (المقصورة) اهتزت. حتى الحارس البلجيكي الجالس أمامهم، جاسبارد، رفع حاجبيه. "هذه طائرتهم. طائرتهم التي تقلهم إلى نهاياتهم. نحن فقط ضيوف على الطريق."
كان جاسبارد يبلغ من العمر اثنين وثلاثين عاماً، له عيون بنية كبيرة تشبه عيون بقرة حزينة، وشارب كثيف. عُيّن في المخابرات البلجيكية قبل ثلاث سنوات، وأعطي هذا المهمة: أن يراقب الأسرى الثلاثة ولا يدعهم يتحدثون. لكنه لم يمنعهم. لم يمنع أحد قط لومومبا من التحدث. كان صوت لومومبا يشبه المطر في موسم الجفاف، يأتي عندما لا تتوقعه ويسقي ما تظنه هامداً.
همس جاسبارد في صمت: "لماذا لا تصمتون قليلاً؟ ستنتهي الرحلة قريباً."
"نعم" قال لومومبا مبتسماً. ابتسامة أضاءت وجهه المتعب، كسرت قناع الألم لوهلة. "ستنتهي. لكن القصة لم تبدأ بعد."
هز جاسبارد كتفيه، ومد ساقيه، واستدار نحو النافذة الصغيرة. كان يرى الغابة من فوق: بحر لا متناهٍ من الأخضر، تتخلله أنهار فضية رفيعة. في مكان ما هناك، تحت تلك المظلة، كان هناك أطفال يلعبون، ونساء يطحن الذرة، وشيوخ يتحدثون عن الأساطير. كلهم لا يعلمون أن رجلاً يمر فوق رؤوسهم سيصبح أسطورة قبل غروب الشمس.
أغمض جاسبارد عينيه. عندما فتحهما، كانوا قد هبطوا.
المشهد الثاني: حظيرة الدجاج
العمارة هناك لا تستحق اسم العمارة. جدران من الصفيح المموج، مثقوبة كالغربال بالصدأ والرصاص القديم. أرضية من التراب الأسود، مرت عليها أقدام الجنود والدجاج والماعز والموت. سقف من خشب الكابوكي المثقوب بالأشعة، فأصبحت الحظيرة أشبه بمصفاة ضوء.
أدخلوا الأسرى الثلاثة قبيل الغروب. ركلات، صيحات، صفعات. ألقوا بهم في الزاوية الجنوبية الشرقية، حيث كانت بقايا طعام متعفنة ورائحة ذرق الطير ورائحة شيء آخر – شيء يشبه الحديد المذاب. إنها رائحة الخوف. نعم، للخوف رائحة. الكلاب تعرفها، والغوريلا تعرفها. حتى الدجاج الذي هجر الحظيرة منذ أسابيع كان قد ترك عظاماً بيضاء صغيرة.
جلس لومومبا وظهره إلى الحائط. حاول مبولو أن يفرد ساقيه لكن القيد لم يسمح. كان أوكيتو على وشك النوم رغم كل شيء. الشيخ تعلم أن ينام في أي مكان: في السجون، في قوارب اللاجئين، في حظائر الدجاج. النوم سلاحه الأخير ضد التعذيب.
دخل عليهم الضابط البلجيكي جوليان. كان طويلاً، أصلع، أنفه كمنقار نسر. خلفه وقف جاسبارد والأربعة الكونغوليون الذين سيقومون بالمهمة. حمل جوليان مصباحاً كيروسينياً، ووجهه نحو الأسرى.
"ها أنتم أولاً. لم أكن أعتقد أنكم ستصلون أحياء."
"نحن لا نموت بسهولة" قال لومومبا بعربية ركيكة لكنها واضحة. جوليان فهمها، فعبس.
"ستموتون الليلة."
"ربما. لكن الأمر ليس بيدك يا سيد. الأمر بيد من هو أعلى منك."
ضحك جوليان. ضحكة قصيرة، جافة، كفرقعة بندقية قديمة. "فوقي؟ فوقي السماء. والسماء لا تعبأ بالزعماء السود."
كان ذلك قبل أربع ساعات من إطلاق النار.
في هذه الساعات الأربع، لم يحدث شيء كبير في حظيرة الدجاج. فقط صمت ثقيل، قطرة ماء تتساقط من الأنبوب المكسور، تحركات قلقة من الجنود المرابطين خارج الباب. لكن في داخل الأسرى، كانت عواصف.
لومومبا استرجع حياته في لمحة. خطاباته، أحلامه، أولاده الذين تركهم في ليوبولدفيل. تذكر خطاب استقلال الكونغو في 30 يونيو 1960، عندما قال أمام الملك بودوان والصحافة العالمية: "لقد عرفنا ظلماً واستعماراً واحتقاراً. لكن اليوم، نبدأ صفحة جديدة." كان يعلم أنها بداية النهاية.
مبولو، الشاعر، لم يسترجع شيئاً. ألف قصيدة جديدة في رأسه، عن غيمة سوداء تمر فوق حظيرة دجاج، ثم تكتب قصيدة الغد. لم يهمس بها لأحد. سيبقى شعره مدفوناً في جمجمته إلى الأبد.
أوكيتو نام بالفعل. كان يحلم بزوجته التي ماتت عام 1954، وبحديقة منزله في إليزابيثفيل حيث كانت تنمو وردة بيضاء كل صباح.
جاسبارد، الحارس ذو العيون البنية الحزينة، كان يدخن سيجارة تلو الأخرى. كان يحاول ألا يسمع شيئاً. كان يعلم ما سيحدث. أخبره جوليان قبل ساعة: "سنعدمهم بعد صلاة العشاء. جهز نفسك."
جهز نفسك. كيف يجهز الإنسان نفسه لسماع رصاصة تنهي حياة ثلاثة بشر؟ كيف يجهز نفسه ليشاهد جثثاً تذوب في حامض الكبريتيك؟ جاسبارد لم يحضر أي تدريب على هذا. في مدرسة المخابرات، علموه كيفية استجواب السجناء، كيفية كسر الإضرابات، كيفية تزوير الوثائق. لم يعلموه كيف يشهد موتاً غير قانوني.
في الساعة التاسعة إلا ربعاً، دق جوليان بقدمه على الأرض ثلاث مرات. كان ذلك الإشارة.
المشهد الثالث: القتل
أخرجوا الأسرى الثلاثة إلى الفناء الخلفي للحظيرة. كان الفناء مستطيلاً، محاطاً بسياج من الأسلاك الشائكة، وفيه حفرة ضحلة حفروها قبل ساعات. الحفرة صغيرة جداً لثلاث جثث، لكن الحفرة لم تكن للجثث.
كانت الحفرة لبرميل.
البرميل أخضر صدئ، مكتوب عليه بالطلاء الأبيض: "حمض الكبريتيك – تعامل بحذر". وقف إلى جانبه جندي كونغولي طويل القامة، نحيل كعود بامبو، كان يرتدي قفازات مطاطية صفراء. اسمه بيترو. كان يعمل سابقاً في مناجم النحاس، ويعرف كيف يتعامل مع الحامض. لم يخبره أحد بما سيحدث بالضبط، لكنه فهم عندما رأى قناني الحامض توضع جانب البرميل.
صفّوا الأسرى في مواجهة الحائط. ليس حائطاً حقيقياً، مجرد واجهة من الصفيح. لكنها كافية لأن ترتد الرصاص وتسبب جروحاً جانبية، كما قال جوليان لجنوده.
"على ركبكم" أمر جوليان. لم يمتثل أحد.
"على ركبكم!" كررها، هذه المرة بمسدسه مصوباً نحو رأس مبولو.
وقف لومومبا في مواجهته. قال بفرنسية شبه خالية من اللهجة: "لا أركع إلا لربي. وأنت لست ربي."
خفق قلب جاسبارد. سمعه الجميع. حتى بيترو صاحب القفازات شعر بالقلق.
فعل جوليان ما كان متوقعاً: ضرب لومومبا على ركبتيه بعقب المسدس. سمع صوت تكسر العظم أم الصفيح؟ لا أحد يدري. لكن لومومبا سقط على ركبتيه، لم يصدر صوتاً. صمت مؤلم.
"نطلق النار عند العد إلى ثلاثة" أعلن جوليان.
نظر مبولو إلى لومومبا. تبادلا نظرة لا تزيد على ثانية، لكنها حملت كل ما قيل وما لم يقل. "أراك في الجنة يا أخي" همس مبولو.
لم يهمس أوكيتو بشيء. كان يردد دعاء باللغة اللينغالاي، يطلب من الرب أن يتقبل روحه كما تتقبل الأرض المطر بعد الجفاف.
"واحد..."
سمع جاسبارد صرير باب الحظيرة خلفه. من دخل؟ لا أحد. ربما الريح. أو ربما غوريلا كانت تتسلل خلسة.
"اثنان..."
أغمض جاسبارد عينيه. لم يرد أن يرى. لكنه سمع.
"ثلاثة!"
أربع طلقات. لماذا أربعة وهم ثلاثة؟ لأن بيترو كان متوتراً وأطلق رصاصة زائدة في الهواء. لكنها لا تهم.
سقط الأجساد الثلاثة.
سقط لومومبا ووجهه إلى التراب. سقط مبولو على جنبه الأيسر. سقط أوكيتو كأنه كان نائماً ثم توقف عن التنفس.
ثم حدث ما لم يكن في الخطة: لومومبا رفع رأسه.
نعم، رفعه. رغم الرصاصة في صدره، رغم الدماء تغطي قميصه الأبيض، رفع رأسه لآخر مرة ونظر مباشرة إلى جوليان. قال بصوت يكاد لا يسمع لكنه شق صمت الليل الإفريقي كالسكين:
"أنا... لست... ميتاً... بعد... سترون..."
ثم هوى وجهه ولم يرفع مرة أخرى.
جوليان اقترب منه، وضع إصبعيه على رقبته. لا نبض. أخرج مسدسه من جديد وأطلق رصاصة في رأسه احتياطاً.
بعدها ساد صمت رهيب. لم يتحرك أحد. حتى الغابة توقفت عن التأوه. جاسبارد كان لا يزال مغمض العينين. عندما فتحهما، رأى بيترو يرفع جسد لومومبا نحو البرميل الأخضر.
المشهد الرابع: الحامض
البرميل لم يكن كبيراً. يكفي لرجلين على الأكثر. كانوا سيضعون الجثث واحدة تلو الأخرى، ويسكبون الحامض، ثم يتركون الطبيعة تفعل ما تفعله.
بدأوا بمبولو. كان الجسم أخف من الآخرين. بيترو رفعه ووضعه في البرميل بطريقة غير محترمة، كمن يضع كيس قمامة في حاوية. ثم أخذ قنينته الزرقاء، وبدأ يسكب السائل الشفاف.
صوت الأزيز كان غريباً. كأن ألف نحلة تطن في وعاء زجاجي. رائحة كريهة خنقت المكان: رائحة لحم محترق، وشعر متفحم، وعظام تتفاعل مع الحامض.
جاسبارد أراد أن يتقيأ، لكنه كظم. كل ما تبقى من عشاءه (خبز وجبن وزيتون) صعد إلى حلقه، ثم هبط.
جاء دور أوكيتو. نفس العملية. صوت الأزيز أعلى هذه المرة، لأن الحامض كان قد سخن. فقاعات، دخان أبيض، ثم هدوء.
لومومبا كان الأخير. عندما حملوه، تساقطت من جيبه صورة صغيرة لزوجته بولين وأولاده الستة. سقطت على التراب، دون أن يراها أحد. بقيت هناك حتى خطفتها الريح في الصباح.
وضعوا جسده في البرميل فوق الآخرين. بدأ بيترو يسكب الكمية المتبقية من الحامض. لكن شيئاً ما حدث: الحامض كان يفيض، البرميل لم يتحمل. سال السائل الأسود على الأرض، حارقاً التراب، مكوناً بحيرة صغيرة من الموت قطرها متر.
نظر بيترو إلى جوليان: "ماذا نفعل؟"
"اتركه. سيتبخر بحلول الصباح."
لكنه لم يتبخر. ظلت تلك البقعة السوداء سنوات، تذكّر من يراها بأن ثلاثة رجال ماتوا هنا. حتى اليوم، وإن ذهبت إلى كاتانغا وسألت السكان القدامى، سيرشدونك إلى "مكان البرميل". لا ينبت العشب هناك. حتى الأعشاب الضارة تعرف أن شيئاً خطيراً دفن في الأعماق.
المشهد الخامس: الشاهد
على بعد مئتي متر، خلف شجرة كابوك عمرها أربعمائة عام، كانت هناك غوريلا. ليس غوريلا عادية. ماتو (هذا هو اسمها) كانت أنثى في السابعة والعشرين، أم لثلاثة صغار، زوجة ذكر مهيب اسمه كوندي. كانت تتمتع بعيون بنية غائرة، وجبهة عالية، ويأس طبيعي من البشر.
شهدت ماتو كل شيء.
رأت الطائرة تهبط. رأت السيارة العسكرية تدخل المعسكر. رأت ثلاثة رجال مقيدي الأيدي. رأت الأضواء تتأرجح، وسمعت الصراخ، وسمعت الرصاصات، ورأت البرميل الأخضر، وشمّت رائحة الحامض. كل شيء سُجل في ذاكرتها الاستثنائية.
لكن ماتو لم تفهم ما كان يحدث. بالنسبة لها، كان البشر مجرد قرود مجنونة تقتل بعضها بعضاً. لم تفرق بين لومومبا وجوليان. كلهم بشر، وكلهم خطيرون.
لكن شيئاً ما حدث في تلك الليلة جعل ماتو تقترب أكثر. بعد أن غادر الجنود، بعد أن هدأت الأصوات، بعد أن أصبح البرميل يبعث فقاعات حزينة، اقتربت ماتو من البقعة السوداء. شمت الأرض. شمت الحامض المتبخر. شمت الدم.
ثم حدث ما لم تتوقعه: سمعت صوتاً. ليس صوتاً فيزيائياً، بل صوتاً في رأسها. كأن أحداً يتحدث باللغة التي تفهمها الغوريلات، لكن الكلمات كانت غير مألوفة. تقريباً:
"لا تخافي. لا يؤذيك. شاهدينا فقط. شاهدينا فقط."
رفعت ماتو رأسها. لم ترَ أحداً. لكنها شعرت بحضور. حضار ثلاثي، يهتز في الهواء كالحلم الثقيل.
منذ تلك الليلة، أصبحت ماتو حارسة الموقع. لم تبتعد عنه أبداً. كانت تجلس تحت شجرة الكابوك، تراقب، تهمهم، تحكي لأحفادها عن "الليلة التي تغير فيها طعم الهواء". أحفادها الآن كبار، ولديهم أحفاد، وجميعهم يعرفون القصة. حتى أن بعضهم حاول إرشاد باحثين إلى المكان، لكن البشر لا يفهمون لغة الغوريلات.
إلا في الليالي التي يكون فيها القمر مكتملاً. حينها، إذا صادفت غوريلا عجوزاً تحدق في الأفق وتئن بصوت عميق، فاعلم أنها تتلو مرثية لثلاثة رجال ذابوا في برميل.
المشهد السادس: الصدى
بعد خمسة وستين عاماً، في صيف 2026، زارت حفيدة لومومبا – اسمها باتريشيا – موقع البرميل. رافقها مرشدون من جامعة لوبومباشي، وباحثون في جرائم الحرب، وحارس غابة مسن يعرف المنطقة منذ طفولته.
وقفوا أمام البقعة التي لا ينبت فيها العشب. كانت لا تزال سوداء، مقيتة، وكأن الحامض سكب البارحة فقط.
انحنت باتريشيا على ركبتيها، ووضعت يدها على التراب. شعرت بحرارة غير طبيعية، وكأن الأرض تحتفظ بغضبها.
"عمي باتريس" همست بصوت مرتجف. "لقد جئت لأخذك إلى المنزل. ليس جسدك، فقد ذاب. لكن روحك... روحك كانت دائماً هنا. وسنحررها."
بكت. لم تبك طويلاً. خمسون ثانية فقط. ثم وقفت، ومسحت دموعها، والتفتت نحو المرشدين. قالت بصوت عالٍ:
"هذا المكان يجب أن يكون متحفاً. ليس للرعب، بل للتذكير. الجرائم لا تسقط بالتقادم. والمجرمون وإن ماتوا في أسِرَّتهم، ستبقى أسماؤهم ملعونة."
أخرجت من حقيبتها كاميرا صغيرة، والتقطت صوراً متعددة. ثم سكبت قنينة ماء على التراب الأسود. قالوا لها إن هذا تقليد محلي: الماء يطهر الأرض. لكن البقعة لم تتغير. بقيت سوداء، معاندة، كذكرى لومومبا.
المشهد السابع: الحوار مع ماتو
في اليوم التالي، خرجت باتريشيا في رحلة استكشافية إلى عمق الغابة. قيل لها إن أنثى غوريلا عجوز، قد تزيد عن التسعين عاماً، تعيش في تلك المنطقة. قد تكون هي ماتو، الشاهدة الوحيدة الباقية.
بعد ساعات من السير، وجدوها. كانت ماتو تجلس تحت شجرة كابوك ضخمة، عيناها مغلقتان، يداها ترتعشان. بجانبها حفيد صغير يحك فرو ظهرها.
لم تقترب باتريشيا كثيراً. جلست على بعد أمتار، تحدثت بصوت منخفض:
"جدتي الكبرى، هل تتذكرين الليلة التي سقط فيها الثلاثة؟"
ماتو لم تفتح عينيها. لكنها زفرت زفيراً عميقاً. ثم رفعت يدها اليمنى، وفتحت أصابعها الخمسة، ثم أغلقتهما واحدة تلو الأخرى. فعلتها ثلاث مرات. ثم أشارت إلى الأرض، ثم إلى السماء، ثم إلى صدرها.
المترجم المحلي، رجل عجوز يعيش مع الغوريلات منذ عقود، قال لباتريشيا: "تقول إنها رأت ثلاثة أشباح تصعد إلى السماء تلك الليلة. تقول إن أحدهم نظر إليها قبل أن يختفي، وابتسم. تقول إنهم طلبوا منها أن تحرس المكان حتى يأتي شخص مثلك."
باتريشيا لم تستطع حبس دموعها. بكت بحرية هذه المرة، دون خجل. اقتربت من ماتو، ولمست كتفها بلطف. ماتو لم تنسحب. بل على العكس، مدت يدها ولمست وجه باتريشيا بأصابعها الخشنة.
لأول مرة في تاريخ العلاقة بين البشر والغوريلا، فهم الاثنان بعضهما دون كلمات. كانت هناك لحظة صمت مطول، تنفس فيه كلاهما نفساً واحداً.
ثم همست باتريشيا: "يمكنكِ الآن أن ترتاحي يا جدتي. لقد جئت لأحمي المكان. شكراً لكِ لأنك لم تنسي."
ماتو أزالت يدها، وأغمضت عينيها من جديد، وتنهدت. بعد ثلاثة أسابيع، وجدها الحراس ميتة تحت الشجرة نفسها. لم تكن مريضة، لم تكن مصابة، فقط توقفت عن الحياة. وكأنها كانت تنتظر اللحظة التي تمرر فيها الشهادة.
دفنت ماتو بالقرب من البقعة السوداء، غرب البرميل. لم يضعوا لها شاهد قبر، فقط كومة حجارة. لكن باتريشيا جلبت لاحقاً لوحة صغيرة مكتوب عليها:
"هنا ترقد ماتو، شاهدة العدالة. 1934 – 2026."
المشهد الثامن: الخاتمة في بروكسل
بعد أسبوع من دفن ماتو، في 17 مايو 2026، خرجت باتريشيا من مكتب المحامي في بروكسل. كانت تحمل ملفاً ضخماً من الوثائق التي تثبت تورط إتيان دي لا نوي – البارون البلجيكي – في جريمة اغتيال لومومبا.
كانت متجهة إلى المحكمة لتقديم الأدلة النهائية. كان الموعد بعد غد.
لكن في صباح اليوم التالي، 18 مايو، استيقظت على خبر: البارون مات في سريره. لقد هرب من العدالة مجدداً، كما هرب منها طوال 65 عاماً.
وقفت باتريشيا أمام منزله الفخم، حيث كان المعزون يتدفقون، والصحفيون يلتقطون الصور، وأعلام بلجيكا تنكسر نصف منكسة. نظرت إلى القصر، ثم إلى السماء، ثم إلى الأرض.
همست: "أنت مت يا عجوز. لكنني سأستمر. أليس هذا هو الفرق؟ أنتم تموتون، ونحن نعيش. أنتم تبنون قصوركم على قبورنا، لكن القبور تنبت أزهاراً، والقصور تنهار."
انصرفت ولم تلتفت. في جيبها، كانت تحمل السن الذهبي للومومبا، الذي أعادته العائلة البلجيكية قبل سنوات. لم تدفنها بعد. كانت تنتظر يوم تحرير الأمة الكونغولية حقاً.
في سيارة الأجرة المتجهة إلى المطار، فتحت النافذة وتركت الهواء البارد يصفع وجهها. سألها السائق: "إلى أين؟"
أجابت: "إلى كاتانغا. سأدفن أسنانه هناك. سأدفنها عند جذع شجرة الكابوك، بجانب قبر ماتو. لتكون ذكرى لكل من يمر."
طوال الرحلة، كانت تهمس بقصيدة جده، التي كتبها قبل موته بليلة، ولم يعثر عليها إلا بعد سنوات. تقول القصيدة:
"الموت ليس نهاية
فقط الموتى الحقيقيون
من ينسون أحلامهم
أما الذين يحلمون حتى الرمق الأخير
فإنهم يولدون كل صباح
في عيون الأطفال
الذين يشربون الحليب
ويعرفون أن الغد سيكون أفضل"
أغمضت باتريشيا عينيها، وابتسمت.
…….
الفصل الثالث: العراب
( سيرة الظل وصانع الملوك)
المشهد الأول: مكتب الزجاج والصدأ
في الطابق الثامن من مبنى يطل على حديقة القصر الملكي في بروكسل، كان هناك مكتب لا تعرفه خرائط المدينة. لا اسم على الباب، لا جرس، لا نافذة تطل على الشارع. فقط باب ثقيل من خشب الأبنوس، خلفه غرفة تتسع لأريكة جلدية سوداء، وطاولة خشبية ضخمة، وكرسي دوار يمكن أن يدور 360 درجة، لكن من يجلس عليه نادراً ما يستدير. كان دائم المواجهة.
على الحائط خلف الكرسي، لوحة زيتية رسمت عام 1925: صيادون بلجيكيون يقفون فوق فيل ميت في قلب الغابة الكونغولية. أحدهم يضع قدمه على رأس الفيل الفارغ، وآخر يشعل سيجارة بدم بارد. كان البارون إتيان دي لا نوي، عندما جلس في هذا المكتب لأول مرة عام 1974، قد طلب من خادمه أن ينظف اللوحة بقطعة قماش مبللة بالخل. "الغبار يخفي التفاصيل" قال. "والتفاصيل مهمة."
لم يكن الغبار يخفي شيئاً. كان يخفي الدم.
في ركن الغرفة، حوض سمك زجاجي كبير، بلا سمك. كان البارون يملؤه مرة كل أسبوع بمياه عذبة، ثم يفرغه بعد يومين. قال مرة لمساعده الشاب: "الأسماك تموت إذا بقيت في مكان واحد. أنا لا أحب رؤية الأشياء تموت."
سأله المساعد: "حتى الأسماك يا سيدي؟"
ابتسم البارون ابتسامة لم تصل إلى عينيه. "خاصة الأسماك."
كان ذلك قبل أن يعرف المساعد أن البارون كان يشرف على لجنة شكلتها المخابرات البلجيكية عام 1961 لإخفاء أي أثر لتورط بلاده في اغتيال لومومبا. وكان البارون قد كتب بنفسه التقرير الذي خلص إلى أن "لومومبا قُتل على يد أعدائه الكونغوليين، ولم تشارك بلجيكا إلا في محاولات فاشلة لإنقاذه". كذب البارون، لكنه كتب بكلمات جميلة. كلمات تجعلك تظن أنك تقرأ رواية بوليسية جيدة، وليس تقريراً رسمياً.
هكذا كان إتيان دي لا نوي: يصنع من الكذب حقيقة، ومن الدم حبراً، ومن الجريمة ترقية.
المشهد الثاني: عراب يلتقي عراباً
في مساء 14 نوفمبر 1977، كان البارون في استقبال ضيف لم يُعلن عنه في جدول أعماله الرسمي. كان الضيف رجلاً قصيراً، بديناً، ذا نظارة طبية سميكة، ونبرة صوت كأنه يلقي محاضرة في جامعة لا يرغب في تدريسها. اسمه الحركي كان "الدكتور زبيغو".
جاء زبيغو من واشنطن، حيث كان يشغل منصب مستشار الأمن القومي للرئيس كارتر. لكنه لم يأت بصفته الرسمية. جاء كعضو في اللجنة التوجيهية لمجموعة لم يعرف اسمها العام إلا القلة. كانت تسمى "النادي" اختصاراً. النادي الذي يجتمع في فنادق جبلية كل ربيع، ويقرر مصير العالم دون أن يعلم العالم.
"سيدي البارون" قال زبيغو وهو يجلس على الأريكة الجلدية، ويمد ساقيه القصيرتين. "لقد تتبعت مسيرتك منذ أيام الكونغو. أنت رجل لا يخاف من القرارات الصعبة."
"القرارات الصعبة" كررها البارون بتؤدة. "هل تقصد قرارات مثل اغتيال لومومبا؟"
لم يتراجع زبيغو. على العكس، ألقى رأسه إلى الخلف وضحك ضحكة خافتة. "أقصد قرارات مثل إبعاد الشيوعيين عن أفريقيا. لومومبا كان مجرد عارض جانبي."
"عارض جانبي يزن مئة كيلوغرام، ويؤثر في ملايين البشر" رد البارون ببرود.
"وهو الآن يزن صفر كيلوغرام. أليست هذه هي السياسة؟ تحويل الأثقال إلى أوهام."
طلب البارون من خادمه أن يقدم الشاي. شربا في صمت. ثم فتح زبيغو حقيبته الجلدية، وأخرج ملفاً سميكاً. وضعه على الطاولة بينهما.
"هذا هو اقتراحنا: أن تصبح عضواً في النادي. ستكون ممثل بلجيكا الدائم في اجتماعاتنا. وبالمقابل، سنضمن لك منصباً في المفوضية الأوروبية. ليس منصباً عادياً، بل مسؤولية الطاقة والصناعة. ثم بعد ذلك... من يدري؟ ربما نائب الرئيس."
لم يلمس البارون الملف. ظل ينظر إلى زبيغو بعينيه الزرقاوين الجامدتين. قال بهدوء:
"ولماذا تريدونني تحديداً؟"
"لأنك تعرف كيف تنفذ الأوامر دون أن تترك أثراً. لأنك تعرف كيف تموت الأسرار مع أصحابها. لأنك تعرف أن القانون الدولي مجرد ورقة، وأن القوة الحقيقية تكمن في الذين يكتبون تلك الورقة."
صمت البارون طويلاً. ثم فتح الملف. كان يحتوي على صور فوتوغرافية لاجتماعات سابقة للنادي: رجال يرتدون بزات داكنة، وجوههم شاحبة، وأعينهم معلقة على متحدث لم يظهر في الإطار. في الصفحة الأخيرة، كانت هناك قائمة بأسماء الذين سيحضرون الاجتماع القادم. قرأ البارون الأسماء واحداً تلو الآخر: رئيس بنك عالمي، ووزير دفاع سابق، وصحفي مؤثر، وأمير من عائلة مالكة، وصاحب شركة تسليح.
أغلق الملف، وأعاد إلى زبيغو.
"سأحضر الاجتماع. لكن لدي شرط واحد."
"تفضل."
"أريد أن يكون دوري في النادي أكبر من مجرد ممثل بلجيكا. أريد أن أصبح عضواً في اللجنة التوجيهية. وإذا نجحت، أريد الأمانة العامة بعد سنوات."
نظر زبيغو إلى البارون بإعجاب حذر. قال: "أنت تطمح عالياً يا سيدي."
"الطموح هو ما بقي لنا بعد أن فقدنا الضمير."
ضحك زبيغو مجدداً. ثم مد يده. تصافح الرجلان. كان مصافحة باردة، جافة، كأنهما يوقعان عقد بيع عقار.
بعد مغادرة زبيغو، جلس البارون وحده في مكتبه. أدار كرسيه نحو النافذة (النافذة كانت موجودة، لكنها كانت تواجه جداراً خلفياً لا يرى منه إلا الطوب الأحمر). نظر إلى الطوب ملياً، كما لو كان يقرأ فيه مستقبله.
ثم سمع صوتاً.
ليس من خارج المكتب، بل من داخله. صوت خافت، كصدى بعيد. قال الصوت:
"إتيان... إتيان... أتذكر حظيرة الدجاج؟"
لم يجب البارون. لكن أصبعه ارتعشت قليلاً.
"أتذكر أزيز الحامض؟ أتذكر كيف كان لحمي يتفاعل مع الكبريتيك؟"
وقف البارون من كرسيه، وتوجه إلى حوض السمك الفارغ. نظر إلى المياه الصافية. لم ير شيئاً.
"لن تنساني يا إتيان. أنا هنا، في كل مكان. في صوت الريح، في صرير الباب، في رائحة الشاي الذي تشربه. أنا ذكرى لا تشترى بالمال."
أغلق البارون صنبور الماء. ثم همس:
"لكنني سأحاول. سأحاول أن أنساك بكل قوتي."
منذ تلك الليلة، كان البارون يضع كأساً من النبيذ الأحمر إلى جانب سريره كل ليلة قبل النوم. قال لابنته إنه "تكريم للروح". لكن الابنة لم تكن غبية. كانت تعرف أن النبيذ ليس لروح، بل لشبح يطارده.
الشبح كان لومومبا.
المشهد الثالث: لعبة الشطرنج البشرية
في مارس 1978، حضر البارون أول اجتماع له في النادي. كان الاجتماع في فندق صغير بقرية جبلية في سويسرا، لا يبعد عن منتجع دافوس سوى ساعات قليلة. تم منع الصحفيين من الاقتراب، وتم قطع خطوط الهاتف عن المنطقة، ووضعت قوات الأمن حواجز على بعد كيلومترين.
دخل البارون قاعة المؤتمرات وشعر كأنه دخل كاتدرائية للسلطة. طاولة طويلة على شكل حدوة حصان، عليها كؤوس بلورية ودفاتر جلدية وأقلام فضية. جلس الرجال (لم تكن هناك امرأة واحدة، إلا سكرتيرة تتولى التسجيل) في صمت مهيب. في رأس الطاولة، جلس "الأمير بريمو غوستاف"، رجل ستيني، نحيل، ذو نظارة بدون إطار، وأصابع طويلة تشبه أصابع عازف البيانو.
الأمير بريمو كان رئيساً فخرياً للنادي منذ 1971. كان معروفاً بقلة كلامه وكثرة إشاراته. عندما يريد التأييد، يرفع إصبعاً واحداً. عندما يريد الرفض، يحرك رأسه يميناً ويساراً ببطء. عندما يريد إنهاء نقاش، يغلق عينيه ويظل مغلقاً حتى ينصت الجميع.
جلس البارون في مقعد خالٍ بين مصرفي ألماني وقائد عسكري إيطالي. نظر حوله، رأى وجهاً مألوفاً: الدكتور زبيغو جالس في الجهة المقابلة، يبتسم له كمن يقول "أرأيت؟ لقد أوفيت بوعدي".
بدأ الاجتماع بمناقشة الوضع في أفغانستان. كان زبيغو هو المتحدث الرئيسي. شرح خطته لـ"إغراق السوفييت في مستنقع"، عبر تسليح "المجاهدين" الإسلاميين. قال بثقة: "نحن نصنع قنبلة إسلامية موقوتة. ستنفجر في وجه الاتحاد السوفييتي، ثم نرى كيف يتعاملون معها."
سأله مصرفي ألماني: "وماذا لو انفجرت في وجهنا أيضاً؟"
ابتسم زبيغو. "هذا خطر محسوب. لكننا سنكون قد انتهينا من استخدامهم قبل أن ينفجروا."
سجّل البارون ذلك في ذهنه: "استخدم ثم تخلص". كانت هذه هي القاعدة الذهبية للنادي. تنطبق على لومومبا، وتنطبق على المجاهدين، وتنطبق على أي شخص يستخدم ثم يصبح عبئاً.
بعد استراحة الغداء (سمك السلمون المدخن، ونبيذ بوردو، وسلطة الجرجير)، ناقشوا الشرق الأوسط. تحدث "السيد هنري كـ"، بصوته الأجش، عن ضرورة الحفاظ على "توازن القوى" في المنطقة. قال: "لا نريد سلاماً حقيقياً. السلام الحقيقي يعني أن الأطراف ستتوقف عن شراء أسلحتنا. نريد سلاماً متوتراً. سلاماً يبقي الجميع على أهبة الاستعداد."
اقترح أحد الحضور تسليح إسرائيل بأحدث الطائرات. وافق الجميع. لم يعترض أحد. كان الصهاينة حاضرين في القاعة – ليس بأسمائهم، بل بمصالحهم المالية المشتركة مع الأوروبيين والأمريكيين. لاحظ البارون أن مصرفياً هولندياً كان يكتب أرقاماً على منديل ورقي. تلك الأرقام كانت تمثل عمولات صفقة السلاح القادمة.
في نهاية اليوم، وبعد مناقشة استمرت تسع ساعات، خرج البارون إلى شرفة الفندق. كان الجو بارداً، والثلوج تغطي الجبال المحيطة. أشعل سيجارة، وشهق دخانها بعمق.
اقترب منه رجل كان جالساً إلى جانبه أثناء الاجتماع. الرجل كان "الجنرال أرنو"، ضابط استخبارات فرنسي سابق، معروف بعلاقاته الوثيقة مع الأنظمة الأفريقية. قال الجنرال:
"أنت جديد هنا، أليس كذلك؟"
"نعم."
"كيف وجدت اليوم الأول؟"
"ممتع. أشبه بلعبة شطرنج بشرية."
ضحك الجنرال. "هذا أسوأ تشبيه سمعته. الشطرنج له قواعد. هنا لا قواعد. هنا من يملك أكبر قطعة يحركها كيف يشاء."
رمى البارون سيجارته نصف المنتهية في الثلج، ثم قال: "إذاً هذه ليست شطرنجاً. هذه غابة."
"أحسنت. غابة. والذئاب التي تعوي فيها هي وحدها من تعيش."
عاد البارون إلى غرفته تلك الليلة، وكتب في مذكراته الشخصية جملة واحدة:
"اليوم رأيت بوضوح: لست مجرد قاتل لومومبا. أنا جزء من آلة أكبر. آلة اسمها النظام."
ثم نام نوماً عميقاً، دون أحلام. للمرة الأولى منذ سنوات.
المشهد الرابع: صفقة القرن
في عام 1981، وبعد ثلاث سنوات من عضويته في النادي، تحقق وعد زبيغو. عُيّن البارون نائباً لرئيس المفوضية الأوروبية، مسؤولاً عن الطاقة والصناعة. كان هذا انتصاراً شخصياً هائلاً، لكنه كان أيضاً انتصاراً للنادي. فهم كانوا بحاجة إلى رجلهم في بروكسل لتمرير صفقة طال انتظارها: تحرير أسواق الطاقة الأوروبية.
البارون وقع الأوامر التي فتحت المجال أمام الشركات العملاقة لشراء شبكات الكهرباء والغاز في أوروبا. كانت هذه الشركات مملوكة لأعضاء النادي. لم يكن هناك فساد بالمعنى القانوني، لأن القوانين كانت تكتب لتتناسب مع ما يفعلونه. قال البارون مرة في محاضرة ألقاها في جامعة كولومبيا (دون أن يسجلها الصحفيون): "الفساد ليس أن تأخذ المال لقاء خدمة. الفساد أن تأخذ المال لقاء خدمة غير قانونية. نحن نغير القانون أولاً، ثم نأخذ المال."
في تلك الفترة، كان البارون يجتمع شهرياً مع "ماريانا العظيمة" (الاسم الرمزي للمليونيرة الصهيونية). كانت ماريانا تمتلك شركات في قطاع التكنولوجيا والطاقة، وكانت ترغب في توسيع نفوذها في أوروبا. قال لها البارون في أحد الاجتماعات:
"سيدة ماريانا، أوروبا ليست أمريكا. نحن نحب التنظيم. نحن نحب البيروقراطية. نحن نحب أن نضع عقبات أمام المستثمرين. لكن مع بعض الاستثناءات... يمكن تسهيل الأمور."
"ما هي الاستثناءات؟" سألته.
"أن تموّلي حملات بعض السياسيين الذين يقررون هذه الأمور. ليس رشاوى. مجرد تبرعات لحملاتهم الانتخابية. وفي بلجيكا، الحملات الانتخابية لا تخضع للرقابة نفسها التي تخضع لها في أمريكا."
ضحكت ماريانا. كانت تعرف اللعبة.
في عام 1984، قدمت ماريانا تبرعاً بقيمة مليوني دولار لحزبين بلجيكيين لم يُكشف عنهما. وفي العام التالي، وقع البارون مرسوماً يسمح لشركة مملوكة لماريانا بالاستحواذ على شبكة توزيع الغاز في شمال بلجيكا. كان سعر الصفقة أقل من قيمتها السوقية بنسبة 40%. لكن البارون برر ذلك بأنه "تشجيع للاستثمار الأجنبي".
لم يثر أي تحقيق. ولم يسأل أي صحفي. وكان البارون في نهاية عامه الخامس كنائب لرئيس المفوضية، يستعد للتقاعد... لكن التقاعد لم يكن نهاية، بل بداية جديدة.
المشهد الخامس: المغامر في قفص الاتهام (المحاكمة التي لم تكتمل)
قفز الزمن إلى 17 مارس 2026. كان البارون إتيان دي لا نوي في الثالثة والتسعين من عمره، طريح الفراش، يتنفس بصعوبة، وعيناه شبه مغلقتين. فجأة، سمع صوتاً من التلفاز: "محكمة بروكسل تأمر بإحالة الدبلوماسي البلجيكي السابق إتيان دي لا نوي إلى المحاكمة بتهم جرائم حرب..."
فتح عينيه. رأى وجه ابنته الكبرى شاحبة. رأى محاميه يرتب الأوراق في حالة ذهول. رأى الممرضة تقف في الزاوية، تهمس بشيء غير مفهوم.
"ما هذا؟" سأل بصوت متعب.
"الأوامر القضائية يا أبي" قالت ابنته. "لقد أحالوك إلى المحاكمة."
صمت البارون طويلاً. ثم ضحك. كانت ضحكة جافة، مبحوحة، تتحول إلى سعال ثم إلى صمت.
"المحاكمة... بعد 65 عاماً؟ هم أغبياء. لو كانوا أذكياء لتركوني أموت في سلام."
اتصل محاموه فوراً بالمحكمة لتقديم استئناف. بنوا استئنافهم على "سن المتهم العالي" و"عدم أهليته للمثول أمام القضاء". لكن المحكمة رفضت. وأصرت على أن يبدأ الاستماع إلى القضية في يونيو.
كانت هذه هي المرة الأولى التي يشعر فيها البارون بالخوف الحقيقي منذ حظيرة الدجاج. كان خائفاً ليس من العقاب – فهو سيموت قبل أن يُسجن. بل كان خائفاً من الفضيحة. من أن يفتح الناس ملفاته القديمة، ويروا كيف أن رجلاً متورطاً في جريمة قتل استمر في مناصب السلطة لعقود. كان خائفاً من أن يُسحب الستار عن النادي.
في ليلة 17 مايو، أي قبل أربع وعشرين ساعة من وفاته، استدعى البارون محاميه وطلب منه أن يحرق ملفاته الخاصة. قال: "الملفات في الخزانة الحديدية خلف لوحة الصيادين والفيل. أخرجها واحرقها. كلها."
نظر المحامي إليه: "لكن هذه الملفات تحتوي على أدلة يمكن أن تساعد في دفاعك!"
"أنا لا أريد دفاعاً. أريد نسياناً."
لم يفعل المحامي ما طلبه. بل احتفظ بالملفات في مكتبه. وبعد وفاة البارون، سلمها لعائلة لومومبا كبادرة حسن نية. تلك الملفات ستكون أساس الدعوى المدنية الجديدة ضد الدولة البلجيكية.
ومع ذلك، حقق البارون ما أراد: الموت قبل المحاكمة.
في صباح 18 مايو، دخلت الممرضة غرفته لتجد جسده بارداً، وعينيه مفتوحتين على مصراعيهما. حاولت إغلاقهما، لكنهما عادا للفتح. كأنه كان يريد أن يرى شيئاً في السقف. أو كأنه كان يرى شبحاً لا يراه غيره.
حاولت مرة أخرى. هذه المرة غمضت العينين وبقيتا مغلقتين.
كتب الأطباء في شهادة الوفاة: "وفاة طبيعية بسبب قصور في القلب."
لكن الذين عرفوه قالوا إن قلبه توقف عندما سمع صوت لومومبا يهمس في أذنه: "إتيان... حان وقت الحساب."
المشهد السادس: الحلم الذي لم يمت
في الليلة نفسها التي مات فيها البارون، حلمت حفيدة لومومبا، باتريشيا، حلماً غريباً. رأت في حلمها جدها جالساً تحت شجرة كابوك، رأسه على كتف غوريلا عجوز. كان يبتسم. كان يقرأ كتاباً. كان الكتاب مفتوحاً على صفحة بيضاء خالية. سألته باتريشيا: "ماذا تقرأ يا جدي؟"
رفع لومومبا رأسه، ونظر إليها بعينين لا تزالان تلمعان بالحياة. قال: "أقرأ المستقبل. الصفحة بيضاء الآن، لكنكم ستملؤونها قريباً."
"كيف؟"
"بأن تعيشوا. بأن تبنوا إفريقيا التي حلمت بها. بأن تتذكروا أن العدالة وإن تأخرت لا تموت."
استيقظت باتريشيا على صوت أذان الفجر. كان الأذان يعلن بداية يوم جديد في غزة، حيث كانت المجازر لا تتوقف. لكنها شعرت بطاقة جديدة تتدفق في عروقها. أخرجت هاتفها، وكتبت تغريدة واحدة:
"مات الجلاد. لكن القضية لم تمت. سنواصل النضال حتى آخر رمق. هذا وعد لومومبا لكل المستضعفين."
نشرت التغريدة. وتداولها آلاف. ثم عادت إلى النوم، لتحلم من جديد: هذه المرة حلمت بغوريلا صغيرة تلعب على جذع شجرة الكابوك، وتكتب على التراب بأصبعها اسم "لومومبا".
عندما استيقظت، وجدت أن الشمس قد أشرقت، وأن قطرات الندى تشكل على نافذتها كلمات صغيرة تكاد لا ترى. دنت منها، وقرأت: "الأفكار لا تموت."
ابتسمت.
كان هذا الفصل الثالث، عن العراب الذي نسج شبكة من الدم والمال، لكن الشبكة بدأت تتمزق. كان عن صانع الملوك الذي انتهى به المطاف ملكاً على لا شيء. كان عن النادي الذي يعتقد أنه يدير العالم، لكن العالم يفلت منه يوماً بعد يوم.
فهل سيأتي يوم يتحرر فيه العالم كله؟ لا نعرف. لكننا نعرف أن الذين يقرؤون هذه السطور، ويدركون معناها، هم الذين سيصنعون ذلك اليوم.
………
الفصل الرابع: النادي
( حيث يجتمع القتلة على مائدة من خشب الأبنوس)
المشهد الأول: باب لا يفتح إلا من الداخل
في ربيع عام 1999، حين كانت أوروبا تحتفل بقدوم اليورو كعملة موحدة، وحين كانت جثث كوسوفو تلقى في مقابر جماعية، وحين كان بيل كلينتون يبتسم للكاميرات رغم وصمة مونيكا لوينسكي، اجتمع سبعون رجلاً وثلاث سيدات في فندق صغير على قمة جبل في سويسرا. لم يكن الفندق معلناً في كتيبات السياحة، ولم يكن له اسم على خرائط غوغل (التي لم تكن اخترعت بعد). كان مجرد بناء حجري قديم، تحيط به أشجار الصنوبر التي تئن تحت وطأة الثلوج، وخلفه بحيرة سوداء كعين حزينة.
اجتماعات بيلدربيرغ – أو "النادي" كما يسميه الأعضاء فيما بينهم – كانت تعقد منذ عام 1954. لكن هذا العام كان مميزاً: لأول مرة، كان الأمين العام الجديد رجلاً بلجيكياً يدعى إتيان دي لا نوي. بلجيكي، سبعة وستون عاماً، دبلوماسي مخضرم، مفوض أوروبي سابق، نائب رئيس المفوضية الأوروبية الأسبق. وأيضاً: أحد الرجال الذين خططوا لنقل باتريس لومومبا إلى كاتانغا.
لم يذكر أحد هذا الإرث في حفل الافتتاح.
جلس الأعضاء حول طاولة طويلة من خشب الأبنوس، وضعت وسط قاعة بلا نوافذ، أضاءتها ثريات كريستالية باهتة. كل عضو كان يحمل اسماً رمزياً لا يعرفه إلا المقربون، وكلهم كانوا يعرفون بعضهم بوجوههم الحقيقية: ملوك بلا تيجان، رؤساء بلا شعوب، مصرفيون بلا حسيب، جنرالات بلا ميدان.
على رأس الطاولة، جلس إتيان. كان يرتدي بدلة زرقاء داكنة، ربطة عنق حريرية بلون الكبد، ساعة يد ذهبية تعطي الوقت المحدد لست قارات. وجهه كان كقناع فرعوني: ملامح صلبة، فم ضيق، عينان زرقاوان لا ترمشان كثيراً. إذا تحدث، تحدث بصوت منخفض، كمن يهمس بسر في عزاء.
خلفه، على الحائط، كانت هناك لوحة زيتية ضخمة لمعركة واترلو. نابليون منهزم، ويلينغتون منتصر، وكلاهما مات منذ قرون. ربما كان اختيار اللوحة رسالة غير معلنة: هنا، التاريخ يكتبه المنتصرون فقط. الخاسرون لا اسم لهم، أو تصير أسماؤهم أساطير مؤقتة.
فتح إتيان الاجتماع بنبرة دبلوماسية معتادة:
"أيها السيدات والسادة، النادي يشرف بحضوركم. لقد جئنا من أطراف الأرض الأربعة لنناقش قضايا الساعة. لن تخرج كلمة واحدة من هذه الغرفة. ولن تعرف الصحافة شيئاً عما سيقال. هذا هو تقليدنا. هذا هو قوتنا."
ثم أسلم الكلمة إلى المتحدث الأول، رجل عجوز بنظارات سميكة، بشعر أبيض كثيف، بوجه طفل صغير يكذب على جسد سياسي مخضرم. كان ذلك الرجل هو هنري كـ، الجوهرة التي لا تغيب عن هذه الاجتماعات منذ سبعينيات القرن الماضي.
وقف هنري كـ، وتنحنح، وقال:
"العالم يتغير بسرعة يا أصدقائي. الاتحاد السوفييتي مات، لكن روسيا ما زالت تشبه الدب الجريح. الصين تصعد كالقمر في ليلة مظلمة. أوروبا تريد عملة موحدة وجيشاً موحداً. والشرق الأوسط... الشرق الأوسط كالعادة: بركان لا يهدأ."
ثم نظر إلى إتيان، وابتسم ابتسامة باردة، كمن يقول: "وأنا أعرف لماذا اخترناك أنت لتقود هذا النادي. أنت رجل يعرف كيف يتعامل مع البراكين."
إتيان رد التحية بنفس البرودة.
بدأت الجلسة الأولى.
المشهد الثاني: مصرفيو الموت
الموضوع الأول كان "استقرار الأسواق المالية العالمية". لكن لم ينخدع أحد: "استقرار الأسواق" يعني دوماً "أرباحنا". ناقشوا سعر الفائدة، وأسعار النفط، وتدفقات رأس المال نحو الأسواق الناشئة، ومخاطر الانهيار في أمريكا اللاتينية.
أدار النقاش مصرفي سويسري ضخم الجثة، أصابعه مغطاة بالشعر، أنفه كأنه منقار نسر. كان يدعى "فريدريش فون غلوب". يمثل ثالث أكبر بنك في العالم، أمواله مستثمرة في كل شيء: من مناجم الذهب في جنوب إفريقيا إلى مصانع الأسلحة في أمريكا إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة.
قال فريدريش: "الخطر الحقيقي ليس التضخم، يا أصدقائي. الخطر الحقيقي هو أن يستيقظ الفقراء. في العام الماضي، كانت هناك احتجاجات في جاكرتا وساو باولو وباريس. في باريس! عمال السكك الحديدية يحرقون الإطارات في الشانزليزيه!"
تنهد بعمق، كأنه يتحدث عن أطفال عاقين.
"لذلك، أقترح زيادة التمويل المخصص لمنظمات المجتمع المدني التي نتحكم بها. لنعطهم القليل من الديمقراطية الوهمية، ليبقوا نائمين."
تمايلت الرؤوس بالموافقة.
وقف إتيان وفتح فمه: "هناك قضية أخرى. الكونغو. لا تزال فوضوية منذ... حادثة الستينيات. أريد أن أعرف كيف يمكننا استغلال مناجم الكوبالت هناك دون أن نبدو مستعمرين."
تحدث عن "الحادثة" كمن يتحدث عن حفلة عيد ميلاد فاشلة. لم يذكر لومومبا. لم يذكر مبولو. لم يذكر أوكيتو. لم يذكر حظيرة الدجاج. لم يذكر برميل الحامض. فقط "حادثة الستينيات"، بأحرف صغيرة.
تدخل مصرفي آخر، فرنسي هذه المرة، اسمه "جان لوك دوبون". قال: "الكوبالت ضروري لصناعة البطاريات. بدون الكوبالت، لا توجد سيارات كهربائية. وبدون السيارات الكهربائية، أوروبا لن تتحول إلى الطاقة النظيفة. القضية واضحة: يجب أن نسيطر على الكونغو بالقوة الناعمة. قروض بشروط، دعم لموبوتو، وتذكيرهم بأن من يخالفنا سيواجه مصير..."
توقف. نظر إلى إتيان. لم يكمل الجملة. لكن إتيان فهم.
قال إتيان بهدوء: "دعنا ننتقل إلى البند التالي."
المشهد الثالث: جنرالات بلا ميدان
البند التالي كان "الأمن العالمي". ترأسه رجل أمريكي قصير القامة، صلعاء رأسه لامعة، عيناه كخرزتين رماديتين. كان جنرالاً متقاعداً، خدم في فيتنام والعراق، ويُدعى في الأوراق السرية "واين س." بعض الحضور عرفوه باسم "واين سينجر"، لأنه صنع من الحروب سوقاً مربحة.
قال واين: "روسيا ضعيفة الآن، لكنها ستتعافى. يجب أن نطوقها من كل الجهات. توسيع الناتو شرقاً، زرع قواعد صواريخ في بولندا ورومانيا، وضمان أن أوكرانيا لن تعود أبداً إلى الحظيرة الروسية."
سأله أحد الحضور: "وكيف سنبرر هذا للشعب الأوروبي؟ سيتذكرون أننا وعدنا غورباتشوف بعدم التوسع."
ضحك واين ضحكة قصيرة: "الوعود للموتى فقط. الأحياء يحتاجون إلى أمن."
كانت هناك امرأة في نهاية الطاولة، لم تتكلم بعد. سيدة في الستين من عمرها، ممتلئة قليلاً، شعرها مصبوغ بلون الكستناء، عيناها خضراوان حادتان. كانت تمسك قلماً من الذهب، وتدوّن ملاحظات دون أن ترفع رأسها. إنها "ماريانا العظيمة"، مليونيرة صهيونية أمريكية، متبرعة رئيسية للحزب الجمهوري، وصديقة شخصية لعدد من الرؤساء.
رفعت ماريانا رأسها فجأة وقالت: "لا تنسوا إسرائيل. حلفاؤنا في الشرق الأوسط بحاجة إلى دعم مطلق. بدون إسرائيل، ليس لدينا عين تراقب إيران وتركيا وسوريا."
نظر واين إليها باشمئزاز خفيف، لكنه لم يقل شيئاً. الكل يعرف أنها تمتلك مفاتيح البنوك التي تمول حملاتهم الانتخابية.
أضافت ماريانا: "العرب في الخليج مستعدون لتطبيع العلاقات معنا، لكنهم بحاجة إلى غطاء. سأقوم بترتيب لقاءات مع بعض أمرائهم قريباً."
إتيان تدخل: "سيدة ماريانا، ربما يمكننا دمج هذا مع البند السابع حول 'ترتيبات الشرق الأوسط'. لنؤجله قليلاً."
أومأت ماريانا، وعادت إلى تدوين ملاحظاتها.
المشهد الرابع: تاجر النفط والأمير
كان البند السادس بعنوان: "منطقة الخليج: بين الحاجة إلى النفط والخوف من الصحوة". ثلاثة رجال تحدثوا بالتناوب: أمير سعودي شاب، عيناه كسيفين، ولحيته كخيوط السلك الكهربائي؛ وزير نفط إماراتي بدين، وجهه كالقمر الممتلئ؛ ومستشار قطري مدبوغ، يلبس عباءة بيضاء مبهرة.
الأمير الشاب (دعونا نسميه "عبد العزيز بن صقر") تحدث أولاً:
"نحن نقف على حافة الهاوية. الربيع العربي أربك حساباتنا. الثوار في تونس ومصر وليبيا... إنهم لا يريدون ما نقدمه. يريدون ديمقراطية! هل يعقل؟ ديمقراطية تعني أننا سنخسر العروش التي ورثناها عن آبائنا."
اهتزت القاعة بضحكات مكبوتة. لم تكن ضحكات ساخرة، بل ضحكات ارتياح: ها هو أحد الملوك يقول الحقيقة كما هي.
أضاف عبد العزيز: "لذلك، نحن بحاجة إلى دعم غربي غير محدود. لقمع أي حركة احتجاجية. وفي المقابل، سنحافظ على استقرار أسعار النفط، وسنشتري أسلحتكم، وسنستثمر أموالنا في سندات الخزانة الأمريكية."
تدخل تاجر النفط الإماراتي: "وبالنسبة لسوريا؟ النظام السوري يجب أن يسقط. هو حليف لإيران، وهو يعيق مشاريعنا لنقل الغاز إلى أوروبا."
المستشار القطري أضاف: "نحن على استعداد لتمويل أي حركة معارضة، حتى تلك التي تحمل بنادق. بشرط أن تكون تحت سيطرتنا."
هنا، تكلم إتيان مجدداً، بصوته المنخفض:
"لطالما كانت سوريا مشكلة. لديّ خطة. بدلاً من دعم النظام أو دعم المعارضة بشكل مكشوف، لماذا لا نخلق فوضى ممنهجة؟ ندفع باتجاه حرب أهلية طويلة. نصِّلح أطرافها. نزود الجميع بالسلاح. ثم في النهاية، نفرض الحل الذي نريد."
سأله هنري كـ: "أليس هذا خطيراً؟ الفوضى أحياناً تعض صانعها."
ابتسم إتيان: "الفوضى أداة، يا عزيزي. الأداة الجيدة لا تعض. فقط السيّئ يجرح نفسه."
ثم أخرج من محفظته ورقة مطوية، وضعها على الطاولة. كانت خريطة للشرق الأوسط مرسومة بقلم أحمر. عليها خطوط مقسمة تظهر "دويلات" جديدة: كردستان، سوريا صغرى، دولة سنية في الوسط، ودولة علوية ساحلية، ودولة درزية في الجنوب.
الجميع حدق في الخريطة بصمت.
قال إتيان: "هذا مشروعي منذ خمس سنوات. تفكيك سوريا إلى دويلات صغيرة متصارعة. كل دويلة تحت حماية قوة خارجية مختلفة. بهذا نضمن أن لا تهدد المنطقة أحداً أبداً. ونضمن أيضاً أن تبقى آبار النفط والغاز تحت سيطرتنا."
عبد العزيز بن صقر صفق بأصابع يديه العشر بهدوء: "رائع. دمشق ستكون تحت حماية سعودية؟"
"ربما. أو تحت حماية تركية. أو إسرائيلية. المهم أنها لن تكون مستقلة."
جرى تصويت سريع. الأغلبية أيدت المشروع. هكذا، في غرفة مغلقة في جبل سويسري، تقرر مصير ملايين السوريين. لم يسمع أحدهم بهذا القرار. لن يسمعوا أبداً. لكنهم سيعيشون نتيجته لسنوات: مقتل نصف مليون، تشريد ملايين، مدن تُمحى من الوجود، طائفة تبادل أخرى، وتنظيمات إرهابية تتغذى على أموال الخليج وأسلحة الغرب.
القرار اتخذ في أقل من عشرين دقيقة.
بعدها، استراحة قهوة.
المشهد الخامس: الممر
الممر الطويل المؤدي إلى قاعة الطعام كان مضاءً بأضواء صفراء خافتة، تشبه أضواء المصابيح الزيتية في الكنائس القديمة. مشى إتيان إلى جانبه رجل طويل، نحيل، ذو لحية رمادية وعينين زرقاوين حزينتين. كان ذلك الرجل "إريك ف. ن."، مصرفياً سويدياً، مسؤولاً عن صندوق تقاعد ضخم يملك أسهماً في معظم الشركات العالمية.
قال إريك هامساً: "إتيان، لدي سؤال شخصي. كنت أقرأ مؤخراً عن الكونغو. عن رجل يدعى لومومبا. هل كان لك علاقة بموته؟"
توقف إتيان. لم يتوقف خطاه فقط، بل توقف قلبه لثانية. هكذا شعر: صاعقة صغيرة في صدره. لكن وجهه لم يتغير. تدرب على عدم التغيير لعقود.
"لومومبا؟" قال باستفهام مصطنع. "آه، ذاك الزعيم الكونغولي. مات في الستينيات، أليس كذلك؟ حادثة مؤسفة. لكنني لا أتذكر تفاصيل."
"الأرشيف البلجيكي فتح مؤخراً. بعض الوثائق تشير إلى أن مسؤولاً بلجيكياً وافق على نقله إلى كاتانغا."
إتيان أطلق ضحكة باردة: "أيها الصديق، الوثائق تكذب أحياناً. والأرشيف يفتح ويغلق حسب رغبة السياسيين. لا تصدق كل ما تقرأ."
ثم وضع يده على كتف إريك، بانزعاج لطيف، وأكملا السير.
لكن إتيان قرر في تلك اللحظة أن يعيد ترتيب أولوياته. عليه أن يضمن أن لا يخرج هذا السؤال إلى العلن أبداً. عليه أن يدفن أي تحقيق محتمل. كيف؟ بالمال. بالنفوذ. بالضغط على السياسيين البلجيكيين. بشراء الصحفيين. بتذكير العالم بأن "الكونغو مشكلة قديمة، لا تستحق الاهتمام".
كل هذا كان سهلاً. المال يشتري كل شيء. حتى الصمت.
المشهد السادس: عشاء العمل
قاعة الطعام كانت أصغر من قاعة الاجتماعات، لكنها أكثر فخامة: ثريات فرنسية من القرن الثامن عشر، سجاد فارسي يدوي، لوحات لرسامين هولنديين تصور معارك بحرية وصيادي أسماك. الطعام كان من إعداد طاهٍ إيطالي شهير، حضر خصيصاً من ميلانو: مقبلات من الكافيار الروسي، باستا بالكمأة البيضاء، لحم ضأن مشوي بالأعشاب، وتيراميسو كحلوى.
النبيذ كان فرنسياً، من مزارع نادرة لا تنتج سوى بضع مئات من الزجاجات سنوياً. كل زجاجة تكلف ما يعادل راتب عامل كونغولي لثلاث سنوات.
أثناء العشاء، اختلطت المحادثات بين السياسة والفن وسباق الخيل. تحدثوا عن حفلة الأوبرا في فيينا، وعن اللوحة التي اشتراها أحدهم بمليون دولار، وعن صعوبة العثور على خادمات فلبينيات مخلصات.
كان هنري كـ جالساً إلى جوار إتيان. تحدثا قليلاً، بلغة الإشارات أكثر من الكلمات.
بعد الحلوى، وقف إتيان وألقى كلمة قصيرة:
"أيها الأصدقاء، عندما أنظر حول هذه الطاولة، أرى عبقريين. أناساً بنوا إمبراطوريات، حكموا دولاً، قلبوا موازين القوى. لكن الأهم من كل هذا: أنتم تتفقون فيما بينكم. هذا هو سر النادي. لسنا معصومين من الخطأ، لكننا معاً نصنع التاريخ."
ثم رفع كأسه: "للعالم الجديد. عالمنا."
صفق الجميع بحرارة. إنهم يحبون أن يسمعوا هذه الأشياء عن أنفسهم. المجاملات هي الخمر الثاني بعد النبيذ.
المشهد السابع: الرابعة فجراً
بعد منتصف الليل، انفض الاجتماع. غادر معظم الأعضاء إلى غرفهم، لكن بعضهم بقي في زوايا منعزلة يتحدثون بصوت منخفض. إتيان كان في غرفته الخاصة: غرفة صغيرة في الطابق الثالث، نافذتها تطل على البحيرة السوداء.
جلس على كرسي بجانب المدفأة، يشرب كأساً من الويسكي سكوتش. كان يفكر. ليس في لومومبا هذه المرة، بل في الجيل القادم. من سيخلفه؟ من سيدير النادي بعد رحيله؟ كان يخطط لتسمية خليفته خلال عامين. ربما أمريكي، أو ألماني، أو حتى بريطاني. لكنه لا يريد أن يبدو متحيزاً.
طرق الباب. دخلت ماريانا العظيمة. لم تنتظر الإذن. كانت ترتدي ثوباً أسود طويلاً، وعقداً من اللؤلؤ، ووجهها كان متعباً رغم الماكياج الثقيل.
"إتيان، لم أنم بعد."
"جلوس من فضلك. ماذا تريدين؟"
جلست على كرسي مقابل، وأخرجت سيجارة من علبة ذهبية، وأشعلتها دون أن تطلب الإذن. كانت تفعل ذلك دائماً: تتصرف كأن كل الأماكن ملكها.
"لدي مشروع. أريد دعماً من النادي لمرشح معين في الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة. رجل أعمال، مثير للجدل، اسمه دونالد ت. أنت تعرفه."
"نعم، سمعت عنه. يبدو... غير تقليدي."
"هو بالضبط ما نحتاجه. أوروبا تحلم بكلينتون ثانية، لكن أمريكا بحاجة إلى صدمة. ترمب سيكون مفيداً لإسرائيل، وسيكون مفيداً للنادي. هو ليس ذكياً جداً، لكن يمكن توجيهه."
ضحك إتيان: "ماريانا، أنت لا تطلبين دعماً، أنت تطلبين جيشاً. ترمب سيكلفنا الكثير."
"سيكلفنا أقل مما نكسبه. ثقي بي."
سكت إتيان لحظة. ثم قال: "سأطرح الموضوع على اللجنة التوجيهية. ليس الآن، بعد عام. ولكن إذا أردتِ أن تمولي حملته من أموالك الخاصة، فافعلي. النادي لا يمانع، لكنه لا يمكن أن يظهر كداعم رسمي."
هزت ماريانا رأسها: "وعد."
ثم وقفت، التفت عند الباب، وقالت: "بالمناسبة، عيد ميلادك بعد شهر. لدي هدية لك."
"لا أحب الهدايا."
"ستحب هذه. إنها وثائق تؤكد أن اسمك لم يظهر أبداً في أي تحقيق حول موت لومومبا. طبعاً، هذا غير صحيح، لكن يمكننا أن نجعله صحيحاً مقابل... مبلغ رمزي."
ابتسم إتيان للمرة الأولى ذلك المساء. ابتسامة خفيفة، كمن يجد غلطة مطبعية في وصيته. "أنت ماكرة يا ماريانا."
"هذا هو سبب نجاحي."
تركت الباب مفتوحاً قليلاً، وسمع إتيان خطواتها وهي تبتعد في الممر. ثم أغلق الباب بنفسه، وأطفأ الضوء، ونظر من النافذة إلى البحيرة السوداء.
انعكس القمر على سطحها كجرح فضي.
همس: "لومومبا... إذا كنت ترى هذا من حيث أنت... اعلم أنك خسرت المعركة لكنك لم تخسر الحرب. لقد مت، لكن اسمك لا يزال يخيفهم. لهذا نحتاج إلى اجتماعات سرية. لهذا نخاف من الصحافة الحرة. لهذا ندفع الملايين لنخفي آثارنا."
ثم أدار ظهره للنافذة، وذهب إلى السرير.
في صباح اليوم التالي، قبل مغادرة الفندق، سأله أحد الأعضاء الشباب: "ما هو سر نجاحكم، سيد إتيان؟"
نظر إليه البارون بعينين زرقاوين باردة، وقال:
"السر أن تعرف متى تتحدث ومتى تصمت. وأن تعرف أن الصداقات أهم من المبادئ. وأن تدرك أن العدالة ليست سوى كلمة يستخدمها الضعفاء ليطلبوا المساعدة. الأقوياء لا يحتاجون عدالة. الأقوياء يصنعونها."
غادر الحفيد الشاب وهو يردد هذه الكلمات. لقد بدأ رحلته في النادي. بعد عشرين عاماً، سيكون هو الأمين العام، وسيُدرّس هذه الكلمات للشباب الجدد. هكذا تستمر الدائرة.
المشهد الثامن: ما بعد النادي
بعد أيام من الاجتماع، عاد إتيان إلى قصره في بروكسل. وجد على مكتبه رسالة من أرملة أحد الضباط البلجيكيين الذين عملوا معه في الكونغو. تقول الرسالة: "سيدي البارون، زوجي مات الأسبوع الماضي. كان قبل موته يهذي بشيء عن ثلاث جثث وبرميل أخضر. أرجو أن تطمئنني: هل كان كلامه مجرد هذيان شيخوخة؟"
أمسك إتيان الرسالة، وأشعل ولاعة سجائره، وأحرقها فوق منفضة الرخام. ثم أرسل سكرتيرته لشراء باقة زهور (زنابق بيضاء) وإرسالها إلى الأرملة مع بطاقة تعزية تقليدية. لا كلمة عن البرميل. لا كلمة عن الجثث. مجرد: "ببالغ الحزن نعزيكم في فقيدكم."
بعد ثلاثة أيام، اتصلت به سكرتيرته: "سيدي، الأرملة تقول إنها تشكرك على الزهور، وتريد أن تعرف رأيك في دفع مرتب تقاعد زوجها المتأخر."
"أعطها ما تريد. وأرسل لها شيكاً إضافياً باسم التبرع الخيري."
لم يرد على سؤالها عن الهذيان. بعض الأسئلة لا تحتاج إلى إجابة. بعض الأسئلة تحتاج فقط إلى أن تُحرق كما تحرقت الرسالة.
في تلك الليلة، حلم إتيان حلمه المعتاد: إنه واقف في حظيرة دجاج، وثلاثة رجال ينظرون إليه بعيون ميتة، وبرميل أخضر يغلي بجانبه. يريد أن يصرخ لكن صوته لا يخرج. يريد أن يهرب لكن رجليه مغروستان في التراب الأسود.
استيقظ على الساعة الرابعة صباحاً، مرعوباً، يتصبب عرقاً. لم يعد ينام بعد ذلك. ظل جالساً على كرسي الهزاز حتى طلوع الشمس، يحدق في لوحة الصيادين الذين يذبحون فيلاً، ويتمتم بكلمات غير مفهومة.
عند الفجر، اتصل بطبيبه الخاص، وطلب دواءً جديداً للكوابيس.
لم يعرف الطبيب أن الكوابيس ليست مرضاً، بل ذاكرة لا تموت.
…….
الفصل الخامس: على حافة الهاوية – غزة نموذجاً
( حيث تنكشف المرايا وتتحطم)
المشهد الأول: خيمة على شاطئ الموت
في ليلة السابع من أكتوبر 2023، وفي مكان لا يبعد عن شاطئ غزة أكثر من كيلومترين، جلست شاعرة فلسطينية تدعى ليان عرفات على بساط بالٍ، تمسك بقلم جاف وتكتب على ظهر إعلان دواء ملقى في الشارع. كان القصف الإسرائيلي قد بدأ قبل ساعات، وكل ساعة كانت تحمل اسماً جديداً من الشهداء. لم تكن ليان تكتب قصيدة بالمعنى التقليدي. كانت تكتب أسماء. فقط أسماء.
أحمد، 6 سنوات.
سارة، 4 سنوات.
محمد، 32 سنة، مدرس.
نور، 19 سنة، طالبة.
عمر، 71 سنة، فلاح.
وئام، 22 سنة، عروس.
كتبت حتى امتلأ ظهر الإعلان، ثم قلبته وكتبت على الوجه الخلفي. ثم انتقلت إلى غلاف دفتر قديم. ثم إلى منديل قطني بالٍ. كانت تعرف أن الأسماء ستُنسى إذا لم تُكتب. وأن الصحف الغربية ستتحدث عن "قتلى" مجهولين، دون هوية، كأنهم أرقام في لوحة إحصاءات باردة.
في الغرفة المجاورة، كانت والدتها ترضع أختها الصغرى، وكان والدها يصلح راديو قديماً لسماع الأخبار. لم تكن هناك كهرباء. القصف الأخير قطع الخطوط.
جاءت صواريخ جديدة. هذه المرة، كانت أقرب.
ارتجت الخيمة. صرخت الأم. بكى الرضيع. سقط الراديو وتكسر إلى نصفين. طارت أوراق الأسماء في الهواء، تبعثرت فوق الرمال المبتلة بالدماء القديمة.
ركضت ليان خلفها. جمعت ما استطاعت. كانت تبكي وهي تجمعها، لكنها لم تتوقف. لأن القصيدة الحقيقية ليست في الكلمات، بل في من يقاوم النسيان.
في تلك اللحظة بالذات، وعلى بعد آلاف الكيلومترات، في قصر من الرخام في بروكسل، كان مسؤول رفيع المستوى في المفوضية الأوروبية يوقع وثيقة تسمح بتصدير شحنة أسلحة جديدة إلى إسرائيل. لم يكن الرجل شريراً بالمعنى السينمائي. كان أصلع، يرتدي بزة رمادية، ويتحدث ثلاث لغات. كان يعتقد أنه "يحافظ على التوازن" و"يدعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها".
لم يسأل نفسه: ماذا عن حق غزة في الدفاع عن نفسها؟ ماذا عن حق الأطفال في النوم دون خوف؟ ماذا عن حق الشاعرة في كتابة أسماء أحبائها دون أن تتطاير الأوراق بالقنابل؟
لم يسأل. لأنه في عالم النخبة، الأسئلة تطرح فقط على الضعفاء.
المشهد الثاني: ممرضة بلا حدود
بعد ثلاثة أشهر من بدء الحرب، في يناير 2024، كانت هناك ممرضة أيرلندية شابة تدعى "سيوبهان" تعمل في مستشفى المعمداني في غزة. كانت قد تطوعت عبر منظمة "أطباء بلا حدود"، ووصلت إلى القطاع قبل أسبوعين فقط. ما رأته فاق كل ما تعلمته في كليات الطب.
الأطفال يأتون بلا أطراف.
النساء يأتين بلا وجوه.
الشيوخ يأتون بلا أصوات.
في أحد الأيام، دخل طفل في السادسة من عمره، رأسه مربوط بقطعة قماش مدماه، وعيناه مصابتان بالعمى الجزئي. كان اسمه يوسف. سألته سيوبهان: "ماذا حدث لك يا يوسف؟"
قال الطفل: "كانت هناك طائرة. ثم صار ظلام."
لم يبك يوسف. سيوبهان هي التي بكت. بكت بصوت عالٍ، دون خجل، دون أن تمسح دموعها. بقيت تبكي وهي تعقّم جرحه، وهي تغير الضمادات، وهي تحاول إقناعه بتناول قطعة خبز يابسة.
في الليل، جلست تكتب رسالة إلى عائلتها في دبلن:
"أمي، أبتي، لا أعرف كيف أصف ما أراه. أتذكر عندما كنا نتناقش حول ازدواجية المعايير الأوروبية. كنا نظنها مجرد نظرية سياسية. إنها ليست نظرية. إنها دماء تتساقط على أرض فلسطين، بينما قادة أوروبا يتحدثون عن حقوق الإنسان في أوكرانيا فقط."
لم ترسل الرسالة. الإنترنت كان مقطوعاً منذ أيام.
بعد أسبوع، أصيبت سيوبهان بشظية في كتفها أثناء قصف طال المستشفى. نُقلت إلى مستشفى ميداني تابع للأمم المتحدة، ثم أُجلت إلى القاهرة، ثم عادت إلى دبلن. استقبلتها عائلتها بالبكاء، والجيران بالترحاب، والصحافة بسؤال واحد: "هل كان الأمر يستحق المخاطرة؟"
أجابت: "نعم. لأنني رأيت وجهاً لغزة ليس في نشرات الأخبار. رأيت طفلاً اسمه يوسف فقد بصره لكنه لم يفقد إنسانيته. رأيت أماً تلد في خيمة بلا ماء ولا دواء. رأيت شاعرة تكتب الأسماء على ورق الدواء. هؤلاء بشر مثلنا. والتمييز بين ضحية وأخرى هو أخلاق العصر الحجري."
أُغلقت المقابلة، وذهب خبر سيوبهان إلى أرشيف الصحف الإلكترونية، حيث يندفن بسرعة.
لكن كلماتها ظلت تتردد في أروقة البرلمان الأوروبي، بين الحين والآخر، كخافق قلب لا يريد الموت.
المشهد الثالث: اجتماع في القاعة الزرقاء
في فبراير 2024، اجتمع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في قاعة زرقاء كبيرة في بروكسل. كان جدول الأعمال الرئيسي: فرض عقوبات على روسيا. ثم، فجأة، أضافت الرئاسة الإسبانية بنداً عاجلاً: "مناقشة الوضع في غزة وسبل محاسبة إسرائيل".
صمتت القاعة. نظر الوزراء إلى بعضهم البعض.
كان وزير خارجية ألمانيا، رجل نحيل، نظارته مربعة، شعره أبيض كثيف، أول المتحدثين. قال:
"نحن نتفهم القلق الإنساني، لكن لا يمكننا معاقبة إسرائيل. إسرائيل شريك استراتيجي، وهي تدافع عن نفسها ضد الإرهاب."
رفعت وزيرة خارجية إيرلندا يدها: "وماذا عن الأطفال الذين يموتون؟ أليسوا بشراً؟"
أجاب الألماني ببرود: "لا أحد يقول إنهم ليسوا بشراً. لكن هناك قوانين وإجراءات. لا يمكننا اتخاذ قرارات عاطفية."
ثارت نقاشات حادة. طالبت إسبانيا بتعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل. أيدتها إيرلندا وبلجيكا وسلوفينيا. عارضتها ألمانيا وإيطاليا والمجر وجمهورية التشيك.
عند الساعة السابعة مساءً، وبعد ست ساعات من النقاش، أعلن رئيس الاجتماع: "لم نتوصل إلى إجماع. سؤال تعليق الاتفاقية يبقى مفتوحاً."
لم يعترض أحد. لم يطلب أحد إعادة النقاش.
هكذا انتهى الاجتماع. خرج الوزراء إلى بهو القاعة، وهم يتبادلون أطراف الحديث عن الطقس ومواعيد تناول العشاء. بعضهم شرب القهوة، وآخرون تدخنوا في ساحة المبنى، مغطى بالثلوج.
لم يتحدث أحد عن غزة.
خرجت وزيرة الخارجية الإيرلندية إلى ساحة التدخين، كانت ترتعش من البرد، لكنها رفضت أن تعود للداخل. نظرت إلى السماء الملبدة بالغيوم، وهمست بشيء لا أدري ما هو. لكن شفتيها تحركتا وكأنها تقول: "سامحينا يا غزة. نحن نخاف من الظهور بمظهر الأقوياء."
في تلك الليلة، حلمت الوزيرة أن يوسف الطفل الأعمى يقف أمامها، ويمد يده إليها، ويقول: "لماذا لم تصرخي بصوت أعلى؟"
استيقظت على الساعة الرابعة صباحاً، ولم تعد تغفو.
لكنها في الصباح، ذهبت إلى مكتبها كالمعتاد، ووقعت على أوراق تمديد عقوبات جديدة ضد روسيا، واكتفت بإرسال تغريدة على تويتر عن "القلق العميق إزاء الوضع الإنساني في غزة".
تغريدة واحدة.
ثم انتقلت إلى البند التالي.
المشهد الرابع: مذكرات جندي احتياط
على الجانب الآخر من المتاريس، كان هناك جندي إسرائيلي في الاحتياط، اسمه "أرئيل"، ابن الأربعين، أب لثلاثة أطفال، يعمل مهندس برمجيات في تل أبيب. استُدعي للخدمة في غزة في ديسمبر 2023.
دوّن مذكرات يومية في هاتفه المحمول، ليس لأنه يريد نشرها، بل لأنه كان يخاف أن ينسى.
يكتب في 15 ديسمبر:
"اليوم دخلنا خان يونس. المنازل كلها مهدمة. كلاب ضالة تأكل من أكوام القمامة. طفل يركض وراءنا يطلب ماء. زميلي إيال أعطاه قنينة. رفع الطفل قميصه وأظهر ندبة قديمة. قال: 'هذه من المرة السابقة، عندما كنتم هنا'. لم أستطع الرد."
يكتب في 5 يناير 2024:
"قصفنا مبنى كان يضم عائلتين. قبل القصف، أخبرونا أن فيه مسلحين. بعد القصف، عثروا على جثث نساء وأطفال فقط. الضابط قال: 'خطأ استخباري'. سألته: 'وماذا عن العائلات؟' قال: 'الحرب لها تكاليف.' أغمي عليّ للحظة. عندما أفقت، كنت أرتجف. لا أعرف هل من البرد أم من الغضب."
يكتب في 20 فبراير:
"في إحدى الغرف المهدمة، وجدت دفتراً لطفلة اسمها مريم. كانت تكتب الشعر. قصيدة عن الحلم بفستان أزرق. احتفظت بالدفتر في جيبي. كل ليلة أقرأ قصيدة وأبكي. زملائي يقولون إني ضعيف. ربما هم على حق. لكن الجيش لا يحتاج إلى أقوياء، بل إلى من يعرف متى يكف."
في 10 مارس، أصيب أرئيل بشظية في قدمه أثناء انسحاب قواته من منطقة الشجاعية. نُقل إلى مستشفى في عسقلان، ثم إلى منزله للتأهيل.
بعد أسبوع، عثرت زوجته على دفتر مريم في حقيبته. قرأته، ثم بكت، ثم سألته: "كيف يمكنك العيش مع هذا؟"
لم يجب أرئيل. لكنه في الليل، كتب على هاتفه رسالة لم يرسلها لأحد:
"أنا لست ضابطاً كبيراً. لست وزيراً. لست من صنع القرار. أنا مجرد جندي يحمل بندقية وأوهام. ربما هذا هو أسوأ أنواع البشر: أولئك الذين يعرفون أنهم يخطئون لكنهم يواصلون."
هل نسي أرئيل ما كتب؟ لا نعرف. لكنه بعد انتهاء خدمته، عاد إلى عمله في البرمجيات، وأغلق ملف المذكرات بكلمة مرور لا يتذكرها أحد.
دفتر مريم ظل على رف مكتبه لشهور، مغبراً، ينتظر من يقرأه.
المشهد الخامس: محكمة العدل الدولية – تاريخ من التأجيل
في يناير 2024، رفعت جنوب أفريقيا دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، متهمة إياها بارتكاب إبادة جماعية في غزة. كانت القاعة ممتلئة بالصحفيين والدبلوماسيين والمحامين. على المقاعد الخشبية القديمة، جلست ليان، الشاعرة الفلسطينية التي كتبت الأسماء على ظهر إعلان دواء.
لم تأتِ إلى لاهاي بدعوة رسمية. لم يكن لديها تذكرة طيران. جاءت على نفقتها الخاصة، بعد أن باعت خاتم خطوبتها الذهبي. جاءت لترى العدالة بعينيها.
استمعت إلى المرافعات لأيام. تحدث محامو جنوب أفريقيا بحماس، واستشهدوا بقرارات سابقة، وأوردوا إحصائيات عن القتلى والجرحى والمشردين. تحدث محامو إسرائيل ببرود، ونفوا التهمة جملة وتفصيلاً، وقالوا إن إسرائيل تحترم القانون الدولي وتتصرف دفاعاً عن النفس.
في الجلسة الختامية، وقف رئيس المحكمة، امرأة يابانية الجنسية، ذات صوت هادئ، وقرأت القرار: الأمر بإجراءات مؤقتة تمنع الإبادة الجماعية، وتسمح بدخول المساعدات الإنسانية، لكن دون أن تطلب وقف القصف.
سألت ليان محامياً جلست بجانبه: "هل هذا يعني أن القصف سيتوقف؟"
أجاب المحامي: "لا. هذا يعني أن المحكمة أعلنت أن هناك خطراً حقيقياً من الإبادة، لكنها لم تستخدم كلمة 'وقف'."
تنهدت ليان، وأخرجت قلماً جديداً، وكتبت على كف يدها: "العدالة تتأخر. والموت لا يتأخر."
غادرت القاعة، وعادت إلى غزة عبر معبر رفح بعد عناء طويل. في اليوم التالي لوصولها، قصفت طائرة إسرائيلية جيران منزلها. لم تسقط قنابل على بيتها، لكن شظاياها اخترقت نافذة غرفتها.
وجدت ليان نفسها ملقاة على الأرض، مغطاة بالغبار والزجاج المكسور. كان قلبها يخفق بعنف، وأذناها تطنان. وقفت ببطء، ونظرت إلى المرآة المكسورة: وجهها كان مغطى بخدوش صغيرة، لكن عينيها كانتا لا تزالان مضيئتين.
قالت لنفسها بصوت عالٍ: "لن نموت. لن نموت. سنكتب حتى آخر رمق."
في الليل، كتبت قصيدة جديدة عنوانها "لاهاي الباردة":
"في قاعة العدل الباردة
تحدث المحامون بلغة الضباب
وبين الجلسة والأخرى
يموت طفل فلسطيني في غزة
لا يعرف الفرق بين 'إجراء مؤقت' و'حماية'
فقط يعرف أن السماء تمطر ناراً
وأن الأرض لا تحتمل المزيد."
المشهد السادس: ازدواجية المعايير كما يعيشها اللاجئ السوري
في مخيم للاجئين في شمال لبنان، كان شاب سوري اسمه "باسل" يتابع الأخبار على هاتفه الرخيص. كان قد نزح من حلب عام 2016، بعد أن قُتل والده في قصف بجرة غاز جهنم لعصابات الإخوان المسلمين الوهابية ، وفقد أخوه في معركة ضد تنظيم "جبهة النصرة" الذي كان يتلقى دعماً خليجياً.
باسل لم يدرس كثيراً، لكنه كان ذكياً. كان يعرف أن الغرب يدعم "المعارضة المفبركة بترولاريا " في سوريا، وأن تلك المعارضة سرعان ما تحولت إلى تنظيمات متطرفة، وأن أمريكا وأوروبا أغمضتا أعينهما عن جرائم تلك التنظيمات طالما كانت تقاتل النظام السوري.
كان يعرف أيضاً أن أوروبا تفرض عقوبات قاسية على روسيا، لكنها ترفض فرض عقوبات على إسرائيل.
ذات يوم، سأله صديقه "نضال": "لماذا كل هذا النفاق؟"
أجاب باسل: "لأنهم في الغرب يعتبرون دماءنا أرخص من دمائهم. دم السوري لا يساوي دم الأوكراني. دم الفلسطيني لا يساوي دم الإسرائيلي. هذه هي القاعدة."
"وماذا نفعل حيال ذلك؟"
"نعيش. فقط نعيش. ونحاول أن نروي قصصنا. لأنهم يريدوننا أن نختفي. والمقاومة الحقيقية هي أن نبقى هنا، على قيد الحياة، نشهد."
في خيمته المتواضعة، بدأ باسل بتسجيل مقاطع فيديو قصيرة على هاتفه، يتحدث فيها عن تجربته. لم يكن يمتلك كاميرات احترافية، ولا إضاءة جيدة، ولا برامج مونتاج. فقط هاتف قديم، وصوت يخرج من قلب مجروح.
أحد مقاطعه انتشر بشكل واسع، وحقق مئات الآلاف من المشاهدات. في الفيديو، قال باسل:
"في عام 2014، كنت أعتقد أن داعش هي أسوأ ما رأت عيني. كنت أعتقد أن تنظيماً يقطع الرؤوس لا يمكن أن يكون أسوأ من أي شيء آخر. لكني كنت مخطئاً. الأسوأ هم من يدعمون داعش والقاعدة والإخوان المسلمين الإرهابيين ثم يدّعون أنهم يحاربون الإرهاب. الأسوأ هم من يموّلون القتلة ثم يبكون على الضحايا. الأسوأ هم من يجلسون في قصورهم البعيدة ويقررون من يستحق الحياة ومن يستحق الموت."
بعد نشر الفيديو، تلقى باسل تهديدات بالقتل. اضطر إلى حذف حسابه، والاختفاء لأسابيع. عاد بعد ذلك بحساب جديد، لكن بنبرة أكثر حذراً.
لم يتوقف عن الحديث، لكنه تعلم أن يتحدث بلغة الإشارات والتلميحات. في عالم الطغمة، الصراحة تكلف غالياً.
المشهد السابع: نافذة على مستقبل غزة – خيال أم حلم؟
في مايو 2026، وبعد أن تجاوز عدد شهداء غزة 70 ألفاً، عقدت الأمم المتحدة مؤتمراً صحفياً في نيويورك. وقفت متحدثة باسم الأمين العام، وقرأت بياناً: "نحن نشعر بقلق بالغ إزاء استمرار العنف في غزة. ونحث جميع الأطراف على ضبط النفس."
ضبط النفس! الكلمة السحرية التي تستخدمها المؤسسات الدولية عندما تريد أن تقول "لا نستطيع فعل أي شيء".
في غزة، لم يعد أحد يسمع هذه التصريحات. كانوا مشغولين بالبحث عن ماء نظيف، أو خبز غير ملوث، أو حفنة من الأسبرين لتسكين ألم طفل مصاب بحروق.
ليان الشاعرة كانت لا تزال تكتب. صار دفترها ممتلئاً عن آخره، وانتقلت إلى الكتابة على حائط غرفتها بالفحم. كانت تكتب أسماء، تواريخ، قصائد قصيرة، أسئلة بلا إجابة.
كتبت ذات يوم:
"إذا متّ غداً
فاعلموا أنني لم أمت جبانة
لقد وقفت في وجه العالم
بقلم وأوراق
وسؤال واحد:
لماذا دماؤكم أغلى من دمائنا؟"
لم تجب أحد. لكن الرياح حملت أسئلتها إلى بروكسل، إلى واشنطن، إلى لندن، إلى تل أبيب. حملتها إلى قصور النخبة التي تدير العالم، وإلى غرف النوم التي ينام فيها القتلة مرتاحي البال.
ربما وصلته، لكنهم تظاهروا بعدم السمع. لأن السماع يلزم. والالتزام يزعج.
المشهد الثامن: افتتاح شارع لومومبا في غزة
في صيف 2026، وبعد ضغط شعبي كبير، قررت بلدية غزة (بتوجيه من الحكومة المقالة) إطلاق اسم "باتريس لومومبا" على أحد الشوارع الرئيسية في المدينة. حضر حفل الافتتاح المئات، رغم الحصار والقصف المتقطع.
كانت ليان هناك. ألقت قصيدة مكتوبة على ورق ملفوف بالجرائد القديمة. قالت:
"يا باتريس لومومبا،
أنت لم تعش لترى هذه اللحظة.
لكن روحك حلت في كل صخر فلسطيني.
في كل زيتونة تثمر رغم الحصار.
في كل طفل يرفع حجراً في وجه دبابة.
لقد اغتالوك لأنك قلت 'لا'.
ونحن نقول 'لا' أيضاً.
فهل ستغتالوننا جميعاً؟"
صفق الحضور. بكى بعضهم. رفع الأطفال أعلاماً فلسطينية وأعلام الكونغو القديمة.
في تلك الليلة، ظهرت طائرات إسرائيلية بدون طيار في سماء غزة، وألقت منشورات تحذيرية: "سيتم قصف أي تجمعات جديدة فوراً."
لم يلتفت أحد.
لقد تعلم الفلسطينيون ألا يخافوا من الموت. فمن يعيش تحت القصف 365 يوماً في السنة، يصبح الموت عنده مجرد احتمال آخر، ليس أسوأ من الجوع أو المرض أو فقدان الأمل.
أضاءت ليان شمعة صغيرة على رصيف شارع لومومبا، وكتبت على الحائط المجاور:
"هنا، في هذا المكان،
تحت هذا الغبار،
نزرع وردة لكل شهيد.
قد تقصفون الوردة،
لكنكم لا تستطيعون قصف البذور.
البذور تحت الأرض.
وغداً... ستنبت غابة."
غادرت إلى خيمتها، متعبة، لكن عينيها كانتا لا تزالان مضيئتين.
في بروكسل، في تلك الليلة نفسها، كان الحاكم النيوليبرالي يستعد لإلقاء خطاب تأبين إتيان دي لا نوي.
كان سيصفه بأنه "صديق عزيز" و"رجل دولة كبير".
لم يذكر لومومبا. لم يذكر غزة. لم يذكر الازدواجية.
في عالم النخبة، بعض الموتى يستحقون التأبين. والبعض الآخر يستحق النسيان.
هكذا كانت الحال. وهكذا ستبقى، طالما بقي النادي، وطالما بقيت الطغمة، وطالما بقي الصامتون في قاعات العدالة يرددون: "نشعر بقلق بالغ".
لكن ليان لم تيأس. كانت تعلم أن التاريخ ليس مجرد كتابة، بل هو أيضاً قراءة. وأن كل من يقرأ هذه الكلمات، مهما كان بعيداً، يمكنه أن يصبح جزءاً من التغيير.
ربما ليس غداً. ربما بعد مئة عام. لكن التغيير سيأتي.
لأن الضمير، مهما قُمع، يظل يرتجف في مكان ما.
الفصل السادس : وصية لأجيال الغضب
( حيث تلتقي البدايات بالنهايات، وتولد الأسئلة من رماد الإجابات)
المشهد الأول: قبر بلا جثة، وذاكرة بلا حدود
في صيف عام 2026، بعد أشهر من وفاة البارون إتيان دي لا نوي، وقبل أيام من إغلاق ملف قضيته الجنائية رسمياً بسبب وفاته، سافرت باتريشيا، حفيدة لومومبا، إلى قرية مبومبا الصغيرة على ضفاف نهر الكونغو. لم تكن الرحلة عادية. لم تكن زيارة عائلة، ولا بحثاً عن جذور. كانت رحلة لتشييع روح.
كانت تحمل معها تابوتاً صغيراً مصنوعاً من خشب الأبنوس، لا يزيد طوله على ثلاثين سنتيمتراً. داخل التابوت، لم يكن هناك جسد. كان هناك السن الذهبي الوحيد الذي بقي من لومومبا بعد الحامض، والذي أعادته العائلة البلجيكية بعد ضغوط دبلوماسية استمرت سنين. إلى جانبه، وضعت باتريشيا نسخة من تقرير المحكمة الذي أدان دافينيون قبل وفاته، وأخرى من خطاب الاستقلال الذي ألقاه جدها في 30 يونيو 1960.
المشهد كان مهيباً وحزيناً في آن. تجمع حولها سكان القرية، كباراً وصغاراً، نساء يرتدين الملابس الزاهية، رجالاً يحملون الطبول، أطفالاً يرشون الزهور على الطريق الترابي. كانوا يرددون أغنية قديمة بلغة لينغالاي، تعني: "لومومبا لم يمت، لومومبا في قلوبنا".
دفنت باتريشيا التابوت تحت شجرة الكابوك العظيمة، على بعد خطوات من البقعة السوداء التي لا ينبت فيها العشب. ثم جلست على الأرض، واستمعت إلى شيوخ القرية وهم يروون تفاصيل الليلة التي لن تموت.
قال أحد الشيوخ، واسمه مبوي، وكان في العاشرة من عمره عام 1961: "سمعت الرصاصات. كنت خائفاً. أمي قالت لي: 'لا تخف يا ابني. الرجال العظماء يموتون لكن أفكارهم تطير كالطيور.' ومنذ ذلك اليوم، وأنا أرى طيوراً سوداء تحلق فوق هذه الشجرة كل عام في يناير."
نظرت باتريشيا إلى السماء. لم تر طيوراً سوداء، لكنها شعرت بحضور. حضور ثقيل، دافئ، كأن يداً خفية تلامس كتفها.
همست: "جدي، لقد أنهيت الرحلة. عدت بك إلى حيث بدأت. ليس جسدك، بل ذكراك. ستبقى هنا، بين من يحبونك، بعيداً عن قصور بلجيكا الباردة."
ثم نهضت، ومسحت دموعها، والتفتت إلى الحضور. قالت بصوت مرتفع:
"أيها الأحبة، هذا القبر ليس نهاية. القبور الحقيقية هي قلوب الذين ينسون. من ينسى لومومبا يدفنه مرة ثانية. من يتذكر يخلده. فلنتعهد اليوم: لن ننسى. ولن نغفر. ولن نسكت."
هتف الحضور. دقت الطبول. رقص الأطفال. وبكت النساء.
في تلك اللحظة بالذات، على بعد آلاف الكيلومترات، في بروكسل، كان الوزراء يوقعون وثيقة تعترف بـ "مسؤولية أخلاقية" للدولة البلجيكية في اغتيال لومومبا، لكنهم رفضوا دفع تعويضات مادية أو تقديم اعتذار رسمي.
"مسؤولية أخلاقية" هي العبارة السحرية التي تخفف الذنب دون أن تعترف به. كأن يقول قاتل لضحيته: "أنا آسف لأنك مت، لكنني لست آسف لأني قتلتك."
باتريشيا، حين سمعت الخبر، ضحكت ضحكة مريرة. قالت لرفاقها: "لقد قدموا له وردة على قبره، بينما هو يحتاج إلى اعتراف. لكن لا بأس. سنأخذ الوردة، ونزرعها في تراب غزة، لعلها تثمر زيتوناً."
المشهد الثاني: الجلاد الأخير يهمس في الميكروفون
بعد أسابيع من جنازة البارون، ظهر شريط فيديو مسرب من إحدى جلسات النادي السري. لم يُعرف كيف تسرب، ولا من سربه. لكنه انتشر كالنار في الهشيم. كان المقطع يظهر البارون إتيان دي لا نوي وهو يتحدث مع مصرفي سويسري عن "تفكيك سوريا" و"تحويل غزة إلى منطقة عازلة" و"ضمان ولاء حكام محميات الخليج عبر صفقات السلاح".
الجمهور تفاعل بصدمة. نزل آلاف المتظاهرين إلى شوارع بروكسل وباريس وبرلين، حاملين صور لومومبا وغزة وفلسطين. هتفوا: "النادي الإجرامي يجب أن يحاسب!" و"أين العدالة؟"
لكن ردود فعل النخبة كانت باردة. أصدرت المفوضية الأوروبية بياناً مقتضباً: "المقطع مزيف، ولا تعليق على وثائق مسربة." رفضت النيابات العامة فتح تحقيق. واكتفت الصحف الكبرى بنشر خبر صغير في الصفحة العشرين.
ليان الشاعرة، التي كانت لا تزال في غزة، تابعت الخبر عبر هاتفها الخلوي (حين يتوفر إنترنت). كتبت قصيدة قصيرة ونشرتها على صفحتها:
"تسرب فيديو
فيه رجال بدلات سوداء
يخططون لمذبحة
بين لقمة ورشفة.
العالم يغضب أسبوعاً
ثم ينسى.
لكن الضحايا لا ينسون.
فالموت
ليس كليبكات الفأرة.
الموت
رائحة حامض
لا تزول."
نالت القصيدة آلاف التفاعلات. لكنها لم تغير شيئاً.
بعد شهر، هدأت الاحتجاجات. وعادت الحياة إلى طبيعتها الوهمية. والعالم استمر في الدوران فوق قبور الملايين.
المشهد الثالث: حوار مع غوريلا عجوز – ما بعد الموت
في إحدى ليالي أغسطس 2026، وبينما كانت باتريشيا تنام في كوخ صغير بالقرب من شجرة الكابوك، حلمت حلماً مختلفاً. لم تر فيه جدها، بل رأت الغوريلا ماتو، التي كانت قد ماتت قبل أشهر. لكن ماتو في الحلم كانت حية، تنظر إليها بعيون بنية ذكية، وتحرك شفتين كأنها تريد الكلام.
اقتربت باتريشيا. قالت: "ماتو، هل تريدين أن تقولي شيئاً؟"
فتحت الغوريلا فمها، وخرج صوت ليس بشرياً تماماً، لكنه مفهوم. قال الصوت:
"شاهدة... كنت. رأيت. لن تنسى الغابة. لن تنسى الحامض. لن تنسى الصرخات. أنتِ الآن شاهدة. انقلي ما رأيتِ. فالبشر قصيرو الذاكرة. والغابة... الغابة تتذكر للأبد."
استيقظت باتريشيا فزعة. كانت تتعرق. نهضت، وخرجت إلى فناء الكوخ، ونظرت إلى السماء المرصعة بالنجوم. كانت تلمع كعيون ماتو.
أشعلت ناراً صغيرة، وجلست تتأمل. ثم كتبت في دفترها:
"تعلمت اليوم أن الشهادة ليست حكراً على البشر. الحيوانات، الأشجار، حتى التراب يمكن أن يكون شاهداً. نحن فقط من ننسى. نحن فقط من نغفل. يجب أن نتعلم من الغابة كيف نتذكر."
في الصباح، جمعت نساء القرية حولها، وروت لهن الحلم. نصحتها عجوز حكيمة: "احتفظي بهذا الدفتر. يوم من الأيام، سيكون مصدراً للتاريخ. ليس تاريخ المنتصرين، بل تاريخ الضحايا."
أومأت باتريشيا، ووضعت الدفتر في حقيبة جلدية معلقة على عنقها. لم تفارقها منذ ذلك اليوم.
المشهد الرابع: مرآة الشباب – ماذا تعلم الجيل الجديد؟
في جامعة القاهرة، وفي مؤتمر عن "العدالة الانتقالية في إفريقيا"، ألقت باتريشيا كلمة أمام مئات الطلاب. كانت المرة الأولى التي تتحدث فيها أمام جمهور كبير، خارج إفريقيا الوسطى.
وقفت على المنصة، ترتدي ثوباً تقليدياً كونغولياً، وشعرها مضفوراً على كتفيها. نظرت إلى الحضور، وأخذت نفساً عميقاً، ثم بدأت:
"أيها الشابات والشباب،
أنا حفيدة رجل قتلته الإمبراطورية البلجيكية في حظيرة دجاج، ثم أذابوا جسده في حامض الكبريتيك، ثم كرموا قاتله بلقب الفيكونت ومقعد في المفوضية الأوروبية.
جلست مع ذلك القاتل قبل وفاته. ليس وجهاً لوجه، بل عبر المحكمة. رأيته رجلاً عجوزاً، هزيلاً، يخاف الموت كما يخاف الأطفال الظلام. كان عاجزاً عن مواجهة ما فعل. ومات قبل أن يحاكم.
سألني أحد المحامين بعد وفاته: 'هل تشعرين بالارتياح الآن بعد أن مات؟'
قلت: لا. لا أرتياح. لأنه هرب من العدالة. لكني لا أحتاج إلى موته لأرتاح. أنا أحتاج إلى أن يعترف العالم بأن جرائمه كانت جرائم، وأن نظامه كان فاسداً، وأن النادي الذي كان يديره لا يزال يدير العالم حتى اليوم.
الشباب مثلكم هم أمل التغيير. أنتم من سيكسرون جدران الصمت. أنتم من سيفضحون ازدواجية المعايير. أنتم من سيجبرون أوروبا على النظر في مرآتها ورؤية وجهها الحقيقي: وجه مستعمر متوحش، يلبس قناع الديمقراطية وحقوق الإنسان.
لا تنتظروا من القادة شيئاً. القادة مشغولون بتأمين مقاعدهم. ابدؤوا من مجتمعاتكم الصغيرة. اكتبوا، ارسموا، صوّروا، غنوا، احتجوا. لا تيأسوا من صغر الصوت. فصوت النحلة صغير، لكنه يصنع العسل.
وشيء أخير: لا تنسوا لومومبا. لا تنسوا غزة. لا تنسوا سوريا الذي دمرها الإرهاب الوهابي الخليجي والتركي الأطلسي واسيادهم في تل ابيب وواشنطن . لا تنسوا أن الدماء التي تسيل اليوم هي نفس الدماء التي سالت قبل ستين عاماً. فقط الأقنعة تغيرت."
صفق الحضور بحرارة. وقف بعضهم يصفق، وآخرون بكوا. بعد المحاضرة، تقدم منها طلاب كثيرون يعانقونها ويطلبون التوقيع.
سألها طالب فلسطيني: "كيف نستمر؟ كيف لا نيأس ونحن نرى الخيانة كل يوم؟"
أمسكت بيده، وقالت: "بالغضب. الغضب النبيل هو وقود التغيير. لا تدع الغضب يحولك إلى إرهابي. اجعله يحولك إلى ناشط. اكتب. اقرأ. نظّم. فالكتابة سلاح الفقراء."
سجل الطالب كلماتها في هاتفه، ونشرها على وسائل التواصل. انتشرت كالنار، ووصلت إلى عشرات الآلاف.
في غضون أسبوع، أنشأت مجموعة من الطلاب صفحة إلكترونية باسم "ذاكرة لومومبا"، تهدف إلى توثيق جرائم النخبة حول العالم. لم تكن كبيرة، لكنها كانت بداية.
والبدايات، مهما كانت صغيرة، تحمل في طياتها نهايات قديمة.
المشهد الخامس: غزة بعد الحرب – ما تبقى من الأمل
بحلول خريف 2026، كانت الحرب على غزة قد توقفت صوريا واستكملت باشكال أخرى بالقصف والتجويع و منع الحاجات الأساسية . ليس بفضل المجتمع الدولي، بل بفعل استنزاف الطرفين . دخلت الهدنة حيز التنفيذ، لكن القليلين صدقوا أنها ستدوم.
كانت غزة وقد خرجت من الحرب بحجم الدمار الذي لم تشهد له البشرية نظيراً: أكثر من سبعين ألف قتيل، ومئتا ألف جريح، ونصف مليون مشرد، وسبعون بالمئة من المنازل مدمرة أو غير صالحة للسكن.
لكن الحياة، بعنادها الأسطوري، عادت تطل برأسها من بين الأنقاض.
ليان الشاعرة كانت لا تزال هناك. لم تغادر، رغم أن كثيرين نصحوها. قالت: "هذا وطني. سأموت هنا أو أحيا. لكني لن أهرب."
فتحت "مقهى الذاكرة" في خيمة كبيرة نصبت على أنقاض منزلها القديم. كانت تقدم الشاي والقهوة، وتستمع لقصص الناجين، وتدوّنها في دفاترها. كانت أيضاً تقرأ قصائدها كل مساء، أمام جمهور من الأطفال والنساء والشيوخ.
قرأت ذات مساء قصيدة عنوانها "وصية من لا يموت":
"إذا جئتم بعد مئة عام
و بحثتم عني في كتب التاريخ
فلن تجدوا اسماً كبيراً
ولا صورة في قاعات المجد.
لكنني سأكون هناك
في كل زيتونة تثمر
في كل حجر يلوح به طفل
في كل قصيدة تكتب بالفحم على الجدران.
لأن الذين يموتون من أجل الحرية
لا يموتون حقاً.
هم فقط ينتقلون إلى قلوب الأحرار."
بكى الحضور. صفقوا. رفع الأطفال أعلاماً فلسطينية صغيرة صنعوها من بقايا القماش.
في تلك الليلة، حلمت ليان أنها تمشي في شارع لومومبا في غزة. كانت الشوارع معبدة، والأضواء ساطعة، والأطفال يلعبون دون خوف. كان المشهد أشبه بالجنة أكثر منه بغزة.
اقترب منها رجل طويل القامة، أسمر البشرة، يرتدي بذلة بيضاء. قال: "أنا سعيد بما تفعلين."
سألته: "ومن أنت؟"
قال: "لومومبا. جئت لأشكرك."
ثم اختفى.
استيقظت ليان على صوت أذان الفجر. كانت الدموع تملأ عينيها. همست: "وسأستمر. سأستمر حتى لو كان الحلم هو كل ما تبقى."
المشهد السادس: ماريانا العظيمة تواصل اللعبة
على الجانب الآخر من الأطلسي، في قصرها الفاخر في نيويورك، كانت ماريانا العظيمة تستعد لحفلة عيد ميلادها الخامسة والسبعين. كانت القائمة تضم كبار رجال الأعمال والسياسة والإعلام. من بينهم: دونالد ت. الرئيس السابق الذي يسعى للعودة، وبعض أعضاء النادي السري، وعدد من السفراء الإسرائيليين.
لم تكن تحتفل فقط بعمرها، بل بانتصارها في تمرير أجندتها. لقد نجحت في دفع ترمب إلى تبني سياسات مؤيدة لإسرائيل بلا حدود، ونجحت في تعطيل أي محاولة دولية لمعاقبة إسرائيل على جرائمها في غزة.
في كلمتها أمام الحضور، قالت بثقة السيدة التي لا تعرف الهزيمة:
"لقد تعلمت في حياتي أن المال يحرك العالم. ليس الأخلاق، وليس القانون، وليس الضمير. المال وحده. الذين يمتلكون المال يمتلكون القوة. والذين يمتلكون القوة يكتبون التاريخ كما يريدون. نحن هنا لنكتب التاريخ. فلا تشغلوا أنفسكم بالصراخ من بعيد. الصراخ لا يغير شيئاً. الأموال هي التي تغير."
صفق الحضور بحماس. كانوا يعرفون أنها تقول الحقيقة. الحقيقة القاسية التي يتجنب الأدباء والفلاسفة قولها.
لكن خارج القصر، كان المتظاهرون يهتفون ضدها. كانوا يحملون صوراً لأطفال غزة الذين قتلوا بقنابل أمريكية الصنع، وصوراً للومومبا، وصوراً لماتو الغوريلا. كانوا يرددون: "ماريانا مجرمة حرب!"
داخل القصر، لم يسمع أحد الهتافات. كانت الجدران سميكة، والموسيقى عالية، والنبيذ وفيراً.
بعد الحفلة، جلست ماريانا وحدها على شرفة غرفتها، تنظر إلى أضواء مانهاتن. فكرت في حياتها، في إنجازاتها، في كل الدماء التي سالت بفضل تمويلها. هل شعرت بالندم؟
بالطبع لا. الندم عاطفة الضعفاء. وهي ليست ضعيفة. هي قوية، وستظل قوية حتى آخر يوم.
لكن شيئاً ما كان يزعجها. صوت صغير في أعماقها، لا تستطيع إسكاته. كان صوت الطفلة التي كانت يوماً، قبل أن تصبح مليونيرة، قبل أن تتعلم أن المال هو الإله الوحيد.
تنهدت، وأطفأت الضوء، وحاولت النوم.
لم تأتِ الكوابيس تلك الليلة. جاءتها بدلاً من ذلك صورة ضبابية لرجل أسمر البشرة، مبتسم، يقول لها: "كل شيء زائل يا ماريانا. حتى المال. حتى السلطة. حتى الذكريات. ما يبقى هو ما تفعلينه بمن هم أضعف منك."
استيقظت فزعة، لكنها سرعان ما تذكرت أنها ماريانا العظيمة، وابتلعت خوفها، وعادت إلى النوم دون أن تغير شيئاً.
المشهد السابع: رسالة إلى المستقبل – مئة عام بعد
في خاتمة هذا الكتاب، وبينما نستعد لتوديع أبطاله (القتلة والضحايا، الشهداء والجلادين، الثوار والمتواطئين)، نكتب رسالة إلى من سيأتون بعد مئة عام.
رسالة إلى عام 2126.
……..
إلى قارئ عام 2126،
إذا كنت تقرأ هذه الكلمات، فهذا يعني أن البشرية لم تفنِ نفسها بعد. هذا يعني أن الحياة استمرت، رغم كل شيء.
نكتب إليك من عام 2026، عام الدماء الكثيفة، عام ازدواجية المعايير، عام النادي الذي يدير العالم، عام غزة المحترقة، عام لومومبا الذي لم يُقبر بعد، عام الحامض الذي لا يجف.
نريد أن نخبرك بأن ما حدث ليس مجرد تاريخ. هو جرح لا يلتئم. هو وصية يجب أن تنتقل من جيل إلى جيل.
لا تدعهم ينسون. لا تدعهم يزيفون التاريخ. لا تدعهم يبنون تماثيل للقتلة.
وإذا كنت تعيش في عالم أفضل، عالم اشتراكي لا تحكم فيه النخبة، عالم لا تُذبح فيه الشعوب باسم الديمقراطية، عالم لا يحتاج فيه الأطفال إلى كتابة أسمائهم خوفاً من النسيان... فاعلم أن هذا العالم لم يأتِ من فراغ. جاء بفضل دماء من سبقوك. جاء بفضل صمود من رفضوا الركوع.
فلا تنس فضلهم. ولا تنس أن الحرية واجب، وليس هدية.
باتريس لومومبا: قتلوه لكنه خلد.
إتيان دي لا نوي: مات في فراشه، لكن اسمه صار عاراً.
غزة: احترقت، لكنها ستنهض من رمادها.
سوريا: مزقتها التنظيمات الوهابية الخليجية التركية الأطلسية والطائرات الصهيونية ، لكنها ستعود قوية.
النادي: لا يزال قائماً، لكن شروخه تظهر.
أنت يا قارئ المستقبل، مسؤول. مسؤول عن إكمال الطريق. مسؤول عن كشف الأقنعة. مسؤول عن ألا يموت الضمير.
فإذا قرأت هذه الكلمات، فاعلم أنها كتبت بالدماء والألم والأمل. واعلم أن كاتبها لم يعش ليرى ما تراه، لكنه آمن بأنك ستكون أفضل منه.
دماؤنا فداء لك يا حرية. ودماؤنا فداء لك يا عدالة.
الحرية والعدالة أختان لا تموتان.
المشهد الثامن : لومومبا يحلم
في خيال كاتب هذه السطور، وفي نهاية هذه الرحلة الطويلة التي استغرقت ستة عقود من الزمن الحقيقي، و مئات الصفحات من الزمن الورقي، نعود إلى حيث بدأنا: إلى حظيرة الدجاج. لكن هذه المرة، الحظيرة مختلفة. الجدران مطلية باللون الأبيض، والأرض مرصوفة بالرخام، والبرميل الأخضر تحول إلى نافورة مياه نقية.
يجلس لومومبا على كرسي خشبي بسيط، ويمسك بيده دفتر باتريشيا. يقرأ ما كتبته حفيدته عن رحلته، عن وفاته، عن قاتله، عن النادي، عن غزة، عن سوريا، عن كل ما تلا موته.
يبتسم. ابتسامة حزينة، لكنها مليئة بالفخر.
يغمض عينيه، ويتخيل عالماً جديداً. عالماً لا يكون فيه المال إلهاً، ولا تكون فيه النخبة سادة، ولا تكون فيه إفريقيا مجرد مزرعة للمعادن، ولا يكون فيه غرب آسيا ساحة لتجارب الأسلحة.
يفتح عينيه. يرى طفلاً صغيراً يلعب على الرخام الأبيض. يرى غوريلا صغيرة تجلس في الزاوية، تهمس بصوت منخفض: "لقد شهدنا. لقد رحلنا. لكن الشهادة باقية."
ينهض لومومبا، ويخطو نحو الباب المفتوح على مصراعيه. ينظر إلى الأفق البعيد، حيث تشرق شمس جديدة كل صباح، رغم كل القتلة، ورغم كل النوادي، ورغم كل الحامض.
يتمتم بكلماته الأخيرة، التي لم يقلها يوم موته لكنه قالها في قلبه:
"يا رباه. يا من ترى كل شيء. اشهد أنني لم أخن. اشهد أنني أحببت بلدي وأهلي. اشهد أنني ضحيت بحياتي من أجل حلم. احفظ هذا الحلم في قلوب الأحرار. واجعل ذكراي سوطاً على ظهور الطغاة. آمين."
ثم يخطو خارج الحظيرة، ويختفي في الضوء.
…….
الفصل السابع: الشهود لا يموتون
(حيث تشهد الغابة وتتحدث الحجارة وتكتب الدمى)
المشهد الأول: محكمة الغوريلا
في غابة الكونغو، حيث لا تصل قرارات محكمة العدل الدولية ولا تغريدات رؤساء الدول، كانت هناك محكمة أخرى. ليست محكمة بشرية، بل محكمة طبيعية. قضاتها الأشجار العجوز، وهيئة المحلفين فيها الطيور المهاجرة، وسجلاتها جذوع الأشجار التي تندب عليها الغوريلات.
في صباح أحد أيام نوفمبر 2026، وبعد أشهر من وفاة البارون إتيان دي لا نوي، اجتمعت مجموعة من الغوريلا تحت شجرة الكابوك التي دفن تحتها السن الذهبي للومومبا. كانت المجموعة تضم إناثاً مسنات وصغاراً فضوليين وذكراً واحداً كبيراً، رمادياً الصدر، يدعى "كوندي الابن". كان كوندي حفيد ماتو، الغوريلا التي شهدت الاغتيال قبل خمسة وستين عاماً.
وقف كوندي على قائمتيه الخلفيتين، وضرب صدره بقبضتيه ثلاث مرات. كانت تلك علامة على بدء الجلسة. تحدث بلغة الغوريلا التي لا يفهمها البشر، لكنها مليئة بالإشارات والهمهمات وحركات الجسد.
ترجمها شامان القرية (وهو رجل عجوز قضى خمسين عاماً في الغابة، وادعى أنه يفهم لغة الغوريلا) لجمع صغير من الباحثين والصحفيين الذين وصلوا بعد أن تسربت إليهم الأخبار.
قال كوندي:
"أيتها الأشجار العجوز، أيها الطير المهاجر، أيتها النملة التي تحفر في التراب الأسود، اشهدي. جدتي ماتو روت لي قبل موتها: في ليلة 17 يناير 1961، رأت ثلاثة رجال بشر مكبلين، رأت دماء، رأت برميلاً أخضر، رأت حامضاً يذيب الجسد الثالث. سألت جدتي نفسها: لماذا يفعل البشر هذا ببعضهم؟ لم تجب. لكنها تذكرت."
ثم أشار كوندي إلى نقطة محددة تحت الشجرة، حيث كانت البقعة السوداء لا تزال واضحة. "هنا دفنّا حلم لومومبا. ليس جسده، بل حلمه. الحلم لا يذوب بالحامض."
صمتت الغابة. حتى الطيور توقفت عن التغريد.
سأل أحد الصحفيين الشامان: "هل الغوريلا تفهم معنى العدالة؟"
ترجم الشامان السؤال. نظر كوندي إلى الصحفي بعينين عميقتين، ثم ضرب صدره مرة واحدة. قال: "العدالة ليست اختراعاً بشرياً. العدالة هي أن تعيش دون أن يقتلك أحد. العدالة هي أن تأكل عندما تجوع. العدالة هي أن تحضن صغارك دون خوف. إذا كان البشر لا يعرفون هذا، فهم أقل من الحيوانات."
تدوّن الصحفيون الكلمات بسرعة. لكن عندما نُشرت التقارير في الصحف الغربية، وصفت بـ "أسطورة بدائية". لم يأخذها أحد على محمل الجد. لكن في القرية، وفي الغابة، صارت كلمات كوندي دستوراً.
في العام التالي، أطلق الباحثون على تلك البقعة اسم "محكمة الغوريلا". وأصبحت قبلة للناشطين البيئيين والقانونيين الذين يؤمنون بأن الطبيعة تحتفظ بذكريات أطول من ذاكرة البشر.
باتريشيا، التي حضرت الجلسة عن بعد عبر مكالمة فيديو (لم تستطع السفر بسبب ظروف أمنية في الكونغو)، قالت للصحفيين: "لو أن العالم استمع إلى الغوريلا، لكان أفضل. الحيوانات لا تكذب. الحيوانات لا تزيف التاريخ. الحيوانات لا تبرر الإبادة الجماعية. البشر فقط من يفعلون ذلك."
المشهد الثاني: في متحف الذاكرة
في يونيو 2027، افتتحت باتريشيا "متحف الذاكرة" في مبنى صغير في كينشاسا، عاصمة الكونغو. كان المبنى قديماً، كان يستخدم كمستودع للمناجم زمن الاستعمار. حوّلته باتريشيا، بمساعدة متطوعين وتبرعات محدودة، إلى فضاء يروي قصة لومومبا، لكنه أيضاً يروي قصص ضحايا الاغتيال السياسي في كل مكان.
المتحف كان متواضعاً: قاعة واحدة، خمسة عشر لوحة جدارية، ثلاثة مجسمات خشبية، وإضاءة خافتة. لكن رسالته كانت كبيرة.
في الزاوية الشرقية، كان هناك مجسم لغوريلا تحت شجرة كابوك، وعيناها مضيئتان بلدين. في الزاوية الغربية، مجسم لحظيرة دجاج تتوسطها طاولة خشبية عليها برميل أخضر صغير. في الزاوية الشمالية، شاشة تعرض شهادات حية لناجين من جرائم الحرب للطغاة الإمبرياليين في الكونغو وغزة وسوريا.
أما في الزاوية الجنوبية، فكان هناك كرسي خشبي بسيط، مكتوب عليه: "اجلس هنا إذا كنت تريد أن تفهم معنى الألم". كان الكرسي مصنوعاً من بقايا خشب منزل قصف في غزة، وكان واهياً، يكاد ينهار.
زار المتحف في عامه الأول ثلاثة آلاف زائر فقط. معظمهم من طلاب المدارس والناشطين المحليين. لكن باتريشيا لم تيأس. كانت تقول: "المتحف ليس مكاناً للزوار، بل مكاناً للذاكرة. حتى لو جاء شخص واحد ورأى الحقيقة، فأنا سعيدة."
في إحدى الليالي، بعد إغلاق المتحف، جلست باتريشيا وحدها على الكرسي الخشبي. أخرجت دفتر جدها، وقرأت بعض الجمل التي كتبها لومومبا قبل اغتياله بأيام، وكانت قد عثرت عليها في أرشيف عائلي.
كتب لومومبا:
"ربما لن أرى النصر. لكنني سأزرع بذوراً يعيش عليها من بعدي. إفريقيا تستحق التضحية. والحرية تستحق الموت."
بكت باتريشيا. ليس حزناً، بل فخراً.
ثم أغلقت المتحف، وعادت إلى منزلها الصغير، حاملة معها دفتر الجد وقنينة من تراب البقعة السوداء.
في الطريق، صادفت طفلاً صغيراً يلعب كرة قدم بجوار شارع مضاء بشكل خافت. توقف الطفل، ونظر إليها، وقال: "أنت السيدة التي تحكي قصص الأجداد؟"
أجابت: "نعم."
قال الطفل: "جدتي تقول إن جدي كان يعرف لومومبا. هل يمكن أن تحكي لي قصته؟"
ابتسمت باتريشيا، وجلست على الرصيف، وبدأت تحكي. حكت عن حلم إفريقيا، عن المؤامرة، عن الحظيرة، عن الحامض، عن النادي السري، عن كل شيء. استمع الطفل باهتمام، وعيناه تتسعان.
عندما انتهت، قال الطفل: "أريد أن أصبح مثل لومومبا عندما أكبر."
لم تجب باتريشيا. لكنها مسحت على رأسه، وتمنت ألا يحتاج أحد إلى أن يصبح مثل لومومبا. أن يكفي أن يعيش الناس بسلام، دون أبطال ودون ضحايا.
لكنها عرفت أن هذا الحلم بعيد.
المشهد الثالث: إيرلندا – عندما غضبت قرية صغيرة
على بعد آلاف الكيلومترات، في قرية صغيرة في غرب إيرلندا، كان هناك نصب تذكاري غير عادي. نصبت قرية "دونيجال" (اسم مستعار لقرية حقيقية لا نكشف عنها) لوحة رخامية سوداء على جدار كنيستها القديمة، مكتوب عليها:
"هنا نحيي ذكرى شهداء غزة الذين سقطوا بين عامي 2023 و2026.
نحيي أيضاً ذكرى باتريس لومومبا، الذي اغتيل عام 1961.
نحيي أيضاً ذكرى كل ضحايا ازدواجية المعايير الغربية.
نعتذر لأن حكوماتنا لم تفعل ما يكفي.
لكننا، كمواطنين، لن ننسى."
كانت المبادرة من مجموعة من الشباب الكاثوليكي درسوا معاناة اهلهم على يد من احتل فلسطين عام ٢٠١٧ ،ثم ترك خلفه الصهاينة اي من ورث مهماته بتدمير غرب آسيا ، تأثروا بما رأوه على شاشات التلفزيون من مشاهد القصف في غزة. لم يكونوا سياسيين، ولم يكونوا أثرياء. كانوا مجرد مواطنين شعروا بالخجل من صمت حكومتهم ، ومن صمت الكنيسة، ومن صمت الجيران.
جمعوا التبرعات، واستأذنوا الكاهن (الذي وافق بعد تردد)، وأقاموا النصب. في حفل الافتتاح، تلى الشاب الذي قاد المبادرة (اسمه "شون") قصيدة كتبها بنفسه:
"سامحينا يا غزة
لسنا كل الأوروبيين
لكننا صامتون كثيرون
يخافون أن يغضب الأقوياء
فنفقد وظائفنا
أو أحلامنا
أو سمعتنا.
لكن اليوم اخترنا أن نتكلم.
بأسمائنا الحقيقية.
لا بالأسماء المستعارة.
فليذهب الخوف إلى الجحيم.
نحن مع غزة.
نحن مع لومومبا.
نحن مع كل ضحية
لم يلتفت إليها التاريخ."
حضر الحفل حوالي مئتي شخص. بعضهم بكى. بعضهم صفق. بعضهم غادر صامتاً، ربما يفكر. لكن الصدى تجاوز القرية الصغيرة. بعد أسبوع، التقطت صحيفة "آيرش تايمز" الخبر، ونشرت مقالاً بعنوان: "قرية إيرلندية تخجل من أوروبا".
انتشر المقال، ووصل إلى بروكسل. سأل بعض النواب الأوروبيين عن "ظاهرة دونيغال". لكن سرعان ما طُمر الخبر تحت طوفان من الأخبار الأخرى.
لكن النصب بقي. وما زال قائماً حتى اليوم الذي نكتب فيه هذه السطور. وما زال بعض المارة يقفون أمامه، يقرؤون الكلمات، ويشعرون بشيء أشبه بالخجل أو الغضب أو الأمل.
شون، الذي قاد المبادرة، لم يصبح سياسياً. عاد إلى وظيفته كمبرمج حاسوب، وظل يغرد بين الحين والآخر عن فلسطين والكونغو. لكنه قال لصديق له ذات مرة: "ربما لم أغير العالم. لكني غيرت نفسي. وهذا يكفي."
المشهد الرابع: نافذة على الجحيم – مذكرات مراسل حرب
في نهاية عام 2026، نشر مراسل حرب بريطاني يدعى "جيمس هولدن" (اسم مستعار) مذكراته عن تغطيته لحرب غزة. كان هولدن قد عمل لصالح قناة "دولية بريطانية عريقة " لأكثر من عشرين عاماً، غطى حروب أفغانستان والعراق وسوريا. لكن غزة كانت مختلفة.
كتب في مذكراته:
"في غزة، رأيت الموت وجهاً لوجه. ليس الموت البطولي في ساحة المعركة، ولا الموت المفاجئ بقنبلة طائشة. رأيت موتاً منظماً، صناعياً، كأنه مشروع إنتاج ضخم. كل يوم كان يجلب عدداً محدداً من الضحايا، كما لو كان المصنع يعمل وفق جدول إنتاجي.
سألت ضابطاً إسرائيلياً: كيف تختارون الأهداف؟ قال لي: 'لدينا نظام ذكاء اصطناعي يحلل البيانات. نحدد الأهداف بناءً على معايير أمنية.'
سألته: 'هل تعلم أن بين الأهداف أطفالاً ونساء؟' قال: 'الحرب ليست دقيقة. هناك أخطاء.'
لم أستطع الرد. فقدان الأهلية الكلامية.
لاحقاً، عرفت أن النظام كان يستهدف أي شخص يتنقل بين المنازل ليلاً بوصفه 'مشتبهاً'. كانوا يسمونه 'أبجد'. نظام أبجد قتل آلاف الأبرياء. لكن من يحاسب؟ لا أحد."
روى هولدن أيضاً عن رقيبه المباشر في القناة، الذي طلب منه "تقليل مشاهد الأطفال" لأنها "تؤثر على الحياد". سأل هولدن: "ما علاقة الحياد بأطفال يموتون؟" أجاب الرقيب: "الحياد يعني أن نعرض وجهتي النظر. ليس بالضرورة أن نظهر كل التفاصيل."
صُدم هولدن. لكنه كان بحاجة إلى الوظيفة. كان بحاجة إلى المال لعلاج ابنته المريضة. استمر في التغطية، لكنه بدأ يشعر بالغثيان كلما فتح الكاميرا.
في إحدى الليالي، بعد أن بث تقريراً عن مقتل عائلة كاملة في قصف استهدف منزلاً في رفح، جلس وحيداً في فندقه القريب من المعبر، وأخذ يبكي. بكى طويلاً، ثم كتب في مذكراته:
"أنا لست ضمير العالم. أنا مجرد مرآة معتمة. أعكس ما يراه الآخرون، لكني لا أستطيع تغيير أي شيء. ربما هذه هي مأساة جيلي: نعرف كل شيء، لكننا لا نفعل شيئاً."
بعد انتهاء الحرب، استقال هولدن من بي بي سي. قال لأصدقائه: "لم أعد أستطيع التظاهر بأن الحياد موجود. الحياد خرافة يرددها القتلة ليبرروا جرائمهم."
فتح مطعماً صغيراً في برايتون، وأسماه "غزة – مطعم الذاكرة". كان يقدم طعاماً فلسطينياً، وعلى جدرانه علق صوراً لأطفال غزة الذين صورهم خلال الحرب. كان يأتي إليه ناشطون وصحفيون سابقون وجاليات عربية. وكان أحياناً يبكي أمام الزبائن، دون خجل.
في عام 2028، أغلقت السلطات البريطانية المطعم بسبب "مخالفة شروط الصحة العامة". لكن الشائعات قالت إن الضغط كان سياسياً. هولدن لم يعلق. انتقل إلى اسكتلندا، وعاش في منزل صغير على الساحل، يكتب رواية لم ينشرها بعد.
عنوان الرواية: "المرآة المكسورة". يقولون إنها عن مراسل حرب فقد بوصلته الأخلاقية، ثم وجدها في قاع بئر في غزة.
المشهد الخامس: ترامب والجولاني – لقاء القمة الذي لم يبث
في فبراير 2027، وبعد ضغوط كبيرة، عُقد لقاء قمة بين الرئيس الأمريكي دونالد ت. ورئيس سوريا الذي نصبه ترامب دون انتخابات أو دستور أو شعب (الجولاني). اللقاء كان سرياً في البداية، ثم سربت صوره لاحقاً.
الصور أظهرت ترامب جالساً إلى جانب الجولاني على كرسيين من الذهب في قصر الشعب بدمشق. كان ترامب يبتسم، والجولاني يبتسم. كانا يتحدثان من خلال مترجم، ويشربان القهوة العربية، ويتبادلان المجاملات.
في تصريح صحفي لاحق، قال ترامب: "الرئيس الشرع رجل رائع. قمنا بعمل عظيم معاً. لقد حاربنا الإرهاب، وهزمنا داعش، وأعدنا الاستقرار إلى سوريا. إنه شرف لي أن أكون صديقه."
لم يذكر ترامب أن الجولاني كان قبل سنوات قائداً لجبهة النصرة، المصنفة إرهابية. لم يذكر أن آلاف السوريين قتلوا على يد تنظيمات كان الجولاني يقودها. لم يذكر أن أمريكا قدمت دعماً غير مباشر لتلك التنظيمات عبر حلفائها الخليجيين.
الجولاني، في مقابلته مع قناة "الجزيرة"، قال: "الرئيس ترامب رجل حكيم. لقد فهم أن سوريا الجديدة تحتاج إلى قيادة قوية. أنا سعيد بالتعاون معه لبناء مستقبل أفضل."
سألته المذيعة: "لكنك كنت تقاتل القوات الأمريكية في سوريا قبل سنوات. كيف تفسر هذا التحول؟"
ابتسم الجولاني ابتسامة عريضة: "السياسة تتغير. الأعداء يصبحون أصدقاء. المهم هو مصلحة الشعب السوري."
لم يضحك أحد على هذه الإجابة. لكن كثيرين في العالم العربي شعروا بالغصة. كيف يمكن لإرهابي سابق أن يصبح رئيساً، وكيف يمكن لأمريكا أن تتحدث عن "محاربة الإرهاب" بينما تتعانق مع أكبر إرهابي في المنطقة؟
باسل، اللاجئ السوري في لبنان، علق على الخبر بتعليق ساخر على صفحته: "أولاً داعش، ثم جبهة النصرة، ثم الرئيس الجولاني كوهين . أوروبا تحتضنهم، وأمريكا تمنحهم الشرعية. ونحن اللاجئين ننتظر دورنا. متى سنصبح رؤساء؟"
نال التعليق آلاف الإعجابات، لكنه لم يغير شيئاً. فالرئيس الجولاني لا يزال في قصر الشعب، وترامب لا يزال في البيت الأبيض، والبشر لا يزالون يموتون في غزة، والنادي السري لا يزال يجتمع في جبال سويسرا.
الدائرة لم تنكسر. فقط تغير الوجوه.
المشهد السادس: رسالة من سجن سياسي
في زنزانة انفرادية في سجن إسرائيلي، كان معتقل إداري فلسطيني يدعى "مصعب" يقضي عامه الثالث دون محاكمة. كان مصعب ناشطاً سياسياً، اتُهم بـ"التحريض على المقاومة". لكن لم تقدم ضده أي أدلة ملموسة.
في زنزانته الصغيرة (3 أمتار في مترين)، كان مصعب يكتب يومياته على ورق التواليت (كان هذا هو الورق الوحيد المتاح). كان يكتب قصصاً قصيرة عن طفولته في غزة، عن عائلته التي لم يرها منذ سنوات، عن أحلامه التي لا تموت.
كتب في يوم 17 يناير 2027، الذكرى السادسة والستين لاغتيال لومومبا:
"اليوم عرفت أن باتريس لومومبا قُتل مثلي تماماً. ليس بالرصاص، بل بالصمت العالمي. العالم يعرف أننا نُقتل، لكنه يتظاهر بأنه لا يعلم. العالم يعرف أن المحاكم الدولية مجرد ديكور، لكنه يصوت لها. العالم يعرف أن النادي السري يدير كل شيء، لكنه يتفرج.
لومومبا لم يمت. أنا لم أمت. المقاومة لم تمت. فقط الجبناء يموتون عندما تموت أحلامهم. ونحن لسنا جبناء."
تم تهريب هذه اليوميات إلى الخارج عبر محامي مصعب، ونشرتها إحدى المنظمات الحقوقية. أثارت ضجة محدودة، لكنها لم تؤد إلى الإفراج عن مصعب. ظل في زنزانته.
بعد عام، أفرجت السلطات الإسرائيلية عن مصعب ضمن صفقة تبادل محدودة. غادر السجن نحيلاً، شاحباً، عيناه غائرتان لكنهما لا تزالان مضيئتين.
عند وصوله إلى غزة، استقبله أهله وأصدقاؤه بحفاوة. سألته ليان الشاعرة: "كيف كان السجن؟"
أجاب: "كان درساً. تعلمت فيه أن الحرية ليست مكاناً، بل حالة ذهنية. إذا كنت حراً في داخلك، فلا سجن يحبسك. وإذا كنت عبداً في داخلك، فلا قصر يحررك."
لم تفهم ليان كل شيء، لكنها عانقته.
بعد أسبوع، كتب مصعب مقالاً طويلاً نشرته جريدة إلكترونية محلية، بعنوان: "رسالة إلى النادي السري". قال في المقال:
"أنتم أيها النادي السري، أيها الجالسون على مائدة خشب الأبنوس في جبال سويسرا، أيها الذين تقررون مصائرنا دون أن نعرفكم، أقول لكم: لن تنتصروا. سنظل نقاوم. ليس بالأسلحة فقط، بل بالكلمة، بالصبر، بالحلم. يوم من الأيام، سينهار جدار الصمت. يوم من الأيام، ستعرف الشعوب من قتل أحلامها. ويوم من الأيام، ستجلسون أنتم في الزنازين، ونحن في القصور. ليس لأننا نستحق القصور، بل لأننا نستحق الحرية."
لم يصل المقال إلى النادي. لكنه وصل إلى قراء كثر، وزرع بذوراً في قلوبهم. وكل بذرة، مهما كانت صغيرة، قابلة لأن تنبت في يوم ما.
المشهد السابع: عندما التقى الضحايا – مؤتمر دولي للذاكرة
في أكتوبر 2028، عُقد مؤتمر دولي في مدينة جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا، تحت عنوان "ذاكرة الضحايا: من لومومبا إلى غزة". كان المؤتمر مختلفاً عن أي مؤتمر دولي آخر. لم يدعه حكام، ولم يموله أغنياء، ولم يحضره قادة. دُعي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتم تمويله عبر تبرعات صغيرة من آلاف الأفراد.
حضر المؤتمر: باتريشيا حفيدة لومومبا، ليان شاعرة غزة، باسل اللاجئ السوري، سيوبهان الممرضة الأيرلندية، شون ناشط القرية الإيرلندية، مصعب المعتقل الفلسطيني السابق، وكاهن من قرية دونيغال.
كان المكان بسيطاً: قاعة صغيرة في إحدى ضواحي جوهانسبرغ، تتسع لخمسمئة شخص فقط. لكن الحضور فاق التوقعات. وصل ألفان، وجلسوا على الأرض، على السلالم، حتى على الأسطح.
افتتحت باتريشيا المؤتمر بكلمة قالت فيها:
"لسنا هنا لنبكي على أنفسنا. لسنا هنا لنلقي محاضرات أكاديمية. لسنا هنا لنتهم أحداً بعينه. نحن هنا لنتذكر. لكي نضمن أن ما حدث لن يتكرر. أطفال غزة يستحقون أن يعرفهم العالم بأسمائهم، لا كأرقام في نشرات الأخبار. لومومبا يستحق أن يُذكر في الكتب المدرسية، لا في أرشيف المخابرات. سوريا تستحق أن تُروى قصتها بأصوات ضحاياها، لا بأصوات القتلة."
ثم ألقت ليان قصيدة جديدة، كتبتها خصيصاً للمؤتمر:
"نحن أبناء الحامض
وأبناء الرصاص
وأبناء الحجارة التي تلوح في وجه الدبابة
تعالوا نتكاتف
لنشكل جداراً بشرياً
أمام النادي السري
لنقل لهم:
ها نحن ذا
ما زلنا هنا
نكتب
نغني
نحلم
وننتظر
يوم الحساب."
بكى الجمهور. صفقوا طويلاً.
في ختام المؤتمر، وقف المشاركون دقيقة صمت على أرواح الضحايا. ثم رفعوا أياديهم البيضاء، ورددوا: "لن ننسى. لن نغفر. لن نسكت."
لم يبث التلفزيون الرسمي المؤتمر. لكن مقاطع الفيديو التي سجلها الحضور انتشرت على وسائل التواصل، ووصلت إلى ملايين.
في بروكسل، شاهد بعض المسؤولين الأوروبيين هذه المقاطع. قال أحدهم لزميله: "مجرد عاطفة. ستهدأ بعد أسبوع."
لكنها لم تهدأ. ظلت الذاكرة تضرب بجذورها، تنمو في السر، بعيداً عن الأضواء.
وبعد سنوات، عندما كُتب تاريخ هذه الفترة، قال المؤرخون إن مؤتمر جوهانسبرغ كان "بداية صحوة الضمير العالمي". لكن ذلك لم يحدث بين عشية وضحاها. استغرق عقوداً. وقد لا يكتمل أبداً. لكنه بدأ.
المشهد الثامن والأخير من الفصل السابع:
قبر البارون – زائر أخير
في مقبرة صغيرة في ضواحي بروكسل، تحت شجرة صفصاف تبكي أغصانها على قبور النبلاء، كان قبر البارون إتيان دي لا نوي. شاهده من الرخام الأسود، مكتوب عليه: "هنا يرقد رجل الدولة الكبير، صانع أوروبا، الفيكونت إتيان دي لا نوي."
في الذكرى السنوية الأولى لوفاته، جاءت ابنته الكبرى ووضعت باقة من الزنابق البيضاء على القبر. ثم انصرفت.
لكن في الليلة التالية، جاء زائر غير متوقع. كان رجلاً أسمر البشرة، يرتدي معطفاً أسود، قبعة من الصوف، ونظارة شمسية داكنة. جلس على مقعد حجري قريب من القبر، وأشعل سيجارة، وتأمل الشاهد طويلاً.
لم يقل شيئاً. لكنه عندما انتهى من سيجارته، وقف، واقترب من القبر، وبصق على الرخام الأسود.
ثم همس: "هذا نيابة عن لومومبا. وهذا نيابة عن مبولو وأوكيتو. وهذا نيابة عن كل طفل فلسطيني مات تحت القصف الذي مولته سلطة رأس المال التي تحكمكم."
ثم استدار ومشى ببطء نحو بوابة المقبرة.
كان ذلك الرجل هو "جاسبارد"، الحارس البلجيكي السابق الذي رافق لومومبا في رحلته الأخيرة. كان قد تقاعد وعاش في عزلة لسنوات، يعاني الكوابيس والندم.
زار القبر ليودع شيخوخته، وليغسل ذنبه. لكن البصق كان تعبيراً عن الغضب الأعمق: غضب الشاهد الذي رأى الجريمة ولم يمنعها، ثم عاش طويلاً ليرى القاتل يُكرّم والضحية يُنسى.
غادر جاسبارد المقبرة، ولم يعد إليها أبداً. بعد عام، توفي في منزله الريفي، وحيداً، محاطاً بصور قديمة لأشخاص لا يعرفهم أحد.
في وصيته، طلب أن يُدفن في مقبرة عادية، بلا شاهد، بلا رخام، بلا لقب. وقال: "لا أستحق أن أُذكر. كنت جباناً. سامحني يا لومومبا."
…….
الفصل الثامن: نحو النور – خيوط الفجر
(حيث تنبت الزهور من تحت الرماد، ويمتد جسر بين الألم والأمل)
المشهد الأول: شجرة تتحدث في حديقة أوروبا
في صيف عام 2029، بعد ثلاث سنوات من رحيل البارون، وبعد أن خفتت أصوات الاحتجاجات وتحولت الانتقادات إلى همهمات خافتة، حدث شيء غير متوقع. في حديقة قريبة من مقر المفوضية الأوروبية الحكومة التنفيذية ، غير المنتخبة لسلطة رأس المال في بروكسل، حيث يقضي احيانا أعضاء المفوضية بعض لحظاتهم الأسبوعية، نبتت شجرة زيتون صغيرة وسط العشب الإنجليزي المشذب. لم يأت بها بستاني، ولم يزرعها طفل. نبتت من تلقاء نفسها، في المكان الذي كانت تقف فيه ذات يوم تمثال للملك ليوبولد الثاني (أُزيل بعد احتجاجات 2020).
لم ينتبه إليها الحراس في البداية. لكنها كبرت بسرعة، بشكل غير طبيعي. في غضون أشهر، صارت شجرة زيتون فارعة، تظلل مساحة بعرض خمسة أمتار. وكان أغرب ما فيها أن أوراقها كانت خضراء داكنة من جهة، وفضية لامعة من جهة أخرى، وكأنها تحمل وجهين.
هرع خبراء الزراعة لفحصها. قالوا: إنها من نوع نادر، موطنه الأصلي إفريقيا الوسطى، ولا يمكن أن ينبت في مناخ بلجيكا البارد. كيف وصلت إلى هنا؟ لغز حير العلماء.
لكن عامة الناس عرفوا. عرفوا أن لومومبا لم يمت بعد. وأن الأرض تشهد، حتى في قرب مقرات الحكام الفعليين غير المنتخبين من ممثلي الطغمة المالية . وأن العدالة، مهما تأخرت، تجد طريقها عبر الجذور.
رئيسة المفوضية ، التي كانت تشعر بالحرج من الشجرة، أمرت باقتلاعها. لكن كل مرة يحاول فيها الحراس إزالتها، كانت تنبت مجدداً في اليوم التالي، وكأنها تسخر من محاولاتهم. حاولوا قطعها، فخرجت من جذعها أغصان جديدة. حاولوا حرقها، فتصاعد منها دخان أبيض على شكل وجه رجل أسمر.
انتشرت القصة على وسائل التواصل. صارت الشجرة أيقونة للمقاومة السلمية. توافد عليها الزوار من كل أنحاء بلجيكا، يضعون عند جذعها صور لومومبا، ويضيئون الشموع، ويرددون أغاني الحرية.
أخيراً، وبعد ضغط شعبي كبير، أصدر المفوضية قراراً غير مسبوق: "تبقى الشجرة. لكن سيتم وضع لوحة تفسيرية توضح أنها هبة من الطبيعة، ولا تعبر عن موقف حكام العالم الأوروبي والأمريكي الفعليين ."
لكن الشعب كتب على اللوحة بعفوية: "هنا، حيث قتل الأجداد، تنبت الحياة. هنا، حيث صمت الآباء، يتكلم الأحفاد. يا لومومبا، انتصرت بعد الموت."
في العام التالي، كانت الشجرة تنتج زيتوناً سنوياً. ذهب محصولها الأول إلى غزة، كهدية رمزية، عبر منظمات إنسانية. حملته ليان بنفسها إلى مخيمات النازحين، وقالت: "هذا الزيتون من أرض القاتل. أصبح الآن طعاماً لأحفاد الضحية. هذه هي العدالة الحقيقية. ليست عقوبات، وليست محاكم، بل تحويل الشر إلى خير."
المشهد الثاني: خيوط العنكبوت – تفكك النادي من الداخل
في نهاية عام 2029، تسربت وثائق جديدة من النادي السري. هذه المرة، لم تكن مجرد مقطع فيديو أو محضر اجتماع، بل آلاف الصفحات التي تعود لعقود، كشفت أسماء الأعضاء، ومواعيد الاجتماعات، وقرارات مصيرية اتخذت بخصوص حروب وانتخابات وأسعار صرف.
الوثائق سُرقت من خادم إلكتروني لشركة أمنية سويسرية كانت تدير أرشيف النادي. لا يزال الجاني مجهولاً. لكن بعض التكهنات قالت إنه موظف سابق أصيب بمرض الضمير بعد أن رأى صور أطفال غزة.
سميت الفضيحة بـ "آركيف بوينت" (Archive Point)، وكُتبت عنها آلاف المقالات. نجت صحيفة "الجارديان" وأمضت شهوراً في تحليل الوثائق، ونشرت سلسلة تحقيقية بعنوان "النادي العاري" (The Naked Club). كشفت الوثائق:
· كيف خطط النادي لتفكيك سوريا عام 1999، عبر تقسيمها إلى دويلات متناحرة، وتمويل تنظيمات متطرفة لتحقيق ذلك.
· كيف ضغط النادي على حكومات أوروبية لعدم فرض عقوبات على إسرائيل عام 2024، رغم مجازر غزة.
· كيف دفع النادي بمرشحين محددين لمناصب رئيس المفوضية الأوروبية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، في صفقات تبادلية.
لم يذكر اسم البارون إتيان دي لا نوي كثيراً في هذه الوثائق، لكنه ظهر في هامش إحدى الرسائل الإلكترونية، ككاتب لعبارة واحدة: "تذكروا: من يمتلك المعلومات يمتلك العالم. ومن يمتلك العالم يمتلك كل شيء."
الرأي العام الغضب. نزلت مظاهرات في باريس وبرلين ولندن ومدريد وبروكسل، تطالب بحل النادي ومحاسبة أعضائه. لكن القضاء الأوروبي قال إن النادي ليس كياناً قانونياً، بل مجرد "تجمع غير رسمي"، فلا يمكن ملاحقته. وأعضاءه مازالوا يتمتعون بالحصانة بحكم مواقعهم السابقة أو الحالية.
واصل النادي اجتماعاته، لكن بسرية أكبر. وانتقل إلى فندق جديد في جبال الألب النمساوية، بعد أن فضح مكان الاجتماع القديم.
لكن الشروخ بدأت تظهر. بعض الأعضاء الشباب بدأوا يشكون في جدوى الاستمرار. بعضهم تسربت أسماؤهم للصحافة، وواجهوا مقاطعة اجتماعية. بعضهم الآخر انتحر أو اختفى.
كتبت ليان قصيدة قصيرة عن هذا:
"العناكب الكبيرة
نسجت خيوطاً حول العالم
لكن بعض الخيوط انقطعت
بسبب وزن الحقيقة
وتتدلى العناكب الآن
في فراغ
تنتظر السقوط."
المشهد الثالث: جائزة نوبل للذاكرة – تكريم لومومبا بعد ستة وستين عاماً
في أكتوبر 2029، أعلنت الأكاديمية السويدية منح جائزة نوبل للسلام بعد وفاته لباتريس لومومبا، تكريماً لنضاله ضد الاستعمار ودفاعه عن حقوق الإنسان، ولتكون رسالة بأن "الذاكرة لا تموت".
كانت المرة الأولى في تاريخ الجائزة التي تمنح بعد وفاة المستلم بأكثر من ستة عقود. أثار القرار جدلاً واسعاً: البعض رحب به باعتباره "تصحيحاً لخطأ تاريخي"، والبعض الآخر اعتبره "تلميعاً لصورة الغرب دون تغيير جوهري"لا سيما أن من اغلب من فازوا بها هم من القتلة الإمبرياليين أو من يخدمهم .
باتريشيا، حفيدة لومومبا، سافرت إلى ستوكهولم لتسلم الجائزة نيابة عن جدها. في كلمتها، قالت:
"هذه الجائزة ليست لجدّي فقط. إنها لكل الضحايا الذين لم يعرفهم التاريخ، لكل من ماتوا في صمت، لكل من ذابوا في حامض النسيان. أتمنى أن تكون هذه لحظة تأمل، وليس احتفالاً عابراً.
لومومبا لم يكن يبحث عن جوائز. كان يبحث عن حرية إفريقيا. كانت إفريقيا وما زالت تنزف، ليس فقط من جروح الاستعمار، بل من جروح النخبة التي تدير العالم من خلف الستار.
لن أقول إن هذه الجائزة تعيد له حقه. حقه لا يعاد بجائزة، بل بإفريقيا حرة، غزة حرة، فلسطين حرة، سوريا حرة، كل الشعوب المقهورة حرة.
لكني سأقبل الجائزة باسمه، وأضعها في متحف الذاكرة في كينشاسا، لتكون شاهداً على أن العالم، رغم قسوته، يمكن أن يتعلم أحياناً."
عند عودتها إلى الكونغو، استقبلها الآلاف في المطار، حاملين صور لومومبا وأعلام الكونغو وفلسطين. كانت لحظة تاريخية، مزجت بين الفرح والألم، بين النصر والجرح.
في غزة، احتفى الناس بالجائزة كأنها منحت لهم. كتبت ليان قصيدة جديدة:
"لومومبا نوبل
ليس لأنه كان عظيماً
بل لأن العالم أحس بالخزي
بعد فوات الأوان
لكن الأوان
لم يفت بعد.
لا يزال بإمكاننا
أن نصنع
كرامة جديدة.
لنبدأ."
المشهد الرابع: الجسر – عندما يلتقي لومومبا ودرويش في الحلم
في إحدى الليالي الجميلة من خريف 2029، حلمت ليان حلماً جميلاً. رأت فيه جسراً طويلاً يمتد من شاطئ غزة إلى شاطئ الكونغو، يطفو فوق البحر المتوسط، لا تدعمه أعمدة ولا ترتكز على أرض. عبر الجسر، رأت شخصين يتقدمان نحو بعضهما.
من ناحية غزة، كان محمود درويش، يرتدي بدلته المعتادة، ويمسك غصن زيتون. من ناحية الكونغو، كان لومومبا، يرتدي بذلته البيضاء، ويمسك قلماً.
التقيا في منتصف الجسر. عانقا طويلاً. ثم جلسا على حافة الجسر، وبدأ كل منهما يروي للآخر ما فعله الاستعمار بشعبه. تحدثا عن الخسارة، عن الألم، عن الأمل، عن الأطفال الذين يكبرون تحت القصف.
قال درويش: "لقد كتبت عن فلسطين كثيراً، لكنني لم أستطع أن أكتب يوماً قصيدة تخفف آلام طفل في غزة."
قال لومومبا: "لقد حلمت بإفريقيا حرة، لكن الاستعمار لم ينتهِ. لقد غير شكله فقط. الآن يدعونها 'العولمة'."
ضحكا. ثم صمتا. ثم قال درويش فجأة:
"هل تعلم أن هناك شجرة زيتون في حديقة قريبة من مقر الحكومة الأوروبية غير المنتخبة التي اسمها مفوضية سلطة رأس المال المتوحش في بروكسل ؟"
"نعم. جذورها تمتد إلى قبره. سأجعلها تثمر كل عام."
"وشجرة زيتون أخرى في منفاي بلبنان. زرعتها أمي قبل أن تغادر. لم أعد أرها منذ ثلاثين عاماً."
"سأرويها لك في الحلم المقبل."
ابتسم درويش، وأخذ يد لومومبا، ومشيا معاً نحو الأفق، حيث تشرق شمس لا تغرب أبداً.
استيقظت ليان على صوت أذان الفجر، والدموع تملأ عينيها. كتبت الحلم في دفترها، وأضافت عنواناً: "الجسر: حوار مستحيل لكنه ضروري".
بعد أسبوع، نشرت ليان قصيدة طويلة بعنوان الجسر، تقول في مقطع منها:
"يا لومومبا، يا درويش،
كلانا يغني جرحاً واحداً
بألسنة مختلفة.
كلانا يمشي على جسر من خيوط العنكبوت
فوق بحر من الدماء.
لكننا لن نسقط.
لأن الجسر مصنوع من قلوبنا.
وقلوبنا
لم تعرف الاستسلام."
المشهد الخامس: نحو النور – خيوط الفجر
في بداية عام 2030، بدت بوادر تغيير حقيقي تلوح في الأفق. ليس ثورة كبرى، ولا انهياراً مفاجئاً، بل تغيرات بطيئة، جزيئية، لكنها حقيقية.
في الكونغو، صدر قانون يجرم إنكار جرائم الاستعمار، وينص على تدريس تاريخ لومومبا في المناهج المدرسية. كان القانون مقيداً، فقد استثنى فترة حكم موبوتو الديكتاتوري، لكنه كان بداية.
في غزة، أعيد بناء شارع لومومبا بالكامل، ووضع تمثال رمزي للزعيم الكونغولي في وسطه، ليس تمثالاً بشرياً، بل كتلة من الحديد المصفَّح، ترمز إلى الصمود.
في سوريا، بدأ اللاجئون بالعودة تدريجياً، رغم استمرار الفساد والأمن الهش. كان عائداً واحداً من بين كل عشرة، لكن هذا كان أكثر من لا شيء.
في الكيان الصهيوني المارق ، تشكلت حركة احتجاجية يهودية ضد الاحتلال، ترفع شعار: "لن نغفر باسمنا". كان عددهم قليلاً، لكن صوتهم كان عالياً.
في أوروبا، أقر البرلمان الأوروبي قانوناً لملاحقة أعضاء النادي السري، لكنه ظل حبراً على ورق، لأن الأدلة غير كافية.
في قلوب الناس، كان الأمل يتسرب ببطء، كقطرات الماء التي تشق الصخر.
باتريشيا زارت غزة لأول مرة في فبراير 2030. التقت بليان، وباسل، ومصعب، وشون الذي سافر من إيرلندا. اجتمعوا في خيمة "مقهى الذاكرة" الذي تديره ليان، وأقاموا حفلاً صغيراً بالمناسبة.
تحدثت باتريشيا: "أتيت لأرى بعيني ما كتبت عنه. أتيت لأقول لكم: نحن لسنا وحدنا. الضحايا متحدون، مهما تباعدت أوطانهم. سند العالم هو تضامننا."
قرأت ليان قصيدة جديدة:
"خيوط الفجر
تمتد من غزة
إلى الكونغو
إلى سوريا
إلى كل زقاق
ضاق بالظلم
فانفجر.
نحن الخيوط
نحن الفجر
نحن النور
الذي لا يحتاج
إلى إذن ليشرق."
صفق الحضور. تعانقوا. بكوا. ضحكوا.
في تلك الليلة، وبينما كانت ليان تنام في خيمتها، جاءها حلم جديد. رأت فيه حديقة واسعة، مليئة بالأطفال من كل الألوان، يلعبون كرة القدم تحت شمس دافئة. في وسط الحديقة، كانت شجرة زيتون ضخمة، يجلس تحتها لومومبا ودرويش وماتو الغوريلا والبارون (لكن البارون كان مقيداً بالسلاسل، ينظر بحسرة).
قالت ليان في حلمها: "هل هذا هو المستقبل؟"
أجابها لومومبا: "هذا هو ممكن. إذا أردتموه. إذا عملتم من أجله. إذا لم تيأسوا."
ثم أشرقت الشمس، واختفى كل شيء.
استيقظت ليان على صوت أذان الفجر، ووجدت نفسها تبتسم. كتبت في دفترها:
"الفجر ليس مجرد وقت من اليوم. الفجر هو قرار. أن تختار النور رغم كل الظلمات. أن تختار الحياة رغم كل الموت. أن تختار الحلم رغم كل الكوابيس.
نحن الفجر. دعونا نضيء."
…….
الفصل التاسع والأخير: أبدية الذاكرة
(حيث لا تنتهي الحكاية، بل تتحول إلى نبض في شرايين الغد)
المشهد الأول: العودة إلى الجذر – حفلة تحت شجرة الكابوك
في الذكرى السبعين لاغتيال لومومبا، 17 يناير 2031، اجتمعت مجموعة صغيرة لكنها رمزية تحت شجرة الكابوك العظيمة في قرية مبومبا. كانت باتريشيا هناك، وقد ناهزت الخمسين، وشعرها يكتسي بالفضة. إلى جوارها جلست ليان، التي تمكنت أخيراً من مغادرة غزة بموجب هدنة طويلة الأمد أو شيئا ما جعل الكيان الصهيوني المارق يحتضر ، تحمل في حقيبتها دفتراً ممزقاً كتبت فيه آخر قصائدها.
كان باسل حاضراً، بعد أن حصل أخيراً على وثيقة لاجئ تسمح له بالسفر، وقرر أن يكون جزءاً من هذا التكريم. وشون، الذي أصبح راهباً كاثوليكياً متمرداً، يرتدي ثياباً بسيطة ويحمل صليباً خشبياً. وسيوبهان، التي تركت التمريض وأصبحت ناشطة في منظمة "أطباء من أجل الذاكرة". ومصعب، الذي تجعد وجهه لكن عينيه بقيتا تلمعان كنجمة في ليلة شتاء.
حضراتهم لم يتجاوزن الخمسين شخصاً. لكن حضورهم كان ثقيلاً كجذع الكابوك.
بدأت باتريشيا بالتحدث:
"قبل سبعين عاماً، في هذا المكان بالذات، انتهى حلم جسدي. لكن حلماً آخر ولد. ليس حلم الانتقام، بل حلم العدالة. ليس حلم الكراهية، بل حلم التذكر. جئنا اليوم لنقول: ما زلنا هنا. لم ننس. لن ننسى."
ثم تقدمت إلى البقعة السوداء، التي كانت قد تقلصت بفعل الأمطار والرياح لكنها لم تختفِ تماماً. سكبت عليها قنينة من ماء أحضرتها من فلسطين، وقنينة من ماء الكونغو، وقنينة من نهر السنغال، وقنينة من نهر الفرات. قالت:
"هذا هو دماء الشعوب المقهورة. تختلط هنا. لتصبح ذكرى واحدة. لتصبح حاجزاً أمام النسيان."
ثم صمت الجميع دقيقة. لم يقرع طبول، لم يغن أغاني، فقط صمت. صمت ثقيل، كالصمت الذي سبق الرصاصات عام 1961.
بعد الصمت، وقفت ليان وأنشدت قصيدة كتبتها خصيصاً لهذه المناسبة:
"بعد سبعين عاماً
ها نحن نقف حيث وقفوا
مكبلين لكن بأيد حرة
مذعورين لكن بقلوب جسورة
نحن ليسوا أسياداً
لسنا عبيداً
نحن بشر
يريدون أن يتذكروا
أن الأفكار لا تموت
وأن الحامض
لا يذيب سوى الجثث
أما الأرواح
فتطير
كعصافير
فوق شجرة الكابوك."
بكى الحضور. حتى الرجال. حتى باسل الذي طالما تظاهر بالقسوة.
بعد المراسم، جلس الجميع في حلقات صغيرة، تبادلوا القصص، وتشاركوا الطعام (موز وجبن وخبز محلي). كان الجو أشبه بعرس أكثر منه تأبين. كما قال شون: "نحن لا نحتفل بالموت، بل نحتفل بأن الحياة انتصرت. ليس بشكل كامل، لكنها انتصرت."
في نهاية اليوم، قبل المغادرة، زرعت باتريشيا شتلة زيتون صغيرة بجوار شجرة الكابوك. قالت: "هذه من نسل الشجرة التي نبتت في حديقة قرب مقر المفوضية في بروكسل . سيكون هذا رمزاً. جذور تمتد من بلجيكا إلى الكونغو، تحمل رسالة: لا يمكن للظلم أن يدوم. يوماً ما، ستثمر هذه الشجرة زيتوناً، ويأتي أحفادنا ويأكلون منه، ولا يتذكرون حتى سبب زرعها. وسنكون قد انتصرنا."
المشهد الثاني: المتحف الأخير – عندما يصبح الألم معلماً
في عام 2035، تم افتتاح "متحف الذاكرة العالمي" في لاهاي، بتمويل من تبرعات شعبية من أكثر من خمسين دولة، ومباركة رمزية من الأمم المتحدة. المتحف لم يكن مخصصاً لجرائم الحرب فقط، بل لمفهوم "الذاكرة" بحد ذاتها. كان يروي قصص ضحايا الاستعمار الغربي ، والأنظمة الديكتاتورية التي اسسها، والاحتلال، والإبادة الجماعية، من كل قارات العالم.
في الطابق الأرضي، كانت هناك قاعة ضخمة مظلمة، تتوسطها شاشة دائرية تعرض أسماء الضحايا بتسلسل زمني، من لومومبا عام 1961 إلى ضحايا الحرب الأهلية الإثيوبية عام 2033. كان الاسم يتوقف لثانية، ثم يختفي، ثم يظهر آخر. الأسماء كانت لا تتوقف أبداً. زوار المتحف كانوا يقفون أمام الشاشة لساعات، يحاولون قراءة أكبر عدد من الأسماء، لكنهم سرعان ما كانوا يغادرون وهم يشعرون بالدوار. الكثير منهم كان يبكي.
في الطابق العلوي، كانت هناك قاعة مخصصة لـ"النادي السري". عرضت وثائق مسربة، وتسجيلات صوتية، وصوراً فوتوغرافية لأعضاء النادي. وبجانب كل صورة، كان هناك جهاز تفاعلي يسمح للزائر بمعرفة "ماذا فعل هذا الشخص". لم تكن القصد إدانة، بل تثقيف.
كتب على جدار القاعة:
"هؤلاء ليسوا شياطين. هم بشر مثلنا. لكنهم اختاروا أن يكونوا قساة. اختاروا أن يضعوا مصالحهم فوق حياة الملايين. نحن لا نطلب منكم أن تكرهوهم، بل أن تفهموا كيف يعمل النظام. لأن الفهم هو الخطوة الأولى للتغيير."
أحد أقسام المتحف كان مخصصاً للشهادة الحيوانية: نُصبت كاميرات تعرض لقطات لغوريلات في غابات الكونغو، وطيور مهاجرة، وأفيال. وكانت تعليقات صوتية تروي كيف أن هذه الكائنات كانت شاهدة صامتة على جرائم البشر. الكثير من الأطفال كانوا يقضون ساعات في هذا القسم، منبهرين بقصص الحيوانات.
باتريشيا، التي أصبحت عضواً في مجلس أمناء المتحف، ألقت كلمة في حفل الافتتاح:
"هذا المتحف ليس نهاية. بل بداية. بداية لثقافة جديدة، ثقافة لا تسمح بتكرار الجرائم بحجة النسيان. أتمنى أن يأتي يوم لا يحتاج فيه العالم إلى متاحف للذاكرة، لأن الذاكرة ستكون جزءاً من كل إنسان. لكن حتى ذلك اليوم، سنبني متاحف، ونكتب كتباً، ونصنع أفلاماً، ونروي قصصاً. لأن النسيان هو القاتل الحقيقي."
انتهى الحفل، وأقبل الزوار. بعد سنة، كان المتحف قد استقبل مليون زائر. بعد خمس سنوات، تجاوز العدد الخمسة ملايين. أصبح المتحف قبلة للسياح والنشطاء والباحثين، ومصدر إلهام لحركات عدالة حول العالم.
عند مدخل المتحف، نصبت تمثالاً صغيراً لماتو الغوريلا، وهي ترفع يدها كأنها تشير إلى شيء. وكتب أسفله: "الشهادة حق حتى للحيوانات."
المشهد الثالث: ما بعد النادي – تفكك تدريجي
بحلول عام 2040، كان النادي السري قد فقد الكثير من نفوذه. ليس بسبب محاكمة أو انهيار مفاجئ، بل بسبب شيخوخة أعضائه، وعدم قدرة الجيل الجديد على استيعاب آلياته، وتزايد الشفافية العالمية.
آخر اجتماعات النادي عُقد في فندق صغير في النمسا عام 2038، حضره ستة أشخاص فقط، كانوا جميعاً تجاوزوا الثمانين. ناقشوا أحوال الطقس والذكرى أكثر مما ناقشوا السياسة. ثم تفرقوا، ولم يجتمعوا مرة أخرى.
الوثائق التي لم تسرب بعد، أرسلها بعض الأعضاء المتندمين إلى متحف الذاكرة في لاهاي، مع رسالة: "تصرفوا بها كما تشاؤون. نحن كبار جداً على الخوف."
في عام 2041، توفيت ماريانا العظيمة في منزلها في نيويورك، عن عمر يناهز التسعين. لم يحضر جنازتها سوى عدد قليل من الأقارب. الصحف كتبت خبراً صغيراً: "وفاة فاعلة خير ورائدة أعمال." لم تذكر غزة، ولا فلسطين، ولا النادي، ولا تمويل ترامب.
توفي دونالد ت. بعدها بعامين، في ظروف غامضة. تم دفنه في مقبرة عائلته، ولم يبك عليه كثيرون.
أما الجولاني، فقد اختفى من الحكم مع عصابات الإخوانج ، وبعض اتباعهم كشفوا اسرار من ادارهم من أنقرة وتل أبيب ومحميات الخليج برئاسة أمريكية . بعض من تبقى منهم كتبوا مذكراتهم التي لم يقرأها أحد.
باسل، اللاجئ السوري الذي أصبح كاتباً معروفاً، كتب عن الجولاني مقالاً عنونه: "الرجل (بما مثله من تحالف عصابات الإرهاب من الاخوان المسلمين وداعش والقاعدة الخادمة للإمبريالية ) الذي باع وطنه مرتين: الأولى للإرهاب، والثانية لأمريكا." حاز المقال جائزة أدبية مرموقة، وترجم إلى اثنتي عشرة لغة.
سيوبهان، بعد أن كبرت وأصبحت عجوزاً، ألقت محاضرة في جامعة دبلن عن ازدواجية المعايير الأوروبية. قالت: "لقد تعلمت في غزة أن الجثث لا تفرق بين مسلم ومسيحي، بين عربي وأوروبي. الموت متساوٍ. فلماذا لا تكون العدالة متساوية؟"
صفق لها الطلاب بحرارة.
أما شون، فقد أصبح راهباً اشتراكيا متجولاً، يزور السجون والمستشفيات والمخيمات، يحمل معه نسخة من كتاب عن لومومبا، ويقرأه على من يرغب. يقول: "الإيمان بدون عدالة هو نفاق. والعدالة بدون ذاكرة مستحيلة."
المشهد الرابع: خطاب لومومبا الأخير (الذي لم يلقَ قط)
في الخيال، أو ربما في عالم موازٍ، أُلقي هذا الخطاب في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2035، بمناسبة مرور مئة عام على ميلاد لومومبا (لو كان قد عاش). الخطاب ألقته حفيدته باتريشيا، لكن الكلمات نسبت إليه.
"سيدي الرئيس، أيها الحضور،
لو كنت حياً اليوم، لبلغت المئة عام. لكني لست حياً. لقد قتلوني في حظيرة دجاج، وأذابوا جسدي في حمض الكبريتيك. لكنكم ترونني الآن. كيف؟ لأن الأفكار لا تموت.
لو كنت حياً، لقلت لكم: كفى. كفى استعماراً بأسماء جديدة. كفى إبادة جماعية تبررونها بالدفاع عن النفس. كفى ازدواجية معايير تجعل دماء الأبيض أغلى من دماء الأسود. كفى نخبة عالمية تحكم من خلف الستار، وتجتمع في فنادق جبلية، وتتجاهل صراخ الملايين.
لكنني لست حياً، ولن أسمع ردكم. لكن ضميركم، إن بقي منكم ضمير، سيعرف أنني كنت على حق. وأن حلمي بإفريقيا حرة، بفلسطين حرة، بسوريا حرة، بكل الشعوب حرة، كان حلماً ممكناً. فقط من يخافون من الحرية هم الذين يقتلون الأحلام.
أترك لكم وصيتي: لا تنسوا. وعلّموا أولادكم ألا ينسوا. فالذاكرة ليست عبئاً، بل جناح. والنسيان هو القبر الحقيقي.
وداعاً. أو ربما إلى اللقاء، في عالم لا يموت فيه الأبرياء بصمت."
عندما انتهت باتريشيا من إلقاء الخطاب، صمتت القاعة طويلاً. ثم صفق الحضور بصمت غريب، كأنهم يصفقون لشبح.
بعد الجلسة، سألها صحفي: "هل تؤمنين بأن جدك يسمعنا الآن؟"
أجابت: "لا أعرف. لكني أعرف أننا إذا تذكرناه بما يكفي، فسيظل حياً في قلوبنا. وهذا يكفي."
المشهد الخامس: الخاتمة – حين تصبح الحكاية جزءاً منك
قارئي العزيز،
نحن الآن في نهاية هذه الرحلة. رحلة بدأت بحظيرة دجاج في الكونغو، ومرت لمقرات حكام بلجيكا وأوروبا ، وغرف النادي السري، وخنادق غزة، ومخيمات اللاجئين، وقلوب الملايين الذين رفضوا النسيان.
هذه الرواية، كما قلت لك منذ البداية، هي عمل أدبي يستلهم الحقائق لكنه لا يوثقها توثيقاً أكاديمياً. هي صرخة في وجه الصمت. قبضة في وجه الريح. حلم في وجه اليأس.
لن أنتهي بعبارة "انتهت الحكاية" لأن الحكاية لا تنتهي. هي مستمرة في كل من قرأ هذه السطور، في كل من تأثر بها، في كل من سينتقل إلى أصدقائه ليحكي ما قرأ.
لومومبا لا يزال حياً في كل ناشط أفريقي يرفع صوته ضد الفساد. غزة لا تزال حية في كل طفل فلسطيني يرفع حجراً في وجه دبابة. سوريا لا تزال حية في كل لاجئ يعود إلى بيته المدمر. النادي السري لا يزال حياً في كل قاعة مغلقة يصنع فيها القرار. لكن أيضاً، الذاكرة حية في كل متحف، كل قصة، كل دمعة، كل ضحكة.
الرصاص يقتل الجسد. الحامض يذيب العظام. لكن الذاكرة؟
الذاكرة لا تقتل، ولا تذوب، ولا تشترى، ولا تُسرق. الذاكرة هي الإرث الوحيد الذي لا يستطيع الأقوياء مصادرته.
لذلك، عندما تغلق هذا الكتاب، لا تغلق قلبك. دعه مفتوحاً، يتنفس، يتألم، يأمل. واذهب إلى العالم، وكن جزءاً من التغيير.
ليس بتغيير العالم كله دفعة واحدة، فهذا مستحيل. بل بتغيير ما حولك، خطوة بخطوة. بكتابة كلمة، برسم لوحة، بتبرع بقليل، بابتسامة في وجه حزين، بقراءة كتاب لطفل، بزيارة مريض. هذه الأفعال الصغيرة، مجتمعة، يمكنها أن تهز الجبال.
لومومبا قال قبل أن يموت: "الأفكار لا تموت بالرصاص."
ونحن نقول: "والذاكرة لا تذوب بالحامض."
فليحيا لومومبا. وليحيا كل من يكرم ذكراه. ولتحيا إفريقيا. ولتحيا فلسطين. ولتحيا سوريا. ولتحيا كل أرض تئن تحت وطأة الظلم.
أما القتلة، فليمتوا في صمت، أو ليتوبوا في علانية. لكن التاريخ لن يرحمهم.
وداعاً قارئي العزيز. وأرجو أن نلتقي في صفحات أخرى، في حكايات أخرى، في نضال آخر. إلى ذلك الحين، كن شاهداً. فالذاكرة تبدأ بك.
نهاية الرواية
نهاية الفصل التاسع والأخير
نهاية هذا العمل
……
كلمة أخيرة من الكاتب
قارئي العزيز،
هذه الرواية ليست توثيقاً تاريخياً بحتاً، بل هي عمل أدبي يستلهم حقائق تاريخية ويصوغها في قالب تخييلي. كل الشخصيات الرئيسية مستوحاة من شخصيات حقيقية، لكن أسماءها وغيرت بعض تفاصيلها حفاظاً على البعد الأدبي .
ما حدث في الكونغو عام 1961 ليس مجرد فصل منسي من تاريخ الاستعمار. هو نموذج مصغر لما يحدث اليوم في غزة وسوريا واليمن من احتلال سعودي اماراتي بدعم امريكي وأوكرانيا حيث تم تنصيب عصابة من النازيين الجدد في كييف من طرف مدام نولاند في الإدارة الأمريكية لتحقق ارباح لشركات السلاح من دافع الضريبة الأوروبي والامريكي. ازدواجية المعايير، هيمنة النخبة المالية، غياب العدالة الدولية، كلها ظواهر تتكرر بوجوه جديدة.
أتمنى أن تكون هذه الرواية قد أيقظت فيك سؤالاً، أو زرعت فيك شكاً، أو أشعلت فيك غضباً نبيلاً. فاللامبالاة هي أخطر أسلحة الطغمة.
تذكر دائماً: الأفكار لا تموت بالرصاص، ولا تذوب بالحامض. الأفكار تعيش فيمن يقرأ، ويكتب، ويتذكر، ويقاوم.
وإذا لم تستطع المقاومة، فلتكن شاهداً. الشهود أيضاً يصنعون التاريخ.
مع كل الحب والغضب،
كاتب هذه السطور
(2026)
تحريراً في سنة 2030 (ضمن الزمن الروائي)
المكان: خيالي لكنه حقيقي
الروح: لومومبا حي
الهدف: ألا ننسى
…….
